الباحث القرآني

وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ قال الفراء: جُزمت ﴿يُقِيمُوا﴾ بتأويل الجزاء، ومعناه معنى أمرة كقولك: قل لعبد الله يذهب عنا، يريد: قل له: اذهب عنا، فجُزم بنية الجواب وتأويله الأمر، ومثل هذا قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ [الجاثيه:14]، ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53]، هذا كلامه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 77، بتصرف يسير.]] ومعنى هذا أن [[وردت (أن) قبل هذا في جميع النسخ، وهي زائدة أدت إلى اضطراب السياق، ولعلها من الناسخ، لذلك حذفت.]] قوله: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناه معنى الأمر؛ أي: قل لهم يقيموا الصلاة، إلا أنه أُجري على ظاهر اللفظ كأنه جواب قوله: ﴿قُلْ﴾، وزاد ابن الأنباري لهذا بيانًا فقال: هذا على معنى: قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا الصلاة، فصُرف عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر، وجُعل كالجواب للشرط المقدَّر من الأمر، وهو أمر في الحقيقة [[لم أقف على مصدره، وأورده ابن الجوزي في "تفسيره" 4/ 363 بنحوه، وهذا القول قال به المازني كما في "إعراب القرآن" للنحاس 184، والمبرد في "المقتضب" 2/ 84. وقد رجحه أبو البركات الأنباري في "البيان في غريب الإعراب" 2/ 59، بينما ضعَّفه: العكبري في "الإملاء" 2/ 69، وأبو حيان 5/ 426، وابن هشام في "المغني" ص 299.]]. ومعنى قول أبي بكر: جُعل (كالجواب للشرط المقدّر) [[ما بين القوسين من (ش)، وساقط من (أ)، (د)، (ع).]]، هو أن إلأمر معه شرط مقدّرة كقول القائل: أطع الله يدخلك الجنة، معناه: إن أطعته يدخلك الجنة، لذلك التقدير في هذه الآية: إن يقل لهم يقيموا، هذا ظاهر الكلام، وهو في المعنى أمر على ما بينّا. وقال أبو إسحاق قوله: ﴿يُقِيمُوا﴾ مجزوم بمعنى اللام؛ كأنه ليقيموا إلا أنها أسقطت؛ لأن الأمر قد دل على الغائب بقُل، يقول: قل لزيد ليضْرب عمرًا، وإن شئت قلت: قل لزيد يضرب عمرًا، ولا يجوز: يضربْ زيدٌ عمرًا، بالجزم حتى يقول: لِيضربْ؛ لأن لام الغائب ليس هاهنا منها عوض إذا حذفتها، وذكر وجهًا ثالثًا؛ وهو أن يكون المعنى: قل لعبادي الذين آمنوا [أقيموا الصلاة] [[ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق، وهي ثابتة في الأصل، والظاهر أنها ساقطة؛ لأن المعنى مضطرب بدونها.]] يقيموا الصلاة؛ لأنهم إذا آمنوا وصدّقوا فإن [[في جميع النسخ (بأن) والمثبت مصَّوب من المصدر.]] تصديقهم بقبولهم [[في جميع النسخ: (بقلوبهم)، وهو تصحيف، والمثبت هو الصحيح وموافق للمصدر.]] أمر الله [[معاني القرآن وإعرابه" 3/ 162 بنصه.]]، فعلى هذا قوله ﴿يُقِيمُوا﴾ جواب أمر محذوف. وقوله تعالى: ﴿يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ قال أبو عبيدة: البيع هاهنا: الفداء، والخلال: المخالَّة [["مجاز القرآن" 1/ 341، ولفظه قال: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ مجازه: مبايعة فدية، ﴿وَلَا خِلَالٌ﴾: أي مُخالة خليل. الخُلّة: مُخالَّة الخليلين، وهي مصدر؛ يقال: خاللتُه مخالَّةً وخُلَّةً وخلالًا، وجمعها: خِلال، وهي الحُبُّ والمودةُ، وهي أخص من الصداقة. انظر: "جمهرة اللغة" 1/ 107، و"المحيط في اللغة" (خل) 4/ 175، و"اللسان" (خلل) 2/ 1252.]]، قال مقاتل: إنما هو يوم لا بيع فيه ولا شراء، ولا مخالَّة ولا قرابة، إنما هي أعمال يثاب بها قوم ويعاقب عليها آخرون [["تفسير مقاتل" 1/ 193 ب، بمعناه، وورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 327 بنصه.]]، ومثل هذه الآية قوله: ﴿يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ في سورة البقرة [254]، وقد مرّ. وجميع أهل المعاني قالوا في الخلال هاهنا إنه: المُخالَّة [["مجاز القرآن" 1/ 341، بلفظه، و"معاني القرآن" للأخفش 2/ 600، بمعناه، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 533، بلفظه، وورد بلفظه في "غريب القرآن" لليزيدي ص 198، و"الغريب" لابن قتيبة 1/ 237، و"تفسير الطبري" 13/ 224، و"تفسير المشكل" ص 214.]]، وأنشدوا قول امرئ القيس: ولسْتُ بمَقْلِيِّ [[في جميع النسخ (بمُلْقِي) وهو تصحيف، والتصويب من الديوان وجميع المصادر.]] الخِلالِ ولاقَالَي [[وصدره: صرفْتُ الهوى عنهُنّ من خشية الرّدى "ديوان امرئ القيس" ص 126، وورد في "تفسير الطبري" 13/ 224، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 533، و"شرح ديوان الحماسة" 3/ 321، و"تفسير الثعلبي" 7/ 155 ب، وابن عطية 8/ 245، و"اللسان" (خلل) 2/ 1252، و"تفسير أبي حيان" 5/ 427، و"الدر المصون" 7/ 108، (المقْلي) المُبْغَض، اسم مفعول، و (القالي): المُبْغِض، اسم فاعل، يريد أنه لم ينصرف عن الحسان لأنه أبغضهنّ، ولا لأنهنّ أبغضْنه، ولكن خشية الفضيحة والعار، فهو متيَّم بحبهنَّ ولكنه صرف هذا الحب عنهنّ خشية الهلاك، ولم ينصرف عنهنّ لسوءٍ في طباعه.]] قال أبو علي: ويجوز أن يكون جمع خُلَّة مثل: بُرْمَة وبِرام [[البُرْمة: قِدْر من حجارة، ويجمع بُرْم وبُرَم وبِرام. انظر: "جمهرة اللغة" 1/ 329، "المحيط في اللغة" (برم) 10/ 242.]]، وعُلْبة وعِلاب [["الحجة للقراء" 2/ 355، بتصرف. العُلْبة: وعاء من جلدِ جنب البعير يُسوى على هيئة القصْعة المدورة، كأنها نُحتت نحتاً أو خُرطت خرْطاً، يُحْتلب فط، وتُجمع عُلبًا وعِلابًا. انظر: "جمهرة اللغة" 1/ 366، و"تهذيب اللغة" (علب) 3/ 2542.]]، قال ابن الأنباري: ولا تنافي بين هذه الآية وبين قوله: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67] فأثبت الخُلَّة للمتقين؛ لأن لذلك اليوم أحوالًا ومواطن مختلفةً، ففي بعضها يشتغل كل خليل عن خُلَّةِ خليله [[أقف على مصدره، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير صديق خان" 7/ 117.]]، يدل [[ساقط من (د).]] على ذلك قوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: 10]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس: 34]، وفي بعضها يتعاطف أولياء الله بالمُخالَّة التي كانت بينهم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب