قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ يعني: على المشركين ﴿آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ يريد القرآن ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مشركوا قريش ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الفقراء المؤمنين] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ أنحن أم أنتم ﴿خَيْرٌ مَقَامًا﴾ وقرئ: مُقَاما بالضم [[قرأ ابن كثير المكي: ﴿خَيْرٌ مُقاما﴾ بضم الميم. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم: ﴿خَيْرٌ مَقَامًا﴾ بفتح الميم.
انظر: "السبعة" ص 411، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 205، "التبصرة" ص 256، "الغاية في القراءات" ص 317.]]. وهما المنزل والمسكن، وكذا قال المفسرون [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 11، "جامع البيان" 16/ 114، "بحر العلوم" 2/ 331 "النكت والعيون" 3/ 385 "المحرر الوجيز" 9/ 516.]].
والمَقَام بالفتح المصدر واسم الموضع جميعًا، وفَعَلَ يَفْعُل المصدر واسم الموضع منه على مَفْعَلٍ نحو: قَتَلَن يَقْتُل، مَقْتَلاً، وهذا مَقْتَلُ فلان، وأما المُقَام بالضم فيصلح أن يكون بمعنى الإقامة فعول أقَمْت مُقَاما كما تقول: أَقَمْت إِقَامَة، ومكان الإقَامَة مُقَام أيضًا، وكذلك ما زاد من الأفعال على ثلاثة أحرف بحرف زائد أو أصلي فالمصدر اسم الموضع يكون منه على مفعل [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 207، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 116، "الدر المصون" 7/ 628.]]. والمَقَام والمُقَام في هذه الآية يراد به المكان كما ذكرنا.
قال الأخفش: (يقال للمَقْعد المَقَام وللمشهد المَقَام) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 206.]]. ومنه قوله تعالى: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: 39] أي: من مشهدك، وقد يكون المقام حيث يقوم الإنسان كقول الراجز [[هذا صدر بيت لقطر. وعجزه:
ذَبَّبَ حَتى دَلَكَتْ بَرَاحِ
والبَرَاحِ: الشمس. ومعنى البيت: أن الشمس قد غربت وزالت فهم يضعون راحاتهم على عيونهم ينظرون هل غربت أو زالت.
انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 208، "النوادر" ص 315، "لسان العرب" (برح) 1/ 245.]]:
هَذَا مُقَامُ قَدَمَيْ رَبَاحِ
أي: موضع قيامه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ الندي فعيل بمعنى الفاعل وهو المجلس، وكذلك النادي، يقال: نَدَوْتُ القوم، أَنْدُوهم، نَدْوًا إذا جمعتهم، ويقال للموضع الذي يجتمعون فيه: النَّادِي، والنَّادِي لا يسمى نَادِيًا حتى يكون فيه أهله، وإذا تفرقوا لا يكون نَادِيا ومن هذا قوله: ﴿وَتَأْتُونَ في نَادِيكُمُ الْمُنْكَر﴾ [العنكبوت: 29] ولذلك سميت دار النَّدْوة بمكة، كانوا إذا حز بهم أمر نَدَوا إليها فاجتمعوا للتشاور، وأُنَادِيك أشاورك، وأجالسك من النَّادِي [["تهذيب اللغة" (ندا) 4/ 3543، "الصحاح" (ندا) 6/ 2505، "المفردات في غريب القرآن" (ندا) ص 487، "لسان العرب" (ندى) 7/ 4387.]]. قال كُثَير:
أُنَادِيْكَ مَا حَجَّتْ حَجِيْجٌ وَكَبَرَتْ ... بِفَيْفَا غَزَالٍ رُفْقَةٌ وَأَهَلَّتِ [[البيت لكثير. انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 208، "المنصف" 2/ 180.]]
والمعنى: أن المشركين قالوا للفقراء المؤمنين أنحن أم أنتم أعظم شأنًا، وأعز مجلسًا في قومه افتخروا عليهم بمساكنهم، ومجالسهم وحسن معاشهم [["جامع البيان" 16/ 116، "النكت والعيون" 3/ 386، "معالم التنزيل" 3/ 152، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 148، "زاد المسير" 5/ 157.]].
{"ayah":"وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَیۡهِمۡ ءَایَـٰتُنَا بَیِّنَـٰتࣲ قَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَیُّ ٱلۡفَرِیقَیۡنِ خَیۡرࣱ مَّقَامࣰا وَأَحۡسَنُ نَدِیࣰّا"}