الباحث القرآني
النوع السّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ ما عَلى أهْلِ الإفْكِ وما عَلى مَن سَمِعَ مِنهم، وما يَنْبَغِي أنْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ مِن آدابِ الدِّينِ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ﴾ لِيُعْلَمَ أنَّ مَن أحَبَّ ذَلِكَ فَقَدْ شارَكَ في هَذا الذَّمِّ كَما شارَكَ فِيهِ مَن فَعَلَهُ ومَن لَمْ يُنْكِرْهُ، ولِيُعْلَمَ أنَّ أهْلَ الأفْكِ كَما عَلَيْهِمُ العُقُوبَةُ فِيما أظْهَرُوهُ، فَكَذَلِكَ يَسْتَحِقُّونَ العِقابَ بِما أسَرُّوهُ مِن مَحَبَّةِ إشاعَةِ الفاحِشَةِ في المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ سَلامَةِ القَلْبِ لِلْمُؤْمِنِينَ كَوُجُوبِ كَفِّ الجَوارِحِ والقَوْلِ عَمّا يَضُرُّ بِهِمْ، وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: مَعْنى الإشاعَةِ الِانْتِشارُ يُقالُ في هَذا العَقارِ سَهْمٌ شائِعٌ إذا كانَ في الجَمِيعِ ولَمْ يَكُنْ مُنْفَصِلًا، وشاعَ الحَدِيثُ إذا ظَهَرَ في العامَّةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: لا شَكَّ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ وأنَّهُ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَذْفِ عائِشَةَ إلّا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فَوَجَبَ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها في العُمُومِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُها بِقَذَفَةِ عائِشَةَ قَوْلُهُ تَعالى في: ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَإنَّهُ صِيغَةُ جَمْعٍ ولَوْ أرادَ عائِشَةَ وحْدَها لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، والَّذِينَ خَصَّصُوهُ بِقَذَفَةِ عائِشَةَ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، لِأنَّهُ هو الَّذِي سَعى في إشاعَةِ الفاحِشَةِ، قالُوا مَعْنى الآيَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾ - والمُرادُ عَبْدُ اللَّهِ - ”﴿أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ﴾“ أيْ: الزِّنا ”﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾“ أيْ في عائِشَةَ وصَفْوانَ.
المسألة الثّالِثَةُ: رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنِّي لَأعْرِفُ قَوْمًا يَضْرِبُونَ صُدُورَهم ضَرْبًا يَسْمَعُهُ أهْلُ النّارِ، وهُمُ الهَمّازُونَ اللَّمّازُونَ الَّذِينَ يَلْتَمِسُونَ عَوْراتِ المُسْلِمِينَ ويَهْتِكُونَ سُتُورَهم ويُشِيعُونَ فِيهِمْ مِنَ الفَواحِشِ ما لَيْسَ فِيهِمْ» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”لا يَسْتُرُ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ عَوْرَةَ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إلّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ومَن أقالَ مُسْلِمًا صَفْقَتَهُ أقالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ القِيامَةِ ومَن سَتَرَ عَوْرَتَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَوْمَ القِيامَةِ“» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ، والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ“» .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«مَن سَرَّهُ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ ويَدْخُلَ الجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وهو يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ويُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلَيْهِ» “ وعَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يُؤْمِنُ العَبْدُ حَتّى يُحِبَّ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الخَيْرِ» “ .
المسألة الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في عَذابِ الدُّنْيا، فَقالَ بَعْضُهم: إقامَةُ الحَدِّ عَلَيْهِمْ، وقالَ بَعْضُهم هو الحَدُّ (p-١٦٠)واللَّعْنُ والعَداوَةُ مِنَ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ، ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وحَسّانَ ومِسْطَحًا، وقَعَدَ صَفْوانُ لِحَسّانَ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ فَكَفَّ بَصَرَهُ، وقالَ الحَسَنُ عَنى بِهِ المُنافِقِينَ لِأنَّهم قَصَدُوا أنْ يَغُمُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ومَن أرادَ غَمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهو كافِرٌ، وعَذابُهم في الدُّنْيا هو ما كانُوا يَتْعَبُونَ فِيهِ ويُنْفِقُونَ لِمُقاتَلَةِ أوْلِيائِهِمْ مَعَ أعْدائِهِمْ.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الَّذِينَ يُحِبُّونَ هُمُ المُنافِقُونَ يُحِبُّونَ ذَلِكَ فَأوْعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى العَذابَ في الدُّنْيا عَلى يَدِ الرَّسُولِ ﷺ بِالمُجاهَدَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِهَذا العَذابِ ما اسْتَحَقُّوهُ بِإفْكِهِمْ وهو الحَدُّ واللَّعْنُ والذَّمُّ. فَأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَلا شَكَّ أنَّهُ في القَبْرِ عَذابُهُ، وفي القِيامَةِ عَذابُ النّارِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فَهو حَسَنُ المَوْقِعِ بِهَذا المَوْضِعِ لِأنَّ مَحَبَّةَ القَلْبِ كامِنَةٌ ونَحْنُ لا نَعْلَمُها إلّا بِالأماراتِ، أمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ فَهو لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَصارَ هَذا الذِّكْرُ نِهايَةً في الزَّجْرِ لِأنَّ مَن أحَبَّ إشاعَةَ الفاحِشَةِ وإنْ بالَغَ في إخْفاءِ تِلْكَ المَحَبَّةِ فَهو يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنهُ وأنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ الَّذِي أخْفاهُ كَعِلْمِهِ بِالَّذِي أظْهَرَهُ ويَعْلَمُ قَدْرَ الجَزاءِ عَلَيْهِ.
المسألة الخامِسَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ العَزْمَ عَلى الذَّنْبِ العَظِيمِ عَظِيمٌ، وأنَّ إرادَةَ الفِسْقِ فِسْقٌ، لِأنَّهُ تَعالى عَلَّقَ الوَعِيدَ بِمَحَبَّةِ إشاعَةِ الفاحِشَةِ.
المسألة السّادِسَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ قاذِفٍ لَمْ يَتُبْ مِن قَذْفِهِ فَلا ثَوابَ لَهُ مِن حَيْثُ اسْتَحَقَّ هَذا العَذابَ الدّائِمَ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِحْقاقِ ضِدِّهِ الَّذِي هو الثَّوابُ، فَمِن هَذا الوجه تَدُلُّ عَلى ما نَقُولُهُ في الوَعِيدِ، واعْلَمْ أنَّ حاصِلَهُ يَرْجِعُ إلى مَسْألَةِ المُحابَطَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ.
المسألة السّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى بالَغَ في ذَمِّ مَن أحَبَّ إشاعَةَ الفاحِشَةِ، فَلَوْ كانَ تَعالى هو الخالِقُ لِأفْعالِ العِبادِ لَما كانَ مُشِيعُ الفاحِشَةِ إلّا هو، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا يَسْتَحِقَّ الذَّمَّ عَلى إشاعَةِ الفاحِشَةِ إلّا هو، لِأنَّهُ هو الَّذِي فَعَلَ تِلْكَ الإشاعَةَ وغَيْرَهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنها، والكَلامُ عَلَيْهِ أيْضًا قَدْ تَقَدَّمَ.
المسألة الثّامِنَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُصابَةُ بِالفُجُورِ لا تُسْتَنْطَقُ، لِأنَّ اسْتِنْطاقَها إشاعَةٌ لِلْفاحِشَةِ وذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِنهُ.
{"ayah":"إِنَّ ٱلَّذِینَ یُحِبُّونَ أَن تَشِیعَ ٱلۡفَـٰحِشَةُ فِی ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِۚ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق