الباحث القرآني

والشُّكْرُ مَعَهُ المَزِيدُ أبَدًا. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ فَمَتى لَمْ تَرَ حالَكَ في مَزِيدٍ. فاسْتَقْبِلِ الشُّكْرَ. وَفِي أثَرٍ إلَهِيٍّ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ «أهْلُ ذِكْرِي أهْلُ مُجالَسَتِي، وأهْلُ شُكْرِي أهْلُ زِيادَتِي، وأهْلُ طاعَتِي أهْلُ كَرامَتِي، وأهْلُ مَعْصِيَتِي لا أُقَنِّطُهم مِن رَحْمَتِي. إنْ تابُوا فَأنا حَبِيبُهُمْ، وإنْ لَمْ يَتُوبُوا فَأنا طَبِيبُهم. أبْتَلِيهِمْ بِالمَصائِبِ، لِأُطَهِّرَهم مِنَ المَعايِبِ». وَقِيلَ: مَن كَتَمَ النِّعْمَةَ فَقَدْ كَفَرَها. ومَن أظْهَرَها ونَشَرَها فَقَدْ شَكَرَها. وَهَذا مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ: ﷺ «إنَّ اللَّهَ إذا أنْعَمَ عَلى عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ أحَبَّ أنْ يَرى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ». وَفِي هَذا قِيلَ: ؎وَمِنَ الرَّزِيَّةِ أنَّ شُكْرِيَ صامِتٌ ∗∗∗ عَمّا فَعَلْتَ وأنَّ بِرَّكَ ناطِقُ ؎وَأرى الصَّنِيعَةَ مِنكَ ثُمَّ أُسِرُّها ∗∗∗ إنِّي إذًا لِنَدى الكَرِيمِ لَسارِقُ * (فصل) النعم ثَلاثَة: نعْمَة حاصِلَة يعلم بها العَبْد، ونعمة منتظرة يرجوها، ونعمة هو فِيها لا يشْعر بها .. فَإذا أرادَ الله إتْمام نعْمَته على عَبده عرّفه نعْمَته الحاضِرَة، وأعْطاهُ من شكره قيدا يقيدها بِهِ حَتّى لا تشرد، فَإنَّها تشرد بالمعصية، وتقيّد بالشكر. ووفقه لعمل يستجلب بِهِ النِّعْمَة المنتظرة، وبصَّره بالطرق الَّتِي تسدها وتقطع طريقها، ووفقه لاجتنابها. وَإذا بها قد وافت إلَيْهِ على أتم الوُجُوه، وعرّفه النعم الَّتِي هو فِيها فَلا يشْعر بها. ويحكى أن أعْرابِيًا دخل على الرشيد فَقالَ أمِير المُؤمنِينَ ثبّت الله عَلَيْك النعم الَّتِي أنْت فِيها بإدامة شكرها وحقق لَك النعم الَّتِي ترجوها بِحسن الظَّن بِهِ ودوام طاعَته، وعرّفك النعم الَّتِي أنْت فِيها ولا تعرفها لتشكرها. فأعجبه ذَلِك مِنهُ وقالَ ما أحسن تقسيمه. * (موعظة) قال ابن المبارك سمعت عليا بن صالح يقول في قوله تعالى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ قال أي من طاعتي. والتحقيق أن الزيادة من النعم وطاعته من أجل نعمه. وذكر أبن أبي الدنيا أن محارب بن دثار كان يقوم بالليل ويرفع صوته أحيانا أنا الصغير الذي ربيته فلك الحمد، وأنا الضعيف الذي قويته فلك الحمد وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد، وأنا الصعلوك الذي مولته فلك الحمد، وأنا العزب الذي زوجته فلك الحمد، وأنا الساغب الذي أشبعته فلك الحمد، وأنا العارى الذي كسوته فلك الحمد، وأنا المسافر الذي صاحبته فلك الحمد، وأنا الغائب الذي رددته فلك الحمد، وأنا الراجل الذي حملته فلك الحمد، وأنا المريض الذي شفيته فلك الحمد، وأنا السائل الذي أعطيته فلك الحمد، وأنا الداعي الذي أجبته فلك الحمد، ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا. * (فائدة) اعلمْ أنه ما استجلبت نعم الله عز وجل واستدفعت نقمة بمثل ذكر الله تعالى. فالذكر جلاب للنعم، دافع للنقم. قال سبحانه وتعالى ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾ وفي القراءة الأخرى ﴿إن الله يدفع﴾ فدفعه ودفاعه عنهم بحسب قوة إيمانهم وكماله. ومادة الإيمان وقوته بذكر الله تعالى، فمن كان أكمل إيمانًا وأكثر ذكرًا كان دفع الله تعالى عنه ودفاعه أعظم، ومن نقص نقص، ذكرًا بذكر ونسيانًا بنسيان. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وإذ تأذن ربكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾، والذكر رأس الشكر كما تقدم، والشكر جلاب النعم وموجب للمزيد. قال بعض السلف رحمة الله عليهم: ما أقبح الغفلة عن ذكر من لا يغفل عن ذكرك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب