الباحث القرآني

قوله تعالى [[في (د): (عز وجل).]]: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾. اختلف النحويون في وجه ﴿إِذْ﴾ ههنا: فزعم أبو عبيدة [[في "مجاز القرآن" 1/ 90.]] أنها زائدة، لَغْوٌ؛ والمَعنى: (قالت امرأة عمران)، ولا موضع لها من الإعراب [[وكذا قال ابن قتيبة بأنها زائدة. انظر: "تفسير غريب القرآن" له 103.]]. قال الزَّجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 400، نقله عنه بتصرف يسير.]]: ولم يصنع أبو عبيدة في هذا شيئاً، لأن (إذ) تدل على ما مضى من الزمان، وكيف يكون الدليل على ما مضى من الوقت لغواً. وقال ابن الأنباري [[لم أهتد إلى مصدر قوله.]] منكراً لهذا القول أيضاً [[(أيضًا): ساقطة من (د).]]: إنَّا لا نُلغي حرفاً من كتاب الله عز وجل إذا وجدنا سبيلاً إلى أن لا يكون مُلغىً [[اختلف أهل النحو والتفسير في وقوع الزوائد في القرآن؛ بين مانع لذلك، وبين مُجوِّز. فمن (8) المانعين: المبرد، وثعلب، وداود الظاهري، وابن السَّرّاج، الذي رفض أن يكون في لغة العرب زوائد. وهناك من جوز ذلك، فرأى أن وجود هذه الزوائد كعدمها، وقال الزركشي عن هذا الرأي: (وهذا أفسد الطرق) "البرهان" 3/ 73. وأكثر النحويين على أن في القرآن حروفًا زوائد، ولكن من جهة الإعراب، لا من جهة المعنى؛ حيث إن لهذه الزوائد فوائد كثيرة منها: فصاحة اللفظ وحسنه، وتوكيد المعنى، وتمييز مدلوله عن غيره، إلى غير ذلك. وهذا ما تميل إليه النفس. قال السمين الحلبي عن القائلين بزيادة بعض الحروف: (لا يعنون أنه يجوز سقوطه، ولا أنه مُهْمَل لا معنى له. بل يقولون: زائد للتوكيد. فله أسوة بسائر ألفاظ التوكيد الواقعة في القرآن). "الدر المصون" 3/ 462. ولقد تَحرَّجَ كثيرٌ من العلماء من القائلين بوقوع الزيادة في القرآن من إطلاق لفظ (زائد) أو (مكرر)، لما له من مدلول لا يتفق وإحكام كتاب الله، واستخدموا محله لفظ (الصلة) و (الإقحام) و (التأكيد). انظر للتوسع في معرفة آراء العلماء في ذلك "البرهان" 2/ 178، 3/ 72 - 73، 1/ 305، "التأويل النحوي في القرآن" د. عبد الفتاح الحموز:2/ 1277 - 1279، "لطائف المنان وروائع البيان في دعوى الزيادة في القرآن" د. فضل عباس: 57 وما بعدها.]]. قال الأخفش، والمبرِّد [[قولهما، في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 400، "الإغفال" للفارسي 566.]]: المعنى: (اذكر إذ قالت امرأة عمران). وقد [[من قوله: (وقد ..) إلى: (.. إذ قالت امرأة عمران): ساقط من (د).]] مضى مثل هذا كثيراً. وقال أبو إسحاق [[هو الزجاج، في: المصدر السابق: نقله عنه باختصار.]]: المعنى عندي: (واصطفى آل عمران ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾) [[(إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ): ساقط من (ج).]]. فالعامل في ﴿إِذْ﴾: معنى الاصطفاء [[يعني: أنَّ قولها ذلك، ونذرها ما في بطنها لله، وقبول الله لنذرها، كل هذا يُعَدُّ اصطفاءً وتفضيلًا لآل عمران.]]. وأنكر أبو بكر هذا، وقال: الله تعالى قَرَنَ اصطفاءه [آل عمران] [[ما بين المعقوفين مطموس في: (أ). والمثبت من بقية النُّسخ.]] باصطفائه آدم ونوحاً، واصطفاؤه آدم ونوحاً قبل قول إمرأة عمران. وأيضاً فإن (عمران) هذا غير عمران المذكور في قوله: ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾، لأنه [[في (ج) و (د): (لأن).]] عمران أبو موسى وهارون، وهذا عمران بن ماتان [[في (ب)، (ج): (مانان). وفي (د): (ماثان). وكذا ورد في "المعارف" لابن قتيبة: 52، وفي "تاريخ الطبري" 1/ 785. وينقل الطبري في "تفسيره" 3/ 235، و"تاريخه" 1/ 585 عن ابن إسحاق أن اسمه: (عمران بن ياشهم)، وفي "تفسير الثعلبي" 3/ 38 (أ)، (ب) (عمران بن أشهم)، ينقله عن الحسن وابن وهب وابن إسحاق، وكذا في "تفسير البغوي" 2/ 28.]]، وبينهما ألف وثمانمائة سنة. كذلك ذكره ابن عبّاس [[قوله، في "تفسير الثعلبي" 3/ 38 ب، "زاد المسير" 1/ 376، "الدر المنثور" 2/ 32، ونسب إخراجه لإسحاق بن بشر، وابن عساكر.]]، ومقاتل [[قوله، في "تفسيره" 1/ 271.]]. وذكرنا أيضاً عن بعض أهل المعاني أن هذه الآية متصلة بما قبلها، فيكون العاملُ في ﴿إِذْ﴾ على هذا القول: معنى قوله ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله: ﴿امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ هي: حَنَّةُ [[بنت فاقود وقيل: فاقوذ بن قبيل. انظر: "تاريخ الطبري" 1/ 585، وتفسير مبهات القرآن، للبلنسي 1/ 279.]]، أمُّ مريمَ، جَدَّةُ عيسى عليه السلام، دعت الله أنْ يَهَبَ لها ولداً، وقالت: الَّلهم لك عَلَيَّ إن رزقتني ولداً، أن أتصدق به على بيت المقدس، فيكون من [[في (ج): (عن).]] سَدَنَتِه [[السَّدَنة، جمع: سادِن، وهو: الذي يقوم على خدمة بيت العبادة. انظر: "القاموس" 1555 (سدن).]] وخَدَمِه، شكراً لك. وكان على أولادهم فرضاً أن يطيعوهم في نذورهم، وكان الرجل ينذُرُ في ولده أن يكون خادماً في مُتعّبَّدِهم [[انظر قصتها في: "تفسير الطبري" 3/ 235، "تفسير الفخر الرازي" 8/ 25، "الدر المنثور" 2/ 32.]]. وقوله تعالى: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ معنى ﴿نَذَرْتُ﴾: [أَوْجَبتُ] [[ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (أوفيت)، ولم أر لها وجهًا، وما أثبته هو ما رجَّحتُ صوابه؛ لدلالة المعنى اللغوي للكلمة، كما ذكره المؤلف بعدها، وهو: ما يوجبه الإنسان على نفسه .. ، وفي "تهذيب اللغة" (إنما قيل له نذر؛ لأنه نُذِر فيه؛ أي: أوجِبَ، من قولك: (نذرت على نفسي)؛ أي: أوْجَبْتُ) 4/ 3546 (نذر). وكذا في "تفسير الثعلبي" 3/ 39 أ؛ حيث فسرها بـ (أوجبت)، وكذا في بقية كتب اللغة. انظر (نذر) في "مفردات ألفاظ القرآن" 797، والتعريفات، للجرجاني: 420، "اللسان" (نذر) 7/ 4390، "عمدة الحفاظ" 569، "التوقيف على مهمات التعارف" 694 - 695. وقد يكون مرد الخطأ، إلى اللبس في قراءة الأصل الذي انتُسِخت منه النسخ؛ نظرًا لتقارب الكلمتين في الرسم.]]. والنذر: ما يوجبه الإنسان على نفسه بِشَرِيطة كان، أو بغير شَرِيطة [[هذا التعريف ذكره الثعلبي في: "تفسيره": 3/ 39 أ. وقوله: (بشَريطة)؛ أي: أنْ يكون النذرُ مُعلَّقًا على شرط؛ كأن يقول: (إن شفى الله مريضي، فعلي أن أتصدق). وأما قوله: (بغير شَرِيطة)، فيعني به النذرَ المُطلَق غير المشروط، كأن يقول: (لله علي أن أتصدق بدينار). وبهذين النَّوْعَيْن من النذر، قال الشافعيةُ والمؤلف منهم، والحنابلة، وأهل العراق، وأكثر أهل العلم، وأوجبوا الكفارة عند عدم الالتزام. انظر: "فتح الوهاب" للنووي: 204، "مغني المحتاج" للشربيني 4/ 356، "المغني" لابن قدامة: 13/ 622 - 623. ويرى ابن عرفة أن النذر: هو ما كان وعدًا بِشرْط، وما ليس وعدًا بشرطٍ، فليس بنذر. وهو قولُ أبي عمرو (غلام ثعلب)، وبه قال: أبو البقاء، وفي (الكليات)، وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعي. إلا أن الراجح هو الأول. انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3546 - 3547 (نذر)، "الكليات" لأبي البقاء (نذر): 912، "المغني" لابن قدامة 13/ 623.]]. قال أهل اللغة: معنى النَّذْر: استدفاع المَخُوفِ، بما يُعقَد على النفس من عمل البِّر. وأصله، من: الإنذار، وهو: الإعلام بموضع المخافة [[وفي "مقاييس اللغة" 5/ 414 ويقول عن (نذر): (.. كلمة تدل على تخويف، أو تخوُّف، ومنه الإنذار: الإبلاغ، ولا يكاد يكون إلا في التخويف). وفي "تهذيب اللغة" (الإنذار: الإعلام بالشيء الذي يُحذر منه) 4/ 3547 (نذر).]]. وانتصب ﴿مُحَرَّرًا﴾ على الحال من ﴿مَا﴾ تقديره: نذرت لك الذي في بطني محرراً [[وقيل في علة النصب: إنه حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور، ﴿فِي بَطْنِي﴾، والعامل فيه، هو: (استقر)، وبه قال الطبري. وقيل: انتصب على المصدر، ويكون فيه حينها حذفُ مضاف، تقديره: (نذرت .. نذرَ تحرير)، أو انتصابه على ما تضمنه ﴿نَذَرْتُ لَكَ﴾ من معنًى، وهو: (حرَّرْتُ لك ما في بطني تحريرًا). وقيل: نصب على أنه نعت مفعول محذوف؛ أي: (.. غلامًا محررًا). انظر: "تفسير الطبري" 3/ 235، "الدر المصون" 3/ 130، "الفريد في إعراب القرآن" 1/ 564، "روح المعاني" 3/ 134.]]. وقال ابن قتيبة [[في "تفسير غريب القرآن" له: 103.]]: أرادت نذرت لك أن أجعل [[في (د): (نجعل).]] ما في بطني محرراً، أي: عتيقاً [[من قوله: (عتيقا ..) إلى (.. والحمأة والعيوب): نقله مع اختصار قليل عن "تفسير الثعلبي" 3/ 39 أ.]] خالصاً لله، خادماً للكنيسة، مفرغاً للعبادة ولخدمة الكنيسة. وكل ما أُخْلِصَ فهو مُحَرَّر. يقال: (حرَّرتُ العبدَ). إذا أعتقته، و (حَرَّرْتُ الكتابَ) إذا أصلحته، وأخلصته، فلم يبق فيه ما يحتاج إلى إصلاحه [[في (ج)، (د) (إصلاح).]]. و (رجل حُرٌّ): إذا كان خالصاً لنفسه، ليس لأحد عليه مُتَعَلَّق. و (الطينُ الحُرُّ): الذي خَلَصَ من الرملِ والحَمْأَةِ [[في (د): الحمأ. والحَمْأة، والحَمَأ: الطين الأسود المنتن. انظر (حمأ) في "الصحاح" 45، "اللسان" 2/ 986.]] والعيوب. وقوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾. معنى التَّقَبُّلِ [[(معنى التقبل): ساقط من (ج).]]: أخذُ الشيءِ على الرِضى [[في (ج)، (د): (الرضا). والأصل في كتابتها أن ترسم بالألف الممدودة؛ لأنها اسم ثلاثي منقلب ألفه عن واو، وهو مذهب البصريين، وما أثْبَتُّه صحيح على رأي الكوفيين الذين يكتبون ما كان على وزن (فعَل) بالياء، سواء كان أصل الألف ياءً أم واوًا. قال الفراء: (الحِمَا والرِّضَا، يكتبان بالألف والياء؛ لأن الكسائي سمع العرب تقول: حِمَوان ورِضَوان، وحِمَيان، ورِضَيان). انظر: "المنقوص والممدود" للفراء (تح: عبد العزيز الميمني): 33. وفي "إصلاح المنطق" 139: (ويقال: كان مَرضِيًا ومَرضُوَّا). وانظر: "باب الهجاء" لابن الدهان: 29.]] به [[انظر: "اللسان" 6/ 3516 (قبل).]]. وأصله، من: المقابلة؛ لأنه يقابل بالجزاء ما يؤخذ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾. أي: لدعاي [[في (د): (دعائي).]]. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في قلبي.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب