الباحث القرآني

أخْبر سُبْحانَهُ أن كسبهم غطى على قُلُوبهم وحال بَينها وبَين الإيمان بآياته فَقالُوا ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾. قالَ بَعْضُ السَّلَفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ هو الذَّنْبُ بَعْدَ الذَّنْبِ. وَقالَ الحَسَنُ: هو الذَّنْبُ عَلى الذَّنْبِ، حَتّى يُعْمِيَ القَلْبَ. وَقالَ غَيْرُهُ: لَمّا كَثُرَتْ ذُنُوبُهم ومَعاصِيهِمْ أحاطَتْ بِقُلُوبِهِمْ. وَأصْلُ هَذا أنَّ القَلْبَ يَصْدَأُ مِنَ المَعْصِيَةِ، فَإذا زادَتْ غَلَبَ الصَّدَأُ حَتّى يَصِيرَ رانًا، ثُمَّ يَغْلِبُ حَتّى يَصِيرَ طَبْعًا وقُفْلًا وخَتْمًا، فَيَصِيرُ القَلْبُ في غِشاوَةٍ وغِلافٍ، فَإذا حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الهُدى والبَصِيرَةِ انْعَكَسَ فَصارَ أعْلاهُ أسْفَلَهُ، فَحِينَئِذٍ يَتَوَلّاهُ عَدُوُّهُ ويَسُوقُهُ حَيْثُ أرادَ. * وقال في (المدارج) " والرَّيْنُ " " والرّانُّ " هو الحِجابُ الكَثِيفُ المانِعُ لِلْقَلْبِ مِن رُؤْيَةِ الحَقِّ والِانْقِيادِ لَهُ. * وقال في (شفاء العليل) وأما الران: فقد قال الله تعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قال أبو عبيدة: غلب عليها. والخمر ترين على عقل السكران، والموت يرين على الميت، فيذهب به، ومن هذا الحديث أسيفع جهينة. وقول عمر: «فأصبح قدرين به» أي غلب عليه، وأحاط به الرّين. وقال أبو معاذ النحوي: الرين أن يسود القلب من الذنوب. والطبع: أن يطبع على القلب. وهو أشد من الرين. والأقفال أشد من الطبع. وهو أن يقفل على القلب. وقال الفراء: كثرت الذنوب والمعاصي منهم، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها. وقال أبو إسحاق: ران غطّى، يقال: ران على قلبه الذنب يرين رينا. أي غشيه. قال: والرين كالغشاء يغشي القلب. ومثله العين. قلت: أخطأ أبو إسحاق. فالغين ألطف شيء وأرقه. قال رسول الله ﷺ: «وإنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» وأما الرين والران: فهو من أغلظ الحجب على القلب وأكثفها وقال مجاهد: هو الذنب على الذنب، حتى تحيط الذنوب بالقلب وتغشاه، فيموت القلب. وقال مقاتل: غمرت القلوب أعمالهم الخبيثة. وفي سنن النسائي والترمذي من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه. وإن زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه. وهو الران الذي ذكر الله كَلّا، بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ» قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال عبد الله بن مسعود: «كلما أذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود القلب كله» فأخبر سبحانه أن ذنوبهم التي اكتسبوها أوجبت لهم رينا على قلوبهم، فكان سبب الران منهم. وهو خلق الله فيهم، فهو خالق السبب ومسببه، لكن السبب باختيار العبد، والمسبب خارج عن قدرته واختياره. * (فائدة) وصدأ القلب بأمرين بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين بالاستغفار والذكر. فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبًا على قلبه، وصدأه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه فيرى الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل، لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه. فإذا تراكم عليه الصدأ واسود وركبه الران فسد تصوره وإدراكه، فلا يقبل حقًا ولا ينكر باطلًا. وهذا أعظم عقوبات القلب. وأصل ذلك من الغفلة واتباع الهوى فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصره، قال تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطًا﴾. * (فصل) قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ قالَ: سَمِعْتُ الأوْزاعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ بِلالَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: لا تَنْظُرْ إلى صِغَرِ الخَطِيئَةِ ولَكِنِ انْظُرْ إلى مَن عَصَيْتَ. وَقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: بِقَدْرِ ما يَصْغَرُ الذَّنْبُ عِنْدَكَ يَعْظُمُ عِنْدَ اللَّهِ، وبِقَدْرِ ما يَعْظُمُ عِنْدَكَ يَصْغَرُ عِنْدَ اللَّهِ. وَقِيلَ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى، يا مُوسى إنَّ أوَّلَ مَن ماتَ مِن خَلْقِي إبْلِيسُ، وذَلِكَ أنَّهُ أوَّلُ مَن عَصانِي، وإنَّما أعُدُّ مَن عَصانِي مِنَ الأمْواتِ. وَفِي المُسْنَدِ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُؤْمِنَ إذا أذْنَبَ ذَنْبًا نُكِتَ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ، فَإذا تابَ ونَزَعَ واسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وإنْ زادَ زادَتْ حَتّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الرّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]». وَقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقالَ حُذَيْفَةُ: إذا أذْنَبَ العَبْدُ ذَنْبًا نُكِتَ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ حَتّى يَصِيرَ قَلْبُهُ كالشّاةِ الرَّيْداءِ. وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ حَدَّثَنا أبِي عَنْ صالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أمّا بَعْدُ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَإنَّكم أهْلٌ لِهَذا الأمْرِ ما لَمْ تَعْصُوا اللَّهَ، فَإذا عَصَيْتُمُوهُ بَعَثَ عَلَيْكم مَن يَلْحاكم كَما يُلْحى هَذا القَضِيبُ بِقَضِيبٍ في يَدِهِ، ثُمَّ لَحا قَضِيبَهُ فَإذا هو أبْيَضُ يَصْلِدُ». * وقال في (المدارج) وَأمّا صِيانَةُ الإيمانِ فَإنَّ الإيمانَ عِنْدَ جَمِيعِ أهْلِ السُّنَّةِ يَزِيدُ بِالطّاعَةِ ويَنْقُصُ بِالمَعْصِيَةِ. وقَدْ حَكاهُ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، ومَن بَعْدَهم. وَإضْعافُ المَعاصِي لِلْإيمانِ أمْرٌ مَعْلُومٌ بِالذَّوْقِ والوُجُودِ. فَإنَّ العَبْدَ - كَما جاءَ في الحَدِيثِ - «إذا أذْنَبَ نُكِتَ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ. فَإنْ تابَ واسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ. وَإنْ عادَ فَأذْنَبَ نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ أُخْرى، حَتّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ. وَذَلِكَ الرّانُّ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]». فالقَبائِحُ تُسَوِّدُ القَلْبَ، وتُطْفِئُ نُورَهُ. والإيمانُ هو نُورٌ في القَلْبِ. والقَبائِحُ تَذْهَبُ بِهِ أوْ تُقَلِّلُهُ قَطْعًا. فالحَسَناتُ تَزِيدُ نُورَ القَلْبِ. والسَّيِّئاتُ تُطْفِئُ نُورَ القَلْبِ. وَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ كَسْبَ القُلُوبِ سَبَبٌ لِلرّانِّ الَّذِي يَعْلُوها. * (فصل) المُكاشَفَةُ الصَّحِيحَةُ: عُلُومٌ يُحْدِثُها الرَّبُّ سُبْحانَهُ وتَعالى في قَلْبِ العَبْدِ، ويُطْلِعُهُ بِها عَلى أُمُورٍ تَخْفى عَلى غَيْرِهِ، وقَدْ يُوالِيها وقَدْ يُمْسِكُها عَنْهُ بِالغَفْلَةِ عَنْها، ويُوارِيها عَنْهُ بِالغَيْنِ الَّذِي يَغْشى قَلْبَهُ، وهو أرَقُّ الحُجُبِ، أوْ بِالغَيْمِ، وهو أغْلَظُ مِنهُ أوْ بِالرّانِ، وهو أشَدُّها. فالأوَّلُ: يَقَعُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي، وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً». والثّانِي: يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ. والثّالِثُ: لِمَن غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشِّقْوَةُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: هو الذَّنْبُ بَعْدَ الذَّنْبِ يُغَطِّي القَلْبَ حَتّى يَصِيرَ كالرّانِ عَلَيْهِ. والحُجُبُ عَشَرَةُ الأوَّلُ: حِجابُ التَّعْطِيلِ، ونَفْيُ حَقائِقِ الأسْماءِ والصِّفاتِ، وهو أغْلَظُها، فَلا يَتَهَيَّأُ لِصاحِبِ هَذا الحِجابِ أنْ يَعْرِفَ اللَّهَ، ولا يَصِلَ إلَيْهِ ألْبَتَّةَ إلّا كَما يَتَهَيَّأُ لِلْحَجَرِ أنْ يَصْعَدَ إلى فَوْقَ. الثّانِي: حِجابُ الشِّرْكِ، وهو أنْ يَتَعَبَّدَ قَلْبُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ. الثّالِثُ: حِجابُ البِدْعَةِ القَوْلِيَّةِ، كَحِجابِ أهْلِ الأهْواءِ، والمَقالاتِ الفاسِدَةِ عَلى اخْتِلافِها. الرّابِعُ: حِجابُ البِدْعَةِ العَمَلِيَّةِ، كَحِجابِ أهْلِ السُّلُوكِ المُبْتَدِعِينَ في طَرِيقِهِمْ وسُلُوكِهِمْ. الخامِسُ: حِجابُ أهْلِ الكَبائِرِ الباطِنَةِ، كَحِجابِ أهْلِ الكِبْرِ والعُجْبِ والرِّياءِ والحَسَدِ، والفَخْرِ والخُيَلاءِ ونَحْوِها. السّادِسُ: حِجابُ أهْلِ الكَبائِرِ الظّاهِرَةِ، وحِجابُهم أرَقُّ مِن حِجابِ إخْوانِهِمْ مِن أهْلِ الكَبائِرِ الباطِنَةِ، مَعَ كَثْرَةِ عِباداتِهِمْ وزَهاداتِهِمْ واجْتِهاداتِهِمْ، فَكَبائِرُ هَؤُلاءِ أقْرَبُ إلى التَّوْبَةِ مِن كَبائِرِ أُولَئِكَ، فَإنَّها قَدْ صارَتْ مَقاماتٍ لَهم لا يَتَحاشَوْنَ مِن إظْهارِها وإخْراجِها في قَوالِبَ عِبادَةٍ ومَعْرِفَةٍ، فَأهْلُ الكَبائِرِ الظّاهِرَةِ أدْنى إلى السَّلامَةِ مِنهم. وَقُلُوبُهم خَيْرٌ مِن قُلُوبِهِمْ. السّابِعُ: حِجابُ أهْلِ الصَّغائِرِ. الثّامِنُ: حِجابُ أهْلِ الفَضَلاتِ، والتَّوَسُّعِ في المُباحاتِ. التّاسِعُ: حِجابُ أهْلِ الغَفْلَةِ عَنِ اسْتِحْضارِ ما خُلِقُوا لَهُ وأُرِيدَ مِنهُمْ، وما لِلَّهِ عَلَيْهِمْ مِن دَوامِ ذِكْرِهِ وشُكْرِهِ وعُبُودِيَّتِهِ. العاشِرُ: حِجابُ المُجْتَهِدِينَ السّالِكِينَ، المُشَمِّرِينَ في السَّيْرِ عَنِ المَقْصُودِ. فَهَذِهِ عَشْرُ حُجُبٍ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ هَذا الشَّأْنِ، وهَذِهِ الحُجُبُ تَنْشَأُ مِن أرْبَعَةِ عَناصِرَ: عُنْصُرُ النَّفْسِ، وعُنْصُرُ الشَّيْطانِ، وعُنْصُرُ الدُّنْيا، وعُنْصُرُ الهَوى، فَلا يُمْكِنُ كَشْفُ هَذِهِ الحُجُبِ مَعَ بَقاءِ أُصُولِها وعَناصِرِها في القَلْبِ ألْبَتَّةَ. وَهَذِهِ الأرْبَعَةُ العَناصِرُ: تُفْسِدُ القَوْلَ والعَمَلَ والقَصْدَ والطَّرِيقَ بِحَسْبِ غَلَبَتِها وقِلَّتِها، فَتَقْطَعُ طَرِيقَ القَوْلِ والعَمَلِ والقَصْدِ: أنْ يَصِلَ إلى القَلْبِ، وما وصَلَ مِنهُ إلى القَلْبِ قَطَعَتْ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ: أنْ يَصِلَ إلى الرَّبِّ، فَبَيْنَ القَوْلِ والعَمَلِ وبَيْنَ القَلْبِ مَسافَةٌ يُسافِرُ فِيها العَبْدُ إلى قَلْبِهِ لِيَرى عَجائِبَ ما هُنالِكَ، وفي هَذِهِ المَسافَةِ قُطّاعُ الطَّرِيقِ المَذْكُورُونَ، فَإنْ حارَبَهم وخَلَصَ العَمَلُ إلى قَلْبِهِ دارَ فِيهِ، وطَلَبَ النُّفُوذَ مِن هُناكَ إلى اللَّهِ، فَإنَّهُ لا يَسْتَقِرُّ دُونَ الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] فَإذا وصَلَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أثابَهُ عَلَيْهِ مَزِيدًا في إيمانِهِ ويَقِينِهِ، ومَعْرِفَتِهِ وعَقْلِهِ، وجَمَّلَ بِهِ ظاهِرَهُ وباطِنَهُ، فَهَداهُ بِهِ لِأحْسَنِ الأخْلاقِ والأعْمالِ، وصَرَفَ عَنْهُ بِهِ سَيِّئَ الأخْلاقِ والأعْمالِ، وأقامَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ العَمَلِ لِلْقَلْبِ جُنْدًا يُحارِبُ بِهِ قُطّاعَ الطَّرِيقِ لِلْوُصُولِ إلَيْهِ، فَيُحارِبُ الدُّنْيا بِالزُّهْدِ فِيها وإخْراجِها مِن قَلْبِهِ، ولا يَضُرُّهُ أنْ تَكُونَ في يَدِهِ وبَيْتِهِ، ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِن قُوَّةِ يَقِينِهِ بِالآخِرَةِ، يُحارِبُ الشَّيْطانَ بِتَرْكِ الِاسْتِجابَةِ لِداعِي الهَوى، فَإنَّ الشَّيْطانَ مَعَ الهَوى لا يُفارِقُهُ، ويُحارِبُ الهَوى بِتَحْكِيمِ الأمْرِ المُطْلَقِ والوُقُوفِ مَعَهُ، بِحَيْثُ لا يَبْقى لَهُ هَوًى فِيما يَفْعَلُهُ ويَتْرُكُهُ، ويُحارِبُ النَّفْسَ بِقُوَّةِ الإخْلاصِ. هَذا كُلُّهُ إذا وجَدَ العَمَلُ مَنفَذًا مِنَ القَلْبِ إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإنْ دارَ فِيهِ ولَمْ يَجِدْ مَنفَذًا وثَبَتْ عَلَيْهِ النَّفْسُ، فَأخَذَتْهُ وصَيَّرَتْهُ جُنْدًا لَها، فَصالَتْ بِهِ وعَلَتْ وطَغَتْ، فَتَراهُ أزْهَدُ ما يَكُونُ، وأعْبَدُ ما يَكُونُ، وأشَدُّ اجْتِهادًا، وهو أبْعَدُ ما يَكُونُ عَنِ اللَّهِ، وأصْحابُ الكَبائِرِ أقْرَبُ قُلُوبًا إلى اللَّهِ مِنهُ، وأدْنى مِنهُ إلى الإخْلاصِ والخَلاصِ. فانْظُرْ إلى السَّجّادِ العَبّادِ الزّاهِدِ الَّذِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ أثَرُ السُّجُودِ، كَيْفَ أ‍وْرَثَهُ طُغْيانُ عَمَلِهِ أنْ أنْكَرَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وأوْرَثَ أصْحابَهُ احْتِقارَ المُسْلِمِينَ، حَتّى سَلَّوْا عَلَيْهِمْ سُيُوفَهُمْ، واسْتَباحُوا دِماءَهم. وانْظُرْ إلى الشِّرِّيبِ السِّكِّيرِ الَّذِي كانَ كَثِيرًا ما يُؤْتى بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَيَحُدُّهُ عَلى الشَّرابِ، كَيْفَ قامَتْ بِهِ قُوَّةُ إيمانِهِ ويَقِينِهِ، ومَحَبَّتِهِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ، وتَواضُعِهِ وانْكِسارِهِ لِلَّهِ حَتّى نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لَعْنِهِ. فَظَهَرَ بِهَذا: أنَّ طُغْيانَ المَعاصِي أسْلَمُ عاقِبَةً مِن طُغْيانِ الطّاعاتِ. وَقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ في كِتابِ الزُّهْدِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أوْحى إلى مُوسى ﷺ: يا مُوسى، أنْذِرِ الصِّدِّيقِينَ، فَإنِّي لا أضَعُ عَدْلِي عَلى أحَدٍ إلّا عَذَّبْتُهُ مِن غَيْرِ أنْ أظْلِمَهُ، وبَشِّرِ الخَطّائِينَ، فَإنَّهُ لا يَتَعاظَمُنِي ذَنْبٌ أنْ أغْفِرَهُ، فَلْنَرْجِعْ إلى شَرْحِ كَلامِهِ. قَوْلُهُ: " مُكاشَفَةٌ تَدُلُّ عَلى التَّحْقِيقِ الصَّحِيحِ " كُلٌّ يَدَّعِي أنَّ التَّحْقِيقَ الصَّحِيحَ مَعَهُ. ؎وَكُلٌّ يَدَّعُونَ وِصالَ لَيْلى ∗∗∗ ولَيْلى لا تُقِرُّ لَهم بِذاكَ ؎إذا اشْتَبَكَتْ دُمُوعٌ في خُدُودٍ ∗∗∗ تَبَيَّنَ مَن بَكى مِمَّنْ تَباكى فَلَيْسَ التَّحْقِيقُ الصَّحِيحُ: إلّا المُطابِقُ لِما عَلَيْهِ الأمْرُ في نَفْسِهِ، وهو في العِلْمِ الكَشْفُ المُطابِقُ لِما أخْبَرَ بِهِ الرُّسُلُ، وفي الإرادَةِ: الكَشْفُ المُطابِقُ لِمُرادِ الرَّبِّ الدِّينِيِّ مِن عَبْدِهِ، وقَوْلُنا " الدِّينِيُّ " احْتِرازٌ مِن مُرادِهِ الكَوْنِيِّ، فَإنَّ كُلَّ ما في الكَوْنِ مُوجِبُ هَذِهِ الإرادَةِ. فالكَشْفُ الصَّحِيحُ: أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ مُعايَنَةً لِقَلْبِهِ، ويُجَرِّدَ إرادَةَ القَلْبِ لَهُ، فَيَدُورُ مَعَهُ وُجُودًا وعَدَمًا، هَذا هو التَّحْقِيقُ الصَّحِيحُ، وما خالَفَهُ فَغُرُورٌ قَبِيحٌ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب