الباحث القرآني

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينِ كَفَرُوا وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ لَمّا تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ المُنافِقِينَ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا، وأخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم ”﴿قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]“، وكانَ قَوْلًا باطِلًا واعْتِقادًا فاسِدًا نَهى (p-٩٢)تَعالى المُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونُوا مِثْلَهم في هَذِهِ المَقالَةِ الفاسِدَةِ والِاعْتِقادِ السَّيِّئِ. وهو أنَّ مَن سافَرَ في تِجارَةٍ ونَحْوِها فَماتَ، أوْ قاتَلَ فَقُتِلَ، لَوْ قَعَدَ في بَيْتِهِ لَعاشَ ولَمْ يَمُتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلسَّفَرِ فِيهِ أوْ لِلْقِتالِ، وهَذا هو مُعْتَقَدُ المُعْتَزِلَةِ في القَوْلِ بِالأجَلَيْنِ. والكُفّارِ القائِلُونَ، قِيلَ: هو عامٌّ، أيِ اعْتِقادُ الجَمِيعِ هَذا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ، أوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ سُمِعَ مِنهم هَذا القَوْلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما، أوْ هو ومُعَتِّبٌ وجَدُّ بْنُ قَيْسٍ وأصْحابُهم. واللّامُ في ”لِإخْوانِهِمْ“ لامُ السَّبَبِ، أيْ لِأجْلِ إخْوانِهِمْ، ولَيْسَتْ لامَ التَّبْلِيغِ نَحْوَ: قُلْتُ لَكَ. والأُخُوَّةُ هُنا أُخُوَّةُ النَّسَبِ؛ إذْ كانَ قَتْلى أُحُدٍ مِنَ الأنْصارِ، وأكْثَرُهم مِنَ الخَزْرَجِ، ولَمْ يُقْتَلْ مِنَ المُهاجِرِينَ إلّا أرْبَعَةٌ. وقِيلَ: خَمْسَةٌ. ويَكُونُ القائِلُونَ مُنافِقِي الأنْصارِ، جَمَعَهم أبٌ قَرِيبٌ أوْ بَعِيدٌ، أوْ أُخُوَّةُ المُعْتَقَدِ والتَّآلُفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقالَ: ؎صَفَحْنا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ وقُلْنا القَوْمُ إخْوانُ والضَّرْبُ في الأرْضِ: الإبْعادُ فِيها، والذَّهابُ لِحاجَةِ الإنْسانِ. وقالَ السُّدِّيُّ: الضَّرْبُ هُنا السَّيْرُ في التِّجارَةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: السَّيْرُ في الطّاعاتِ. وإذا ظَرْفٌ لِما يُسْتَقْبَلُ، و”قالُوا“ ماضٍ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ. فَمِنهم مَن جَرَّدَهُ عَنْ الِاسْتِقْبالِ وجَعَلَهُ لِمُطْلَقِ الوَقْتِ بِمَعْنى حِينَ، فَأعْمَلُ فِيهِ قالَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: دَخَلَتْ إذا وهي حَرْفُ اسْتِقْبالٍ مِن حَيْثُ الَّذِينَ اسْمٌ فِيهِ إبْهامٌ يَعُمُّ مَن قالَ في الماضِي ومَن يَقُولُ في المُسْتَقْبَلِ، ومِن حَيْثُ هَذِهِ النّازِلَةِ تُتَصَوَّرُ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قِيلَ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ مَعَ قالُوا ؟ (قُلْتُ): هو حِكايَةُ الحالِ الماضِيَةِ، كَقَوْلِكَ: حِينَ تَضْرِبُونَ في الأرْضِ. انْتَهى كَلامُهُ. ويُمْكِنُ إقْرارُ ”إذا“ عَلى ما اسْتَقَرَّ لَها مِنَ الِاسْتِقْبالِ، والعامِلُ فِيها مُضافٌ مُسْتَقْبَلٌ مَحْذُوفٌ، وهو لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ غايَةُ ما فِيهِ أنّا نُقَدِّرُهُ مُسْتَقْبَلًا حَتّى يَعْمَلَ في الظَّرْفِ المُسْتَقْبَلِ، لَكِنْ يَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: لَوْ كانُوا عائِدًا عَلى إخْوانِهِمْ لَفْظًا، وعَلى غَيْرِهِمْ مَعْنًى، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾ [فاطر: ١١] وقَوْلُ العَرَبِ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ. وقَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٩٣) ؎قالَتْ ألا لَيْتَما هَذا الحَمامُ لَنا ∗∗∗ إلى حَمامَتِنا ونِصْفُهُ فَقَدِ المَعْنى: مِن مُعَمَّرٍ آخَرَ ونِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرَ، ونِصْفُ حَمامٍ آخَرَ، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلى دِرْهَمٍ والحَمامِ لَفْظًا لا مَعْنًى. كَذَلِكَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ”لَوْ كانُوا“، يَعُودُ عَلى إخْوانِهِمْ لَفْظًا. والمَعْنى: لَوْ كانَ إخْوانُنا الآخَرُونَ. ويَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: وقالُوا مَخافَةَ هَلاكِ إخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى: لَوْ كانَ إخْوانُنا الآخَرُونَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ مَوْتُهم وقَتْلُهم عِنْدَنا - أيْ مُقِيمِينَ لَمْ يُسافِرُوا - ما ماتُوا وما قُتِلُوا، فَتَكُونُ هَذِهِ المَقالَةُ تَثْبِيطًا لِإخْوانِهِمُ الباقِينَ عَنِ الضَّرْبِ في الأرْضِ وعَنِ الغَزْوِ، وإيهامًا لَهم أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَ إخْوانِهِمُ الآخَرِينَ الَّذِينَ سَبَقَ مَوْتُهم وقَتْلُهم بِالضَّرْبِ في الأرْضِ والغَزْوِ، ويَكُونُ العامِلُ في إذا هَلاكٌ، وهو مَصْدَرٌ يَنْحَلُّ بِأنْ والمُضارِعِ، أيْ مَخافَةَ أنْ يَهْلَكَ إخْوانُهُمُ الباقُونَ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ، أوْ كانُوا غُزًّا. وهَذا أبْلَغُ في المَعْنى؛ إذْ عَرَضُوا لِلْأحْياءِ بِالإقامَةِ؛ لِئَلّا يُصِيبَهم ما أصابَ مَن ماتَ أوْ قُتِلَ. قالُوا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وقالُوا في مَعْنى ويَقُولُونَ، وتَعْمَلُ في إذا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إذا بِمَعْنى إذْ، فَيَبْقى وقالُوا عَلى مُضِيِّهِ. وفي الكَلامِ إذْ ذاكَ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ فَماتُوا، أوْ كانُوا غُزًّا فَقُتِلُوا. وما أجْهَلُ مَن يَدَّعِي أنَّهُ لَوْلا الضَّرْبُ في الأرْضِ والغَزْوُ وتَرْكُ القُعُودِ في الوَطَنِ لَما ماتَ المُسافِرُ ولا الغازِي، وأيْنَ عَقْلُ هَؤُلاءِ مِن عَقْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ عَلى جاهِلِيَّتِهِ حَيْثُ يَقُولُ: ؎يَقُولُونَ لِي لَوْ كانَ بِالرَّمْلِ لَمْ يَمُتْ ∗∗∗ نُشَيْبَةُ والطُّرّاقِ يَكْذِبُ قِيلُها ؎ولَوْ أنَّنِي اسْتَوْدَعْتُهُ الشَّمْسَ لارْتَقَتْ ∗∗∗ إلَيْهِ المَنايا عَيْنُها ورَسُولُها قالَ الرّازِيُّ: وذَكَرَ الغَزْوَ بَعْدَ الضَّرْبِ؛ لِأنَّ مِنَ الغَزْوِ ما لا يَكُونُ ضَرْبًا؛ لِأنَّ الضَّرْبَ الإبْعادُ، والجِهادُ قَدْ يَكُونُ قَرِيبَ المَسافَةِ، فَلِذَلِكَ أفْرَدَ الغَزْوَ عَنِ الضَّرْبِ. انْتَهى. يَعْنِي أنَّ بَيْنَهُما عُمُومًا وخُصُوصًا فَتَغايَرا، فَصَحَّ إفْرادُهُ، إذْ لَمْ يَنْدَرِجْ مِن جِهَةٍ تَحْتَهُ. وقِيلَ: لا يُفْهَمُ الغَزْوُ مِنَ الضَّرْبِ، وإنَّما قُدِّمَ لِكَثْرَتِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] . وقَرَأ الجُمْهُورُ غُزًّى بِتَشْدِيدِ الزّايِ، وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ بِتَخْفِيفِ الزّايِ. ووَجْهٌ عَلى حَذْفِ أحَدِ المُضَعَّفَيْنِ تَخْفِيفًا، وعَلى حَذْفِ التّاءِ، والمُرادُ: غُزاةٌ. وقالَ بَعْضُ مَن وجَّهَ عَلى أنَّهُ حَذْفُ التّاءِ وهو: ابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ: وهَذا الحَذْفُ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَمْدَحُ الكِسائِيَّ: ؎أبى الذَّمُّ أخْلاقَ الكِسائِيِّ وانْتَحى ∗∗∗ بِهِ المَجْدُ أخْلاقَ الأُبُوِّ السَّوابِقِ يُرِيدُ الأُبُوَّةَ، جَمْعُ أبٍ، كَما أنَّ العُمُومَةَ جَمْعُ عَمٍّ، والبُنُوَّةُ جَمْعُ ابْنٍ. وقَدْ قالُوا: ابْنٌ وبُنُوٌّ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وهَذا الحَذْفُ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، لَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ لا يُوجَدُ مِثْلُ رامٍ ورَمى، ولا حامٍ وحَمى، يُرِيدُ: رُماةٌ وحُماةٌ. وإنْ أرادَ حَذْفَ التّاءِ مِن حَيْثُ الجُمْلَةِ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ فالمُدَّعى إنَّما هو الحَذْفُ مِن فِعْلِهِ، ولا نَقُولُ: إنَّ الحَذْفَ - أعْنِي حَذْفَ التّاءِ - كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ؛ لِأنَّهُ يُشْعِرُ أنَّ بِناءَ الجَمْعِ جاءَ عَلَيْها، ثُمَّ حُذِفَتْ كَثِيرًا ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الجَمْعُ جاءَ عَلى فَعُولٍ نَحْوَ: عَمٌّ وعُمُومٌ، وفَحْلٌ وفُحُولٌ، ثُمَّ جِيءَ بِالتّاءِ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الجَمْعِ، فَلا نَقُولُ في عُمُومٍ: إنَّهُ حُذِفَتْ مِنهُ التّاءُ كَثِيرًا لِأنَّ الجَمْعَ لَمْ يُبْنَ عَلَيْها، بِخِلافِ قُضاةٍ ورُماةٍ، فَإنَّ الجَمْعَ بُنِيَ عَلَيْها، وإنَّما تَكَلَّفَ النَّحْوِيُّونَ لِدُخُولِها فِيما كانَ لا يَنْبَغِي أنْ تَدْخُلَ فِيهِ، إنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ تَأْكِيدِ الجَمْعِ، لَمّا رَأوْا زائِدًا لا مَعْنًى لَهُ ذَكَرُوا أنَّهُ جاءَ بِمَعْنى التَّوْكِيدِ، كالزَّوائِدِ الَّتِي لا يُفْهَمُ لَها مَعْنًى غَيْرُ التَّأْكِيدِ. وأمّا البَيْتُ فالَّذِي يَقُولُهُ النَّحْوِيُّونَ فِيهِ: إنَّهُ مِمّا شَذَّ جَمْعُهُ ولَمْ يُعَلَّ، فَيُقالُ فِيهِ: أبى، كَما قالُوا: عَصى في عَصا، وهو عِنْدَهم جَمْعٌ عَلى فُعُولٍ، ولَيْسَ أصْلُهُ أُبُوَةُ. ولا يُجْمَعُ ابْنٌ عَلى بُنُوَّةٍ، وإنَّما هُما مَصْدَرانِ، والجُمْلَةُ مِن لَوْ (p-٩٤)وجَوابُها هي مَعْمُولُ القَوْلِ، فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ، وجاءَتْ عَلى نَظْمِ ما بَعْدَ إذا مِن تَقْدِيمِ نَفْيِ المَوْتِ عَلى نَفْيِ القَتْلِ، كَما قَدَّمَ الضَّرْبَ عَلى الغَزْوِ. والضَّمِيرُ في: لَوْ كانُوا، هو لِقَتْلى أُحُدٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ. أوْ لِلسَّرِيَّةِ الَّذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ. قالَهُ بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْياطِيُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وما قُتِلُوا بِتَخْفِيفِ التّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِتَشْدِيدِها لِلتَّكْثِيرِ في المَحالِّ، لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَحَلٍّ واحِدٍ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ التَّكْثِيرُ فِيهِ. ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ اخْتَلَفُوا في هَذِهِ اللّامِ، فَقِيلَ: هي لامُ كَيْ. وقِيلَ: لامُ الصَّيْرُورَةِ. فَإذا كانَتْ لامُ كَيْ فَبِماذا تَتَعَلَّقُ ؟ ولِماذا يُشارُ بِذَلِكَ ؟ فَذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّها تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ وسِياقُهُ، التَّقْدِيرُ: أوْقَعَ ذَلِكَ، أيِ القَوْلَ والمُعْتَقَدَ في قُلُوبِهِمْ لِيَجْعَلَهُ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ. وإنَّما احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ هَذا المَحْذُوفِ؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ تَتَعَلَّقَ اللّامُ عَلى أنَّها لامُ كَيْ، يُقالَ: لِأنَّهم لَمْ يَقُولُوا تِلْكَ المَقالَةَ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ، فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِمْ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ تَثْبِيطًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَنِ الجِهادِ. ولا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالنَّهْيِ وهو: لا يَكُونُوا كالَّذِينِ كَفَرُوا؛ لِأنَّ جَعْلَ اللَّهِ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ لا يَكُونُ سَبَبًا لِنَهْيِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُماثَلَةِ الكُفّارِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ أوْرَدَ سُؤالًا عَلى ما تَتَعَلَّقُ بِهِ ”لِيَجْعَلَ“، قالَ: أوْ لا يَكُونُوا بِمَعْنى: لا يَكُونُوا مِثْلَهم في النُّطْقِ بِذَلِكَ القَوْلِ واعْتِقادِهِ، لِيَجْعَلَهُ اللَّهُ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ خاصَّةً، ويَصُونَ مِنها قُلُوبَكم. انْتَهى كَلامُهُ. وهو كَلامُ شَيْخٍ لا تَحْقِيقَ فِيهِ؛ لِأنَّ جَعْلَ الحَسْرَةِ لا يَكُونُ سَبَبًا لِلنَّهْيِ كَما قُلْنا، إنَّما يَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ امْتِثالِ النَّهْيِ، وهو: انْتِفاءُ المُماثَلَةِ، فَحُصُولُ ذَلِكَ الِانْتِفاءُ والمُخالَفَةِ فِيما يَقُولُونَ ويَعْتَقِدُونَ يَحْصُلُ عَنْهُ ما يَغِيظُهم ويَغُمُّهم، إذْ لَمْ يُوافِقُوهم فِيما قالُوهُ واعْتَقَدُوهُ. فَلا تَضْرِبُوا في الأرْضِ ولا تَغْزُوا، فالتَبَسَ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ اسْتِدْعاءُ انْتِفاءِ المُماثَلَةِ لِحُصُولِ الِانْتِفاءِ، وفَهْمُ هَذا فِيهِ خَفاءٌ ودِقَّةٌ. وقالَ ابْنُ عِيسى وغَيْرُهُ: اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالكَوْنِ، أيْ: لا تَكُونُوا كَهَؤُلاءِ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ دُونَكم. انْتَهى. ومِنهُ أخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: لَكِنَّ ابْنَ عِيسى نَصَّ عَلى ما تَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ، وذاكَ لَمْ يُنَصَّ. وقَدْ بَيَّنّا فَسادَ هَذا القَوْلِ. وإذا كانَتْ لامُ الصَّيْرُورَةِ والعاقِبَةِ تَعَلَّقَتْ بِقالُوا، والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يَقُولُوا لِجَعْلِ الحَسْرَةِ، إنَّما قالُوا ذَلِكَ لِعِلَّةٍ، فَصارَ مَآلُ ذَلِكَ إلى الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ، ونَظَّرُوهُ بِقَوْلِهِ: ”﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]“ ولَمْ يَلْتَقِطُوهُ لِذَلِكَ، إنَّما آلَ أمْرُهُ إلى ذَلِكَ. وأكْثَرُ أصْحابِنا لا يُثْبِتُونَ لِلّامِ هَذا المَعْنى، أعْنِي أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ والمَآلِ، ويَنْسُبُونَ هَذا المَذْهَبَ لِلْأخْفَشِ. وأمّا الإشارَةُ (p-٩٥)بِذَلِكَ فَقالَ الزَّجّاجُ: هو إشارَةٌ إلى الظَّنِّ، وهو أنَّهم إذا ظَنُّوا أنَّهم لَوْ لَمْ يَحْضُرُوا لَمْ يُقْتَلُوا، كانَ حَسْرَتُهم عَلى مَن قُتِلَ مِنهم أشَدَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما مَعْناهُ الإشارَةُ إلى النُّطْقِ والِاعْتِقادِ بِالقَوْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى هَذا المُعْتَقَدِ الَّذِي لَهم، جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً؛ لِأنَّ الَّذِي يَتَيَقَّنُ أنَّ كُلَّ مَوْتٍ وقَتْلٍ بِأجَلٍ سابِقٍ يَجِدُ بَرْدَ اليَأْسِ والتَّسْلِيمِ لِلَّهِ تَعالى عَلى قَلْبِهِ، والَّذِي يَعْتَقِدُ أنَّ حَمِيمَهُ لَوْ قَعَدَ في بَيْتِهِ لَمْ يَمُتْ يَتَحَسَّرُ ويَتَلَهَّفُ. انْتَهى. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَوافِقَةٌ فِيما أُشِيرُ بِذَلِكَ إلَيْهِ. وقِيلَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى نَهْيِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الكَوْنِ مِثْلَ الكافِرِينَ في هَذا المُعْتَقَدِ؛ لِأنَّهم إذا رَأوْا أنَّ اللَّهَ قَدْ وسَمَهم بِمُعْتَقَدٍ وأمَرَ بِخِلافِهِمْ كانَ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى النَّهْيِ والِانْتِهاءِ مَعًا، فَتَأمَّلْهُ. انْتَهى. وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ تُخالِفُ الظّاهِرَ. والَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الإشارَةَ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ”قالُوا“، وأنَّ اللّامَ لِلصَّيْرُورَةِ، والمَعْنى أنَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قاصِدِينَ التَّثْبِيطَ عَنِ الجِهادِ والإبْعادِ في الأرْضِ، سَواءٌ كانُوا مُعْتَقِدِينَ صِحَّتَها أوْ لَمْ يَكُونُوا مُعْتَقِدِيها، إذْ كَثِيرٌ مِنَ الكُفّارِ قائِلٌ بِأجَلٍ واحِدٍ، فَخابَ هَذا القَصْدُ، وجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ القَوْلَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ، أيْ غَمًّا عَلى ما فاتَهم، إذْ لَمْ يَبْلُغُوا مَقْصِدَهم مِنَ التَّثْبِيطِ عَنِ الجِهادِ. وظاهِرُ جَعْلِ الحَسْرَةِ وحُصُولِها أنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ في الدُّنْيا، وهو الغَمُّ الَّذِي يَلْحَقُهم عَلى ما فاتَ مِن بُلُوغِ مَقْصِدِهِمْ. وقِيلَ: الجَعْلُ يَوْمَ القِيامَةِ لِما هم فِيهِ مِنَ الخِزْيِ والنَّدامَةِ، ولِما فِيهِ المُسْلِمُونَ مِنَ النَّعِيمِ والكَرامَةِ. وأسْنَدَ الجَعْلَ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يَضَعُ الغَمَّ والحَسْرَةَ في قُلُوبِهِمْ عُقُوبَةً لَهم عَلى هَذا القَوْلِ الفاسِدِ. ﴿واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ في تِلْكَ المَقالَةِ الفاسِدَةِ، بَلْ ذَلِكَ بِقَضائِهِ الحَتْمِ والأمْرُ بِيَدِهِ، قَدْ يُحْيِي المُسافِرَ والغازِي، ويُمِيتُ المُقِيمَ والقاعِدَ. وقالَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ عِنْدَ مَوْتِهِ: ما فِيَّ مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وفِيهِ ضَرْبَةٌ أوْ طَعْنَةٌ، وها أنا ذا أمُوتُ كَما يَمُوتُ البَعِيرُ، فَلا نامَتْ أعْيُنُ الجُبَناءِ. وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا﴾ أيْ: لا تَقُولُوا مِثْلَ قَوْلِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ هو المُحْيِي، مَن قَدَّرَ حَياتَهُ لَمْ يُقْتَلْ في الجِهادِ، والمُمِيتُ، مَن قَدَّرَ لَهُ المَوْتَ لَمْ يَبْقَ وإنْ لَمْ يُجاهِدْ، قالَهُ الرّازِيُّ، وقالَ أيْضًا: المُرادُ مِنهُ إبْطالُ شُبْهَتِهِمْ، أيْ لا تَأْثِيرَ لِشَيْءٍ آخَرَ في الحَياةِ والمَوْتِ؛ لِأنَّ قَضاءَهُ لا يَتَبَدَّلُ. ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ في الأعْمالِ؛ لِأنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ. انْتَهى. ورُدَّ عَلَيْهِ هَذا الفَرْقُ بَيْنَ المَوْتِ والحَياةِ وسائِرِ الأعْمالِ؛ لِأنَّ سائِرَ الأعْمالِ مَفْرُوغٌ مِنها كالمَوْتِ والحَياةِ، فَما قُدِّرَ وُقُوعُهُ مِنها فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ، وما لَمْ يُقَدَّرْ فَيَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ، فَإذًا لا فَرْقَ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قالَ الرّاغِبُ: عَلَّقَ ذَلِكَ بِالبَصَرِ لا بِالسَّمْعِ، وإنْ كانَ الصّادِرُ مِنهم قَوْلًا مَسْمُوعًا لا فَعْلًا مَرْئِيًّا، لَمّا كانَ ذَلِكَ القَوْلُ مِنَ الكافِرِ قَصْدًا مِنهم إلى عَمَلٍ يُحاوِلُونَهُ، فَخَصَّ البَصَرَ بِذَلِكَ، كَقَوْلِكَ لِمَن يَقُولُ شَيْئًا وهو يَقْصِدُ فِعْلًا يُحاوِلُهُ: أنا أرى ما تَفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والأخَوانِ ”بِما يَعْمَلُونَ“ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وهو وعِيدٌ لِلْمُنافِقِينَ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ، كَما قالَ: لا تَكُونُوا، فَهو تَوْكِيدٌ لِلنَّهْيِ، ووَعِيدٌ لِمَن خالَفَ، ووَعْدٌ لِمَنِ امْتَثَلَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب