الباحث القرآني

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ والضَّحّاكُ: ”ذِرِّيَّةً“، بِكَسْرِ الذّالِ، والجُمْهُورُ بِالضَّمِّ. ﴿بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤] جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ ”ذُرِّيَّةً“ (p-٤٣٦)ومِن: لِلتَّبْعِيضِ حَقِيقَةً أيْ: مُتَشَعِّبَةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ في التَّناسُلِ، فَإنْ فُسِّرَ ”عِمْرانَ“ بِوالِدِ مُوسى وهارُونَ فَهُما مِنهُ، وهو مِن يَصْهَرَ، ويَصْهَرُ مِن قاهِثَ، وقاهِثُ مِن لاوى، ولاوى مِن يَعْقُوبَ، ويَعْقُوبُ مِن إسْحاقَ، وإسْحاقُ مِن إبْراهِيمَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وإنْ فُسِّرَ ”عِمْرانَ“ بِوالِدِ مَرْيَمَ أُمِّ عِيسى، فَعِيسى مِن مَرْيَمَ، ومَرْيَمُ مِن عِمْرانَ بْنِ ماثانَ، وهو مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، و سُلَيْمانُ مِن ولَدِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، وقَدْ دَخَلَ في آلِ إبْراهِيمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقِيلَ: مِن، لِلتَّبْعِيضِ مَجازًا أيْ: مِن بَعْضٍ في الإيمانِ والطّاعَةِ والإنْعامِ عَلَيْهِمْ بِالنُّبُوَّةِ، وإلى نَحْوٍ مِن هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ، قالَ: مِن بَعْضٍ في تَناصُرِ الدِّينِ، وقالَ أبُورُوتُ: بَعْضُها عَلى دِينِ بَعْضٍ. وقالَ قَتادَةُ: في النِّيَّةِ والعَمَلِ والإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٤] أيْ: سَمِيعٌ لِما يَقُولُهُ الخَلْقُ، عَلِيمٌ بِما يُضْمِرُونَهُ. أوْ: سَمِيعٌ لِما تَقُولُهُ امْرَأةُ عِمْرانَ، عَلِيمٌ بِما تَقْصِدُ. أوْ: سَمِيعٌ لِما تَقُولُهُ الذُّرِّيَّةُ، عَلِيمٌ بِما تُضْمِرُهُ. ثَلاثَةُ أقْوالٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلِيمٌ بِمَن يَصْلُحُ لِلِاصْطِفاءِ، أوْ: يَعْلَمُ أنَّ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ في الدِّينِ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ خَتْمَ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٤] مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ ﴿وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٣] لِأنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَعا لِإلَهِهِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧] بِقَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وحَمَدَ رَبَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩] وقالَ مُخْبِرًا عَنْ رَبِّهِ: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] ثُمَّ دَعا رَبَّهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُقِيمَ الصَّلاةِ وذُرِّيَّتَهُ، وقالَ حِينَ بَنى هو و إسْماعِيلُ الكَعْبَةَ ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ [البقرة: ١٢٧] إلى سائِرِ ما دَعا بِهِ حَتّى قَوْلِهِ: ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ [البقرة: ١٢٩] ولِذا قالَ رَسُولُ اللَّهِ: «أنا دَعْوَةُ إبْراهِيمَ» . فَلَمّا تَقَدَّمَتْ مِن إبْراهِيمَ تَضَرُّعاتٌ، وأدْعِيَةٌ لِرَبِّهِ تَعالى في آلِهِ وذُرِّيَّتِهِ، ناسَبَ أنْ يُخْتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٤] وكَذَلِكَ آلُ عِمْرانَ، دَعَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ بِقَبُولِ ما كانَتْ نَذَرَتْهُ لِلَّهِ تَعالى، فَناسَبَ أيْضًا ذِكْرَ الوَصْفَيْنِ، ولِذَلِكَ حِينَ ذَكَرَتِ النَّذْرَ ودَعَتْ بِتَقَبُّلِهِ، أخْبَرَتْ عَنْ رَبِّها بِأنَّهُ ﴿السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيِ: السَّمِيعُ لِدُعائِها، العَلِيمُ بِصِدْقِ نِيَّتِها بِنَذْرِها ما في بَطْنِها لِلَّهِ تَعالى. ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ﴾ الآيَةَ، لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى اصْطَفى آلَ عِمْرانَ، وكانَ مُعْظَمُ صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ في أمْرِ النَّصارى وفْدَ نَجْرانَ، ذَكَرَ ابْتِداءً حالَ آلِ عِمْرانَ، وامْرَأةُ عِمْرانَ اسْمُها: حَنَّةُ، بِالحاءِ المُهْمَلَةِ والنُّونِ المُشَدَّدَةِ مَفْتُوحَتَيْنِ وآخِرُها تاءُ تَأْنِيثٍ، وهو اسْمٌ عِبْرانِيٌّ، وهي حَنَّةُ بِنْتُ فاقُودَ، و دَيْرُ حَنَّةَ بِالشّامِ مَعْرُوفٌ، وثَمَّ دَيْرٌ آخَرُ يُعْرَفُ بِدَيْرِ حَنَّةَ، وقَدْ ذَكَرَ أبُو نَواحٍ دَيْرَ حَنَّةَ في شِعْرِهِ فَقالَ: ؎يا دَيْرَ حَنَّةَ مِن ذاتِ الأكَيْراحِ مَن يَصْحُ عَنْكِ فَإنِّي لَسْتُ بِالصّاحِ وقَبْرُ حَنَّةَ، جَدَّةُ عِيسى، بِظاهِرِ دِمَشْقَ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: لا يُعْرَفُ في العَرَبِيِّ اسْمُ امْرَأةٍ حَنَّةُ، وذَكَرَ عَبْدُ الغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الحافِظُ: حَنَّةُ أُمُّ عُمَرَ ويَرْوِي حَدِيثَها ابْنُ جُرَيْجٍ. ويُسْتَفادُ حَنَّةُ مَعَ حَبَّةَ، بِالحاءِ المُهْمَلَةِ وباءٍ بِواحِدَةٍ مِن أسْفَلَ، وحَيَّةُ: بِالحاءِ المُهْمَلَةِ وياءٍ بِاثْنَتَيْنِ مِن أسْفَلَ، وهُما اسْمانِ لِناسٍ، ومَعَ خَبَّةَ، بِالخاءِ المُعْجَمَةِ والباءِ بِواحِدَةٍ مِن أسْفَلَ، وهي خَبَّةُ بِنْتُ يَحْيى بْنِ أكْثَمَ القاضِي، أُمُّ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، ومَعَ جَنَّةَ بِجِيمٍ ونُونٍ، وهو أبُو جَنَّةَ خالُ ذِي الرُّمَّةِ الشّاعِرِ، لا نَعْرِفُ سِواهُ. ولَمْ تَكْتَفِ حَنَّةُ بِنِيَّةِ النَّذْرِ حَتّى أظْهَرَتْهُ بِاللَّفْظِ، وخاطَبَتْ بِهِ اللَّهَ تَعالى، وقَدَّمَتْ قَبْلَ التَّلَفُّظِ بِذَلِكَ نِداءَها لَهُ تَعالى بِلَفْظِ الرَّبِّ. الَّذِي هو مالِكُها ومالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، وتَقَدَّمَ مَعْنى ”النَّذْرِ“ وهو اسْتِدْفاعُ المُخَوِّفِ بِما يَعْقِدُهُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ مِن أعْمالِ البِرِّ. وقِيلَ: ما أوْجَبَهُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بِشَرِيطَةٍ، وبِغَيْرِ شَرِيطَةٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَيْتَ رِجالًا فِيكَ قَدْ نَذَرُوا دَمِي ∗∗∗ وهَمُّوا بِقَتْلِي يا بُثَيْنَ لَقُونِي (p-٤٣٧)ولَكَ، اللّامُ فِيهِ لامُ السَّبَبِ، وهو عَلى حَذْفِ التَّقْدِيرِ: لِخِدْمَةِ بَيْتِكَ، أوْ لِلِاحْتِباسِ عَلى طاعَتِكَ. ﴿ما في بَطْنِي﴾ جَزَمَتِ النَّذْرَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ذَكَرًا، أوْ لِرَجاءٍ مِنها أنْ يَكُونَ ذَكَرًا. (مُحَرَّرًا) مَعْناهُ عَتِيقًا مِن كُلِّ شُغْلٍ مِن أشْغالِ الدُّنْيا، فَهو مِن لَفْظِ الحُرِّيَّةِ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أوْ خادِمًا لِلْبِيعَةِ. قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ: مُخْلِصًا لِلْعِبادَةِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ. ورَواهُ خُصَيْفٌ عَنْ عِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، وأتى بِلَفْظِ: ما، دُونَ: مِن؛ لِأنَّ الحَمْلَ إذْ ذاكَ لَمْ يَتَّصِفْ بِالعَقْلِ، أوْ لِأنَّ: ما، مُبْهَمَةٌ تَقَعُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَيَجُوزُ أنْ تَقَعَ مَوْقِعَ: مِن. ونُسِبَ هَذا إلى سِيبَوَيْهِ. ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ دَعَتِ اللَّهَ تَعالى بِأنْ يَقْبَلَ مِنها ما نَذَرَتْهُ لَهُ، والتَّقَبُّلُ: أخْذُ الشَّيْءِ عَلى الرِّضا بِهِ، وأصْلُهُ المُقابَلَةُ بِالجَزاءِ، وتَقَبَّلْ: هُنا بِمَعْنى: قَبِلَ، فَهو مِمّا ”تَفَعَّلَ“ فِيهِ بِمَعْنى ”الفِعْلِ“ المُجَرَّدِ، كَقَوْلِهِمْ: تَعَدّى الشَّيْءَ وعَدّاهُ، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَتْ لَها ”تَفَعَّلَ“ . ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ خُتِمَتْ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ؛ لِأنَّها اعْتَقَدَتِ النَّذْرَ، وعَقَدَتْهُ بَنِيَّتِها، وتَلَفَّظَتْ بِهِ، ودَعَتْ بِقَبُولِهِ، فَناسَبَ ذَلِكَ ذِكْرُ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. والعامِلُ في: إذْ، مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أذْكُرُ، قالَهُ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ، أوْ مَعْنى الِاصْطِفاءُ، التَّقْدِيرُ: واصْطَفى آلَ عِمْرانَ. قالَهُ الزَّجّاجُ، وعَلى هَذا يُجْعَلُ (و آلَ عِمْرانَ) مِن بابِ عَطْفِ الجُمَلِ، لا مِن بابِ عَطْفِ المُفْرَداتِ، لِأنَّهُ إنْ جُعِلَ مِن بابِ عَطْفِ المُفْرَداتِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ اصْطَفى آدَمَ، ولا يَسُوغُ ذَلِكَ لِتَغايُرِ زَمانِ هَذا الِاصْطِفاءِ وزَمانِ قَوْلِ امْرَأةِ عِمْرانَ، فَلا يَصِحُّ عَمَلُهُ فِيهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ ما مَعْناهُ: إنَّ العامِلَ فِيهِ: سَمِيعٌ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ، أوْ: سَمِيعٌ عَلِيمٌ، لِقَوْلِ امْرَأةِ عِمْرانَ ونِيَّتِها، وإذْ: مَنصُوبٌ بِهِ انْتَهى. ولا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: عَلِيمٌ، إمّا أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ وصْفًا لِقَوْلِهِ: سَمِيعٌ، فَإنْ كانَ خَبَرًا فَلا يَجُوزُ الفَصْلُ بِهِ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ لِأنَّهُ أجْنَبِيٌّ مِنهُما، وإنْ كانَ وصْفًا فَلا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ: سَمِيعٌ، في الظَّرْفِ، لِأنَّهُ قَدْ وُصِفَ. واسْمُ الفاعِلِ وما جَرى مَجْراهُ إذا وُصِفَ قَبْلَ أخْذِ مَعْمُولِهِ، لا يَجُوزُ لَهُ إذْ ذاكَ أنْ يَعْمَلَ عَلى خِلافٍ لِبَعْضِ الكُوفِيِّينَ في ذَلِكَ، ولِأنَّ اتِّصافَهُ تَعالى بِسَمِيعٍ عَلِيمٍ، لا يَتَقَيَّدُ بِذَلِكَ الوَقْتِ. وذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ إلى أنَّ ”إذْ“ زائِدَةٌ، المَعْنى: قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ. وتَقَدَّمَ لَهُ نَظِيرُ هَذا القَوْلِ في مَواضِعَ، وكانَ أبُو عُبَيْدَةَ يَضْعُفُ في النَّحْوِ. وانْتَصَبَ ”مُحَرَّرًا“، عَلى الحالِ. قِيلَ: مِن ”ما“، فالعامِلُ: نَذَرْتُ، وقِيلَ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في: اسْتَقَرَّ، العامِلُ في الجارِّ والمَجْرُورِ، فالعامِلُ في هَذا: اسْتَقَرَّ، وقالَ مَكِّيُّ فَمَن نَصَبَهُ عَلى النَّعْتِ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ يُقَدِّرُهُ: غُلامًا مُحَرَّرًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا نَظَرٌ، يَعْنِي أنَّ: ”نَذَرَ“، قَدْ أخَذَ مَفْعُولَهُ، وهو: ما في بَطْنِي، فَلا يَتَعَدّى إلى آخِرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ مُحَرَّرًا، عَلى أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَعْنى تَحْرِيرًا، لِأنَّ المَصْدَرَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى زِنَةِ المَفْعُولِ مِن كُلِّ فِعْلٍ زائِدٍ عَلى الثَّلاثَةِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ألَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ القَوافِي ∗∗∗ فَلا عِيًّا بِهِنَّ ولا اجْتِلابا التَّقْدِيرُ: تَسْرِيحِي القَوافِي، ويَكُونُ إذْ ذاكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: نَذَرَ تَحْرِيرًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن مَعْنى نَذَرْتُ، لِأنَّ مَعْنى: ﴿نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي﴾ حَرَّرْتُ لَكَ بِالنَّذْرِ ما في بَطْنِي. والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ، وهو أنْ يَكُونَ حالًا مِن: ما، ويَكُونَ، إذْ ذاكَ حالًا مُقَدَّرَةً إنْ كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: مُحَرَّرًا، خادِمًا لِلْكَنِيسَةِ، وحالًا مُصاحِبَةً إنْ كانَ المُرادُ عَتِيقًا، لِأنَّ عِتْقَ ما في البَطْنِ يَجُوزُ. وكَتَبُوا: امْرَأةُ عِمْرانَ، بِالتّاءِ، لا بِالهاءِ، وكَذَلِكَ امْرَأةُ العَزِيزِ في مَوْضِعَيْنِ، وامْرَأةُ نُوحٍ، وامْرَأةُ لُوطٍ، وامْرَأةُ فِرْعَوْنَ. سَبْعَةُ مَواضِعَ، فَأهْلُ المَدِينَةِ يَقِفُونَ بِالتّاءِ اتِّباعًا لِرَسْمِ المُصْحَفِ؛ مَعَ أنَّها لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ يَقِفُونَ عَلى طَلْحَةَ طَلَحَتْ، بِالتّاءِ. ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: بِالهاءِ ولَمْ يَتْبَعُوا رَسْمَ المُصْحَفِ في ذَلِكَ، وهي لُغَةُ أكْثَرِ العَرَبِ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ سَبَبَ هَذا الحَمْلِ الَّذِي اتَّفَقَلِامْرَأةِ عِمْرانَ، فَرُوِيَ أنَّها كانَتْ عاقِرًا، وكانُوا أهْلَ (p-٤٣٨)بَيْتٍ لَهم عِنْدَ اللَّهِ مَكانَةٌ، فَبَيْنا هي يَوْمًا في ظِلِّ شَجَرَةٍ، نَظَرَتْ إلى طائِرٍ يَذُقْ فَرْخًا لَهُ، فَتَحَرَّكَتْ بِهِ نَفْسُها لِلْوَلَدِ، فَدَعَتِ اللَّهَ تَعالى أنْ يَهَبَ لَها ولَدًا. فَحَمَلَتْ. وماتَ عِمْرانُ زَوْجُها وهي حامِلٌ، فَحَسِبَتِ الحَمْلَ ولَدًا فَنَذَرَتْهُ لِلَّهِ حَبِيسًا لِخِدْمَةِ الكَنِيسَةِ أوْ بَيْتِ المَقْدِسِ، وكانَ مِن عادَتِهِمُ التَّقَرُّبُ بِهِبَةِ أوْلادِهِمْ لِبُيُوتِ عِباداتِهِمْ، وكانَ بَنُو ماثانَ رُءُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ ومُلُوكَهم وأحْبارَهم، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنهم إلّا ومِن نَسْلِهِ مُحَرَّرٌ لِبَيْتِ المَقْدِسِ مِنَ الغِلْمانِ، وكانَتِ الجارِيَةُ لا تَصْلُحُ لِذَلِكَ، وكانَ جائِزًا في شَرِيعَتِهِمْ، وكانَ عَلى أوْلادِهِمْ أنْ يُطِيعُوهم، فَإذا حُرِّرَ خَدَمُ الكَنِيسَةِ بِالكَنْسِ والإسْراجِ حَتّى يَبْلُغَ، فَيُخَيَّرُ، فَإنْ أحَبَّ أنْ يُقِيمَ في الكَنِيسَةِ أقامَ فِيها، ولَيْسَ لَهُ الخُرُوجُ بَعْدَ ذَلِكَ، وإنْ أحَبَّ أنْ يَذْهَبَ ذَهَبَ حَيْثُ شاءَ، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ والعُلَماءِ إلّا ومِن نَسْلِهِ مُحَرَّرٌ لِبَيْتِ المَقْدِسِ. ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ [آل عمران: ٣٦] أُنِّثَ الضَّمِيرُ في وضَعَتْها حَمْلًا عَلى المَعْنى في ما، لِأنَّ ما في بَطْنِها كانَ أُنْثى في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَمْلًا عَلى المَوْجُدَةِ، ورَفْعًا لِلَفْظِ: ما، في قَوْلِها: ما في بَطْنِي. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى تَأْوِيلِ الجِبِلَّةِ، أوِ النَّفْسِ، أوِ النَّسَمَةِ. جَوابٌ لِما، هو: قالَتْ وخاطَبَتْ رَبَّها عَلى سَبِيلِ التَّحَسُّرِ عَلى ما فاتَها مِن رَجائِها، وخِلافُ ما قَدَّرَتْ؛ لِأنَّها كانَتْ تَرْجُو أنْ تَلِدَ ذَكَرًا يَصْلُحُ لِلْخِدْمَةِ، ولِذَلِكَ نَذَرَتْهُ مُحَرَّرًا. وجاءَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي وضَعْتُها﴾ [آل عمران: ٣٦] الضَّمِيرُ مُؤَنَّثًا، فَإنْ كانَ عَلى مَعْنى النَّسَمَةِ أوِ النَّفْسِ فَظاهِرٌ، إذْ تَكُونُ الحالُ في قَوْلِهِ أُنْثى، مُبَيِّنَةً؛ إذِ النَّسَمَةُ والنَّفْسُ تَنْطَلِقُ عَلى المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ انْتِصابُ أُنْثى حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في وضَعْتُها؛ وهو كَقَوْلِكَ: وضَعَتِ الأُنْثى أُنْثى ؟ . قُلْتُ: الأصْلُ وضَعَتْهُ أُنْثى، وإنَّما أُنِّثَ لِتَأْنِيثِ الحالِ لِأنَّ الحالَ، وذا الحالِ شَيْءٌ واحِدٌ، كَما أُنِّثَ الِاسْمُ في: مَن كانَتْ أُمَّكَ ؟ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] انْتَهى. وآلَ قَوْلُهُ إلى أنَّ أُنْثى (p-٤٣٩)تَكُونُ حالًا مُؤَكِّدَةً، لا يُخْرِجُهُ تَأْنِيثُهُ لِتَأْنِيثِ الحالِ مِن أنْ يَكُونَ الحالُ مُؤَكِّدَةً. وأمّا تَشْبِيهُهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: مَن كانَتْ أُمَّكَ، حَيْثُ عادَ الضَّمِيرُ عَلى مَعْنى مَن، فَلَيْسَ ذَلِكَ نَظِيرَ: وضَعْتُها أُنْثى؛ لِأنَّ ذَلِكَ حَمْلٌ عَلى مَعْنى مَن، إذِ المَعْنى: أيَّةُ امْرَأةٍ كانَتْ أُمَّكَ، أيْ: كانَتْ هي أيُّ المَرْأةِ أُمُّكَ، فالتَّأْنِيثُ لَيْسَ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، وإنَّما هو مِن بابِ الحَمْلِ عَلى مَعْنى مَن، ولَوْ فَرَضْنا أنَّهُ تَأْنِيثٌ لِلِاسْمِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، لَمْ يَكُنْ نَظِيرَ وضَعْتُها أُنْثى؛ لِأنَّ الخَبَرَ مُخَصَّصٌ بِالإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ، فَقَدِ اسْتُفِيدَ مِنَ الخَبَرِ ما لا يُسْتَفادُ مِنَ الِاسْمِ بِخِلافِ أُنْثى، فَإنَّهُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ. وأمّا تَنْظِيرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] فَيَعْنِي أنَّهُ ثَنّى بِالِاسْمِ لِتَثْنِيَةِ الخَبَرِ، والكَلامُ عَلَيْهِ يَأْتِي في مَكانِهِ، فَإنَّهُ مِنَ المُشْكِلاتِ، فالأحْسَنُ أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ في: وضَعْتُها أُنْثى، عائِدًا عَلى النَّسَمَةِ، أوِ النَّفْسِ، فَتَكُونُ الحالُ مَبْنِيَّةً لا مُؤَكِّدَةً. وقِيلَ: خاطَبَتِ اللَّهَ تَعالى بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِذارِ، والتَّنَصُّلِ مِن نَذْرِ ما لا يَصْلُحُ لِسَدانَةِ البَيْتِ؛ إذْ كانَتِ الأُنْثى لا تَصْلُحُ لِذَلِكَ في شَرِيعَتِهِمْ. وقِيلَ: كانَتْ مَرْيَمُ أجْمَلَ نِساءِ زَمانِها، وأكْمَلَهُنَّ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب