الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾. أكثر القُرّاءِ على ﴿يَحْزُنْكَ﴾ -مِنَ الثلاثي-. وقرأ نافع: ﴿يَحْزُنْكَ﴾ -بضمِّ الياء- [[وقد قرأ نافع هذه الآية، وقرأ ﴿ولِيُحْزِن﴾ في الآية 10 من سورة المجادلة، و ﴿ليُحْزِنني﴾ في الآية 13 من سورة يوسف، بضم الياء وكسر الزاي في كل القرآن، إلا قوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [آية: 103] من سورة الأنبياء، فقد قرأها كباقي القراء الذين فتحوا الياءَ وضمُّوا الزايَ في كل القرآن. انظر: "السبعة" 219، و"القراءات"، للأزهري 1/ 131، و"الحجة" للفارسي 3/ 99.]]. واختلف أهل اللغة في هذا: فقال قومٌ: (حَزَنَ، وأحْزَنَ)، بمعنى واحد [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 807 (حزن)، و"المقاييس" 2/ 54 (حزن)، و"تفسير الثعلبي" 3/ 158 أ، و"ما جاء على فعلت وأفعلت" للجواليقي 34. قال ابن دريد: (و (حَزَنني الأمر)، و (أحْزَنَنِي)، لغتان فصيحتان، أجازهما أبو زيد وغيره. وقال الأصمعي: لا أعرف إلا حزنني يحزنني، والرجل (محزون) و (حزين)، ولم يقولوا: (مُحْزَن). "الجمهرة" 1/ 529. وفي "الصحاح" للجوهري، ينقل عن اليزيدي قوله: (حزَنه)، لغة قريش، و (أحْزَنَه) لغة تميم. 5/ 2098 (حزن)]]. قال الزّجاج -في باب الوفاق- [[لم أقف على هذا المصدر.]]: (حزَنَني الأمْرُ، وأَحْزَنَنِي). و (أمرٌ حازِنٌ ومُحزِنٌ). وقال ابن المُظَفَّر [[ورد القول التالي -مع اختلاف يسير- في: "تهذيب اللغة": 1/ 807 (حزن)، من قول أبي عمرو، برواية يونس عنه، وليس من قول الليث بن المظفر، فالمؤلف ينقل هنا عن "العين" للخليل وينسب الكلام لابن المظفر. وانظر هذا المعنى في "العين" للخليل 3/ 160 (حزن).]]: تقول [[في (ج): (يقول).]]: (حَزَنَنِي)، و (هو يَحزُنُني حُزْنًا)، (فأَنَا مَحْزُونٌ)، و (هو حازِنٌ) [[(وهو حازن): لم ترد في "تهذيب اللغة".]] و (أحْزَنَنِي، فأنا مَحْزون) [[في "التهذيب": (وأنا مُحْزَن)، وكلا الكلمتين واردتان في اللغة. انظر: "اللسان" 2/ 851 (حزن).]]، و (هو مُحزِنٌ). وحكى -أيضًا- سيبويه [[في "الكتاب" 4/ 57.]] -عن بعض العرب-: أنهم يقولون: (أحْزَنْت الرجلَ): إذا جعلته حزينًا. وحكى أبو زيد -في كتاب (خُبَأة) [[لم أقف على هذا المصدر، ولم أعثر في ترجمة أبي زيد فيما رجعت إلي من مصادر على كتابٍ له بهذا الاسم. انظر: "معجم الأدباء" 3/ 378. والخُبَأة -في اللغة-: هي المرأة التي تلزم بيتها، وتستتر. والتي تَطَّلِع ثم تختبئ. انظر: "اللسان" 2/ 1085 (خبأ). وكأن الكتاب في الكلمة الغريبة المهمة، وهو ما يتناسب مع المعنى اللغوي له. وقد يكون الاسم محرفًا عن كتاب آخر له، يحتمل رسمُ اسمِهِ التحريفَ في الخط، وهو: كتاب (حِيلَة ومَحالة)؛ حيث أن رسم (حيلة) قريب من (خبأة)، فحصل فيه التحريف. والله أعلم. انظر: المصدر السابق. ومعنى (حيلة) و (مَحالة): الحِذْق وجودة النظر، والقدرة على التصرف. انظر: "القاموس" ص 989 (حول).]]: (أحْزَنَنِي الأمرُ إحزانًا)، و (هو يُحْزِنُنِي) بضم الياء. وقال الخليل [[انظر: "كتاب سيبويه" 4/ 56.]]: إذا أردت تغيير [[في (ب): (تعيين).]] (حَزِنَ)، قلت: (أحزنته). فهذا قولُ مَن سَوَّى بينهما، وجعلهما لُغَتَيْن. وهو حُجَّةٌ لِقِرَاءةِ نافع. وروى أبو عُبَيد، عن أبي زيد، قال [[قوله، في: "تهذيب اللغة" 1/ 807 (حزن). نقله عنه بتصرف.]]: لا يقولون: (حَزَنه الأمرُ). ويقولون: (يَحْزُنُه). فإذا صاروا [[في (ب): (صيروا).]] على (8) الماضي، قالوا: [أحْزَنَهُ] [[ما بين المعقوفين في (أ)، (ب)، (ج): (حزنه) والمثبت هو الصواب. وقد جاء في "التهذيب": (.. ويقولون: يَحْزُنُهُ. فإذا قالوا أفْعَلَهُ الله؛ فهو بالألف). وهو يتناسب مع ذكره المؤلف بعده من استعمال الماضي من الرباعي.]]. يستعمل الماضي مِنَ الرُّبَاعي، والمضارع مِنَ الثلاثي. وهذا شاذٌّ؛ لأنه استعمل (أحزَنَ)، وأهمل (يُحْزِن)، واستعمل (يَحْزُنُ)، وأهمل (حَزَنَ). فمن قرأ بقراءة العامَّة، فَحُجَّته: أنه أشهر اللغَتَيْنِ، وأكثرهما استعمالًا. قال الأزهري [[في "تهذيب اللغة" 1/ 807 (حزن). نقله عنه بتصرف. وانظر: قريبًا من عبارة الأزهري هذه في كتابه: "القراءات" 131.]]: اللغة الجَيِّدة: (حَزَنَهُ، يَحْزُنُه)، على ما قرأ به أكثر القرّاء. وحجّة نافع: قولُ مَن زَعم أنهما لُغَتَان، وما حكاه سيبويه [[في "الكتاب" له 4/ 56. نقله عنه بتصرف واختصار يسيرين.]] عن الخليل، أنَّك حيث قلت: (حَزَنْتُه)، لم تُرِدْ أن تقول: [جعلتُه حزينًا، كما أنك حيث قلت: (أدْخَلته)، أردت: (جعلته داخلًا). ولكنك أردت أن تقول:] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج). وهي في المصادر السابقة.]] جعلت فيه حُزْنًا. كما تقول: (كحَلْتُهُ)؛ أي: جعلت فيه كُحْلًا، و (دَهَنْته)؛ جعلت [[في (ب): (أي جعلت). ولم أثبت (أي)؛ لأنها لم ترد في بقية النسخ، ولا في مصادر النص.]] في دُهنًا، و (فَتَنْتُه): جعلت فيه فِتْنة. فجئت بـ (فَعَلْتُهُ) على حَدِّهِ [[ضبطت في "كتاب سيبويه": (حِدَةٍ). وقد ورد النص في كتاب "الحجة" للفارسي 3/ 100، وضبطت فيه كالتالي: (حَدِّه) كما هي مثبتة أعلاه.]]، ولم [[في (ج): (لم) بدون واو.]] تُرِد بـ (فَعَلْتُهُ) -ههنا- تغيير قوله: (حَزِنَ)، و (فَتِنَ) [[هكذا ضُبِطت -هنا- بكسر التاء، وكذا عند الفارسي في "الحجة". وضَبطت في (كتاب سيبويه): (فَتَنَ) -بفتح التاء-. وأكثر مصادر اللغة التي رجعت إليها لم تشر إلى (فَتِن) بالكسر، وإنما ذَكَرَتْها بفتح التاء، إلا ما وجدته في "تهذيب اللغة" 3/ 2739 (فتن) ، حيث نقل عن أبي زيد قوله: (فَتِنَ الرجلُ، يفْتَنُ، فُتُونًا: إذا وقع في الفتنة، أو تحول من حال حسنة إلى حال سيئة).]]. ولو أردت ذلك، لقلت: (أحزنته)، و (أفتنته). وهذا الذي حكاهُ، حُجَّةُ نافع؛ لأنه أرادَ تغيير (حَزِنَ)، فنقله بالهمز. قال الخليل [[قوله في "كتاب سيبويه" 4/ 57. نقله عنه بمعناه.]]: ومثله: (شَتِرَ [[في (ج): (شتر) مهملة من النقط والشكل. وهذا جاءت في بعدها مهملة من النقط والشكل. والشَّتْرُ: القطع. و (شَتَرَ ثَوْبَه): مزَّقه. و (الشَّتَرُ): الانقطاع، وانقلابٌ في جَفْنِ العين، وانشقاقُهُ، وانشقاقُ الشَّفَةِ السفلى. يقال: (شَترت عينهُ شَتَرًا)، و (شَتَرها يشْتُرُها شَتْرا)، و (أشْتَرها وشَتَّرها)، و (شَتِرَ يَشْتَر شَتَرًا). انظر (شتر) في: "اللسان" 4/ 2193، و"القاموس" 413.]] الرجلُ)، و (شَتَرْتُ عَيْنَه). فإذا أردت تغيير (شَتِرَ الرجلُ)، قلت: (أشْتَرْتُ، كما تقول: (فَزعَ) [[في (ج): (فزع) -مهملة من النقط ولاشكل-. وكذا التي بعدها.]] [و] [[ما بين المعقوفين زيادة من: كتاب سيبويه.]] (أفزَعْتُهُ). وأراد بـ ﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾: المنافقين، وقُرَيْظَة والنّضير -في قول ابن عباس- [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد هذا القول عن الكلبي. انظر: "بحر العلوم" 1/ 317. وورد عن مجاهد، وابن إسحاق: أنهم المنافقون. انظر: "تفسير مجاهد" 1/ 139، و"تفسير الطبري" 4/ 185.]]. ومعنى مسارعتهم في الكفر: مُظَاهَرَتُهُم [[المُظاهَرَةُ: المُعَاوَنَة. و (ظاهَرَ فلانٌ فلانًا): عاوَنَه. انظر: "اللسان" 5/ 2768 (ظهر).]] الكفَّارَ على محمد ﷺ. وتأويله: يُسارِعُون في نُصْرةِ الكفر. وقال الضَّحَّاكُ [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 158 أ، و"زاد المسير" 1/ 508.]]: يعني: كفّار قريش. فإذا قيل: معنى قوله: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾: لا تحزن لِكفرِهم. والحزن على كفر الكافر، ومعصيةِ العاصي، طاعةٌ، فكيف نهى عنهُ؟. قيل: إنما نهى عنه النبيَّ ﷺ، لأنه كان يُفرطُ وُيسْرِفُ في الحُزْنِ على كُفْر قومِهِ، حتى كان يؤدّي ذلك إلى أن يَضُرّ [[في (ج): (نصر).]] به، فنُهِي [[في (ج): (نهى).]] [عن] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج)]] الإسراف فيه؛ ألا ترى إلى قوله -عز وجل-: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: 8]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ يعنى: أنَّ عائِدَ الوَبَالِ في ذلك عليهم، لا على غيرهم. وقال عطاء [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ذكره ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 508.]]: يريد: لن يضروا أولياءَ اللهِ شيئا. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ يعنى: نصيبًا في المجنة. وفي هذا رَدٌّ على القَدَرِيّة، وبيان أنَ الخيرَ والشرَّ بإرادة الله -جلَّ وعزَّ- [[إنَّ الله -تعالى- خالق الخير والشر، ولكنَّ الشرَّ في بعض مخلوقاته، وليس في خلق الله وفعله؛ لأن خلقَ الله وفعلَه، وقضاءَهُ وقَدَرَه، خيرٌ كلُّه؛ لأنه -تعالى- وضع الأمور في مواضعها، وذلك هو الخير والعدل، أما الشر؛ فهو: وضع الأمور في غير مواضعها، وذلك هو الظُّلْم، واللهُ مُنَزّهٌ عن الظلم. فأفعاله كلها تدور بين العدل والفضل والحكمة والمصلحة، ولا تخرج عن ذلك، فالله -تعالى- لا ينسب إليه الشرُّ، بل ينسب إليه الخير، وإنما صار الشرُّ شرًا، لانقطاع نسبته واضافته إلى الله تعالى، وفي الحديث: (.. والخير كله في يديك، والشر ليس إليك ..). أخرجه النسائي في "السنن" 2/ 130 كتاب الصلاة. باب: الدعاء بين التكبيرة والقراءة. فلو أضيف إليه، لم يكن شرًّا. انظر: "شفاء العليل" لابن القيم 179. وقال: (فإن قلت: لِمَ خَلَقَه وهو شر؟ قلت: خَلْقُهُ له وفِعْلُه، خيرٌ لا شرٌّ، فإن الخلق والفعل قائمٌ به -سبحانه-، والشر يستحيل قيامه به واتصافه به. وما كان في المخلوق من شر، فلعدم إضافته ونسبته إليه، والفعل والخَلْق يضاف إليه، فكان خيرًا، والذي شاءه كله خير، والذي لم يشأ وجوده بقي على العدم الأصلي، وهو الشر، فإن الشر كلَّه عَدَمٌ، وإنْ سبّبَه جهل وهو: عدم العِلْم، وظلمٌ وهو: عدم العدل. وما يترتب على ذلك من الآلام فهو من عدم استعداد المحل، وقبوله لأسباب الخيرات واللذات) 181 المصدر السابق، وانظر: "شرح العقيدة الطحاوية" (453) وما بعدها.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب