الباحث القرآني

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ إلى آخِرِها حِكايَةٌ لِما قالُوا عِنْدَ سَماعِ الآياتِ النّاعِيَةِ عَلَيْهِمْ فَظاعَةَ حالِهِمْ ووَخامَةَ مَآلِهِمْ أيْ وإذا تُتْلى عَلى المُشْرِكِينَ ﴿آياتُنا﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ السّابِقَةُ ﴿بَيِّناتٍ﴾ أيْ: ظاهِراتِ الإعْجازِ تُحُدِّيَ بِها فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى مُعارَضَتِها أوْ مُرَتَّلاتِ الألْفاظِ مُلَخَّصاتِ المَعْنى مُبَيِّناتِ المَقاصِدِ، أمّا مُحْكَماتٌ أوْ مُتَشابِهاتٌ قَدْ تَبِعَها البَيانُ بِالمُحْكَماتِ أوْ تَبْيِينُ الرَّسُولِ ﷺ قَوْلًا أوْ فِعْلًا، والوَجْهُ كَما في الكَشّافِ أنْ يَكُونَ ﴿بَيِّناتٍ﴾ حالًا مُؤَكِّدَةً لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَقَدَها مِنِ اسْمَيْنِ لِأنَّ المَعْنى عَلَيْهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ والأعْرَجُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( وإذا يُتْلى ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّ المَرْفُوعَ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ مَعَ وُجُودِ الفاصِلِ ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ قالُوا. ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم قالُوا ما قالُوا كافِرِينَ بِما يُتْلى عَلَيْهِمْ رادِّينَ لَهُ أوْ قالَ الَّذِينَ مَرَدُوا مِنهم عَلى الكُفْرِ وأصَرُّوا عَلى العُتُوِّ والعِنادِ وهُمُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأتْباعُهُ الفَجَرَةُ فَإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ. واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِلتَّبْلِيغِ كَما في قُلْتُ لَهُ كَذا إذا خاطَبْتَهُ بِهِ، وقِيلَ لامُ الأجَلِ أيْ قالُوا لِأجْلِهِمْ وفي حَقِّهِمْ، ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ قَوْلَهم لَيْسَ في (p-125)حَقِّ المُؤْمِنِينَ فَقَطْ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾ أيِ: المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ كَأنَّهم قالُوا: أيُّنا (خَيْرٌ) نَحْنُ أوْ أنْتُمْ (مَقامًا) أيْ مَكانًا ومَنزِلًا، وأصْلُهُ مَوْضِعُ القِيامِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِمُطْلَقِ المَكانِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ والجُعْفِيُّ وأبُو حاتِمٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو ( مُقامًا ) بِضَمِّ المِيمِ وأصْلُهُ مَوْضِعُ الإقامَةِ، والمُرادُ بِهِ أيْضًا المَنزِلُ والمَكانُ فَتَتَوافَقُ القِراءَتانِ. وجُوِّزَ في البَحْرِ احْتِمالُ المَفْتُوحِ والمَضْمُومِ لِلْمَصْدَرِيَّةِ عَلى أنَّ الأصْلَ مَصْدَرُ قامَ يَقُومُ، والثّانِي مَصْدَرُ أقامَ يُقِيمُ، ورَأيْتُ في بَعْضِ المَجْمُوعاتِ كَلامًا يُنْسَبُ لِأبِي السُّعُودِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في الفَرْقِ بَيْنَ المَقامِ بِالفَتْحِ والمُقامِ بِالضَّمِّ وقَدْ سَألَهُ بَعْضُهم عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ؎يا وحِيدَ الدَّهْرِ يا شَيْخَ الأنامِ نَبْتَغِي فَرْقَ المَقامِ والمُقامِ وهُوَ أنَّ الأوَّلَ يَعْنِي المَفْتُوحَ المِيمِ مَوْضِعُ قِيامِ الشَّيْءِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ قِيامُهُ فِيهِ بِنَفْسِهِ أوْ بِإقامَةِ غَيْرِهِ، ومِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُكَثَّفِ فِيهِ أوْ بِدُونِهِ، والثّانِي مَوْضِعُ إقامَةِ الغَيْرِ إيّاهُ أوْ مَوْضِعُ قِيامِهِ بِنَفْسِهِ قِيامًا مُمْتَدًّا، فَإنْ كانَ الفِعْلُ النّاصِبُ ثُلاثِيًّا فَمُقْتَضى المُقامُ هو الأوَّلُ، وكَذا إنْ كانَ رُباعِيًّا ولَمْ يُقْصَدْ بَيانُ كَوْنِ المَقامِ مَوْضِعَ قِيامِ المُضافِ إلَيْهِ بِإقامَةِ غَيْرِهِ أوْ مَوْضِعَ قِيامِهِ المُمْتَدِّ، وأمّا إذا قُصِدَ ذَلِكَ فَمُقْتَضاهُ الثّانِي كَما إذا قُلْتَ: أُقِيمَتْ تاءُ القَسَمِ مَقامَ الواوِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها خَلْفٌ عَنِ الباءِ الَّتِي هي الأصْلُ مِن أحْرُفِ القَسَمِ. ومَقاماتُ الكَلِماتِ كُلِّها وإنْ كانَتْ مَنُوطَةً بِوَضْعِ الواضِعِ لَكِنَّ مَقامَها المَنُوطَ بِأصْلِ الوَضْعِ لِكَوْنِهِ مَقامًا أصْلِيًّا لَها قَدْ نَزَلَ مَنزِلَةَ مَوْضِعِ قِيامِها بِأنْفُسِها، وجَعْلُ مَقامِها المَنُوطِ بِالِاسْتِعْمالِ الطّارِئِ جارِيًا مَجْرى المَقامِ الِاضْطِرارِيِّ لِذَواتِ الِاخْتِيارِ، هَذا إذا كانَ المَقامُ ظَرْفًا أمّا إذا كانَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا والفِعْلُ النّاصِبُ رُباعِيٌّ فَحَقُّهُ ضَمُّ المِيمِ. انْتَهى المُرادُ مِنهُ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ في هَذا المَقامِ لَيْسَ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ ولا عَلى المَصْدَرِيَّةِ بَلْ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ وهو مُحَوَّلٌ عَنِ المُبْتَدَأِ عَلى ما قِيلَ: أيْ أيُّ الفَرِيقَيْنِ مَقامُهُ خَيْرٌ ﴿وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ أيْ مَجْلِسًا ومُجْتَمَعًا، وفي البَحْرِ هو المَجْلِسُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ لِحادِثَةٍ أوْ مَشُورَةٍ، وقِيلَ: مَجْلِسُ أهْلِ النَّدى أيِ الكَرَمِ. وكَذا النّادِي يُرْوى أنَّهم كانُوا يُرَجِّلُونَ شُعُورَهم ويَدْهُنُونَها ويَتَطَيَّبُونَ ويَلْبَسُونَ مُفاخِرَ المَلابِسِ ثُمَّ يَقُولُونَ ذَلِكَ لِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ إذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمُ الآياتُ، قالَ الإمامُ: ومُرادُهم مِن ذَلِكَ مُعارَضَةُ المُؤْمِنِينَ كَأنَّهم قالُوا: لَوْ كُنْتُمْ عَلى الحَقِّ وكُنّا عَلى الباطِلِ كانَ حالُكم في الدُّنْيا أحْسَنَ وأطْيَبَ مِن حالِنا؛ لِأنَّ الحَكِيمَ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يُوقِعَ أوْلِياءَهُ المُخْلِصِينَ في العَذابِ والذُّلِّ وأعْداءَهُ المُعْرِضِينَ عَنْ خِدْمَتِهِ في العِزِّ والرّاحَةِ لَكِنَّ الكَفّارَ كانُوا في النِّعْمَةِ والرّاحَةِ والمُؤْمِنِينَ كانُوا بِعَكْسِ ذَلِكَ، فَعُلِمَ أنَّ الحَقَّ لَيْسَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وهَذا مَعَ ظُهُورِ أنَّهُ قِياسٌ عَقِيمٌ ناشِئٌ مِن رَأْيٍ سَقِيمٍ نَقَضَهُ اللَّهُ تَعالى وأبْطَلَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب