الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ قال المفسرون وأهل المعاني: جعلناهما علامتين تدلان على قدرة خالقهما ووحدانيته [[ورد بنحوه في: "تفسير مقاتل" 1/ 213 أ، و"السمرقندي" 2/ 262، و"الثعلبي" 7/ 105 أ، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 81، و"ابن الجوزي" 5/ 14، و"القرطبي" 10/ 227، و"الخازن" 3/ 158، و"أبي حيان" 6/ 14، و"الدر المصون" 7/ 321.]]. وقال آخرون: المعنى جعلناهما ذوي آيتين [[انظر: "الإملاء" 2/ 89، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 262، و"تفسير أبي حيان" 6/ 14، و"الدر المصون" 7/ 321، و"تفسير الألوسي" 15/ 26.]]؛ فحذف المضاف، يدل عليه أنه قال: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾، ولم يقل: فمحونا الليل ولا فمحونا أحديهما، فلما أضاف الآية إلى الليل والنهار دل على أن الآيتين المذكورتين لهما لا هما. وقوله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾، أي: طمسنا نورها بما جعلنا فيها من السواد، وهذا قول عامة المفسرين [[ذكر الفخر الرازي قول الجمهور وذكر قولاً آخر ورجحه؛ وهو: أن المراد منه ما يظهر في القمر من الزيادة والنقصان في النور؛ يبدأ هلالاً ولا يزال يكبر حتى يصير بدرًا كاملاً، ثم يبدأ في الانتقاص قليلاً قليلاً، وذلك هو المحو، ثم ذكر مسوغات ترجيح هذا القول. انظر: "الرازي" 20/ 164، ويضاف إلى ما ذكره أن الأثر الذي اعتمد عليه عامة المفسرين أثر ضعيف عن علي وابن عباس، فهو عن ابن عباس من طريق العوفي (ضعيفة)، وعن علي من طريق ابن الكَوَّاء الخارجي؛ رؤوس الخوارج، قال عنه البخاري: لم يصحَّ حديثه. انظر: "لسان الميزان" 3/ 329.]]؛ قالوا: السواد الذي يُرى في القمر هو أثر المحو [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 213 أ، بنحوه، وأخرجه "الطبري" 15/ 49 - 50، بنحوه عن علي وابن عباس ومجاهد من عدة طرق، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 128، و"تفسير السمرقندي" 2/ 262، و"الثعلبي" 7/ 105 أ، و"الماوردي" 3/ 232، و"الطوسي" 6/ 454، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 81، و"ابن عطية" 9/ 30، و"ابن الجوزي" 5/ 14، و"القرطبي" 10/ 228، و"ابن == كثير" 3/ 31، و"الدر المنثور" 4/ 302 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن علي -رضي الله عنه-، وأورده كذلك وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.]]، وروي في حديث مرفوع: "إن الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء، فأرسل الله -عز وجل- جبريل فأمَرّ جناحه على وجه القمر فطَمس عنه الضوء" [[ورد بنحوه موقوفًا على ابن عباس في "تفسير السمرقندي" 2/ 262، و"الثعلبي" 7/ 105 أ، مفصلاً، و"البغوي" 5/ 81، و"القرطبي" 10/ 227 مرفوعًا وموقوفًا، و"الخازن" 3/ 158، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 302 وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه -بسند واه- عن ابن عباس مرفوعًا.]]. ومعنى المحو في اللغة: إذهاب الأثر، يقول: محوته أمحوته وأمحاه، وامحى الشيء وامتحى: إذا ذهب أثره [[انظر: "تهذيب اللغة" (محا) 4/ 3347، و"المحيط في اللغة" (محو) 3/ 231، و"اللسان" (محا) 7/ 4150.]]. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾، أي: يبصر فيها، فكأن المعنى أنها مضيئة؛ كما قال: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: 67]، أي: مضيئًا، وقد مر، قال أبو عبيد: هذا قول الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 126 بلفظه، وورد في "تهذيب اللغة" (بصر) 1/ 342 بلفظه عن الفراء.]]. وفيه وجه آخر يقال: قد أبصر النهار، إذا صار الناس يبصرون فيه فهو مبصر؛ كقولك: رجلٌ مُخْبِث إذا كان أصحابُه خُبَثاء، ورجلٌ مُضعِف إذا كانت دوابُّه ضعافًا، وكذلك النهار مبصرًا، أي: أهله بُصَرَاء [[ورد في "تفسير الطبري" 15/ 50، بنحوه، لكنه قال: كقولهم: رجلٌ مجبن، إذا كان أهله جبناء، ورجلٌ مضعف، إذا كانت رواته ضعفاء، وورد بنصه تقريبًا في "تفسير الثعلبي" 7/ 105 أ، و"الطوسي" 6/ 454، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 166، و"القرطبي" 10/ 228، و"أبي حيان" 6/ 14.]]، وهذا كقوله: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: 59]، وسنذكر ما فيها إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، أي: لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم، ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ﴾ بمحو آية الليل، ولولا ذلك ما كان يُعرف الليلُ من النهار، وكان لا يَتبَيَّن [[العبارة في جميع النسخ: فكان الآيتين، وهو تصحيف، وفي "تفسير الثعلبي" 7/ 105 أ: ولا يتبين العدد، والمثبت من تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 477.]] العدد، ونظير هذه الآية قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾ الآية [يونس: 5]. وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ﴾، أي: مما يُحْتَاج إليه، ﴿فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾: بيناه تبيينًا لا يَلْتَبِس معه بغيره [[في جميع النسخ: لغيره، والتصويب من تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 477.]]، وهذا معنى قول ابن عباس: يريد فَصَّلنا ما خلقت [[هكذا في جميع النسخ: ما خلقت، والأولى: ما خلقنا لينسجم مع فصَّلنا.]] للنافع تفصيلًا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب