الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ الآية. (أولاء) كلمة معناها الكناية عن جماعة، وهي لا تعرب لأنها اسم الإشارة، وكسرت الهمزة فيها لالتقاء الساكنين [[انظر. "معاني القرآن" للزجاج 1/ 37.]]، قال الله تعالى: ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ [طه: 84] ودخلت الكاف للمخاطبة كما ذكرنا في قوله (ذلك)، وفيه ثلاث لغات: (أولئك) و (أولاك) و (أولالك) [[انظر: "الأصول في النحو" 2/ 128، "سر صناعة الإعراب" 1/ 322، "تهذيب اللغة" 1/ 74، "المنصف" 1/ 165، 166، 3/ 26، "تفسير القرطبي" 1/ 157 "الدر المصون" 1/ 102.]]. قال الشاعر: أولئك قومي لم يكونوا أُشابةً ... وهل يَعِظُ الضِّلِّيلَ إلا أولالكا [[نسب أبو زيد البيت في "النوادر" لأخي الكلحبة وروايته له. ألم تك قد جربت ما الفقر والغنى ... ولا يعظ الضليل إلا ألالكا "نوادر أبي زيد" ص 438، ومثل ذلك في "الخزانة" 1/ 394، بينما نسبه في "شرح المفصل" للأعشى وروايته له مثل ما ورد عند الواحدي "شرح المفصل"، 10/ 6 ويروى البيت عند أكثر النحاة (أولالك قومي ...) بدل (أولئك)، و (الأشابة) بضم الهمزة: الجمع المختلط من هنا وهناك، والضليل: الضال، يصف قومه بالصفاء والنصح، ورد البيت كذلك في "المنصف" 1/ 166، 3/ 26، "الهمع" 1/ 216، و"تفسير القرطبي" 1/ 158 "الدر المصون" 1/ 102.]] وقال آخر: أولاكَ بنو [[في جميع النسخ (بني) والتصحيح حسب المصادر التي ورد فيها البيت.]] خير وشرٍّ كليهما [[في (ب): (كلاهما) وفي (ج): (كله هما).]] ... جميعًا ومعروفٍ ألمَّ ومُنكرِ [[في (ج): (وينكر). البيت لمسافع بن حذيفة العبسي، شاعر جاهلي، قوله (أولاك) مبتدأ و (بنو) خبر المبتدأ، أراد أنهم ملازمون لفعل الخير والشر مع الأصدقاء والأعداء، و (معروف) و (منكر) معطوف على خير، وهما أخص من الخير والشر، و (ألم). نزل. انظر. "الخزانة" 1/ 171 وانظر: "حاشية يس على التصريح" 2/ 124، (مطبوع في هامش التصريح)، "الحماسة بشرح المرزوقي" 2/ 990.]] فمن قال: (أولاك) قال: (هؤلا) مقصورًا [[انظر: "الأصول في النحو" 2/ 127.]]، قال أوس بن حجر: لعمرك إنّا والأحاليف هؤلا ... لَفي فتنةٍ أظفارُها لم تُقَلَّمِ [[رواية البيت (حقبة) بدل (فتنة) يقول: نحن في حرب، والأظفار: كناية عن السلاح. انظر: "ديوان أوس" ص120، "المعاني الكبير" 2/ 898، "الخزانة" 3/ 17، 7/ 18.]] وكتبت [[في (ب): (يشبه في الكناية إليك). انظر: "البحر المحيط" 1/ 43.]] الواو في ﴿أُولَئِكَ﴾ لئلا يشتبه في الكتابة بـ (إليك) وأشار بقوله: (أولئك) إلى الموصوفين بالصفات المتقدمة [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 106، وابن "تفسير كثير" 1/ 47.]]. ومحله رفع بالاستئناف [[في محل ﴿أُولَئِكَ﴾ من الإعراب أقوال وهي: أنها مبتدأ وخبره الجار والمجرور بعده، والجملة إما مستأنفة، أو خبر عن قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ الأولى أو الثانية، ويجوز. أن تكون ﴿أُولَئِكَ﴾ وحدها خبراً عن ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ الأولى أو الثانية، ويجوز: أن يكون ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ، و ﴿أُولَئِكَ﴾ بدل أو بيان. انظر "الدر المصون" 1/ 102.]]. وقوله تعالى: ﴿عَلَى هُدًى﴾ معنى: (على) كمعنى: (فوق) [[تكون بمعنى (فوق) إذا كانت اسما. انظر: "الكتاب" 1/ 268، "مغني اللبيب" 1/ 145.]]. وهي [[في (ب): (وهو).]] تكون: اسما وحرفا [[وإذا كانت حرفا فلها عدة معان. انظر: "مغني اللبيب" 1/ 143.]]، يقول: عليه مال [[انظر: "تهذيب اللغة": (على) 3/ 2559.]]، فهذا حرف، وكأنه شيء اعتلاه. وقول الشاعر: غَدَتْ مِنْ عليه تنفُضُ الطَّلَّ بعدما ... رأتْ حاجبَ الشمسِ استوى فترفَّعا [[نسبه أبو زيد في "النوادر" لبعض القشيريين، ونسب في "اللسان" ليزيد ابن الطثرية، يقول: غدت الظبية من فوقه. والشاهد فيه (من عليه) استعمل (على) اسما بمعنى: فوق لما دخل عليها حرف الجر (من). ورد البيت في "نوادر أبي زيد" ص 453، "المقتضب" 2/ 320، 3/ 53، "الأزهية" ص 194، "اللسان" (علا) 5/ 3092، "شرح المفصل" 8/ 38.]] فهذا اسم لدخول (من) عليها [[انظر: "الكتاب" 1/ 268، "مغني اللبيب" 1/ 145، "شرح المفصل" 8/ 38.]]، كأنه قال: غدت تنفض الطل من فوقه. وقوله تعالى: ﴿هُمُ اَلمُفلِحُونَ﴾. (هم) دخلت فصلا [[نقله الواحدي عن الزجاج بتصرف يسير. انظر: "معاني القرآن" 1/ 37.]]، وإن شئت كان تكريرا للاسم، كما تقول: زيد هو العالم، ترفع [[مكانها بياض في (ب).]] (زيدا [[في (ب): (زيد).]]) بالابتداء، و (هو) ابتداء ثان، و (العالم) خبر له [[أي خبر هو. انظر: "معاني القرآن" 1/ 37.]]، وهما جميعا خبر لزيد، وكذلك قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وإن شئت جعلت (هو) فصلا، وترفع (زيدا)، و (العالم) على الابتداء والخبر، والفصل هو الذي يسميه [[في (أ): (تسمية) وما في (ب، ج) أصح في السياق.]] الكوفيون عماداً. قال سيبويه [[في "معاني القرآن": (وسيبويه يقول: إن الفصل لا يصلح إلا مع الأفعال التي لا تتم، نحو: كان زيد هو العالم، وظننت زيدا هو العالم. وقال سيبويه. دخل الفصل في قوله عز وجل .. إلخ)، وقوله: (وسيبويه يقول ... إلى: وظننت زيدا هو العالم (ليس موجودا في بعض مخطوطات المعاني. انظر: حاشية "معاني القرآن" 1/ 38، وانظر كلام سيبويه في "الكتاب" 2/ 389 - 395.]]: دخل الفصل في قوله: ﴿تَجِدُوهُ عنِدَ اللهِ هُوَ خَيراً﴾ [المزمل:20]. وفي قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [[سقط (لهم) من (أ)، (ب)، والآية (180) من آل عمران.]] [آل عمران: 180]. وفي قوله: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} [سبأ: 6]، وفي قوله: ﴿إِن كاَنَ هَذَا هُوَ اَلحَقَّ مِن عِندِكَ﴾ [الأنفال:32]. وذكر أن [هذا] [[قوله: ذكر، أي. سيبويه، وقوله: (هذا) كذا وردت في جميع النسخ، وفي "معاني القرآن" للزجاج (هو) وهو الصواب.]] بمنزلة (ما) [[في (ج): (وذان هذا بمنزلة ها).]] اللغو [["معاني القرآن" 1/ 38، كلام سيبويه في "الكتاب" 2/ 391، ولم يذكر سيبويه الآية.]] في قوله: ﴿فبَمَا رحمَةٍ﴾ [آل عمران: 159]. وقوله ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ قال أبو عبيد [[في (ب) (أبو عبيدة) وهو خطأ. وكلام أبي عبيد في "غريب الحديث" 4/ 38، وانظر "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826.]]: أصل الفلاح: البقاء [[في (ب) (التقى).]]، وأنشد للأضبط [[في (ب)، (ج). (وأنضد الأضبط) وما في (أ) موافق لـ"تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، وعبارة "غريب الحديث": قال الأضبط ... ، 2/ 183.]] بن قريع [[في (ب): (فيع). وهو الأضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد، السعدي شاعر جاهلي قديم. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 242، "الخزانة" 11/ 455.]] السعدي: لِكلِّ هَمِّ من الهموم سَعَةْ ... والمُسْيُ والصبحُ لا فلاحَ مَعَهْ [[البيت في "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 183، "الزاهر" 1/ 31، "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، و"تفسير الثعلبي" 1/ 69/أ، "اللسان" 6/ 3458، "تفسير ابن عطية" 1/ 150، و"تفسير القرطبي" 1/ 158، "الدر المصون" 1/ 104 "الخزانة" 11/ 452، وقد ذكره في "الشعر والشعراء" ونصه: ياقوم من عاذرى من الخدعة ... والمسى .......... إلخ 1/ 390]] يقول: ليس مع كر الليل والنهار بقاء. ومنه قول عَبِيد [[هو عبيد بن الأبرص كما في "غريب الحديث" 4/ 183.]]: أفلِحْ بما شئتَ فقد يُبلَغ بالـ ... ـضَّعف [[في (ب): (بالضغت).]] وقد يُخْدَعُ الأريبُ [[البيت يروى (يدرك) بدل (يبلغ) و (يخدع) بالتشديد، وهو في "غريب الحديث" 2/ 183، 200، "ديوان عبيد" ص14، و"تفسير الطبري" 1/ 108، (مجاز القرآن) 1/ 30، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 39، "الزاهر" 1/ 132، وفيه (يفلح) بدل يبلغ، "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، "اللسان" (فلح) 6/ 3458، وفيه (بالنوك) بدل (بالضعف)، و"تفسير القرطبي" 1/ 158، "الدر المصون" 1/ 104.]] يقول: عش بما [[في (ب): (ما).]] شئت من عقل أو حمق، فقد يرزق الأحمق ويحرم العاقل. قال: وإنما قيل لأهل الجنة: مفلحون، لفوزهم ببقاء الأبد، ومن هذا يقال للسحور [[في (ب): (السحور).]]: الفلح والفلاح، أي: أن [[في (ب): (اذ به).]] به بقاء الصوم [[انتهى كلام أبي عبيد، "غريب الحديث" 2/ 183، وانظر: "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826.]]. الحراني عن ابن السكيت [["تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، وفيه بيت الأعشى مقدم على بيت عدي.]] الفلح والفلاح: البقاء، وأنشد لعدي بن زيد: ثم بعد الفلاح والرشد والإ ... مَّة وارَتْهمُ هناك القبورُ [[من قصيدة لعدي بن زيد، ذكرها ابن قتيبة في "الشعر والشعراء"، وتعتبر من غرر شعره، ويروى (الملك) بدل (الرشد) و (الإمه) بكسر الهمزة: غضارة العيش والنعمة. انظر "الشعر والشعراء" ص130، "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، "اللسان" (فلح) 6/ 3458.]] وقال الأعشى: ولَئن كُنَّا كقومٍ [[في (ب): (القوم).]] هلكوا ... ما لِحَيٍّ يا لَقومٍ مِنْ فَلَحْ [[البيت في (غريب الحديث) للخطابي1/ 523، "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، "اللسان" (فلح) 6/ 3458، (الصحاح) (فلح) 1/ 392، "ديوان الأعشى" ص 38، وفيه (أو لئن)، (يا لقومي) وهو من قصيدة يمدح بها إياس بن قبيصة الطائي، ومعنى (فلح): بقاء.]] وقال لبيد: نَحُلّ بلاداً كلُّها [[في (ب): (حلها).]] حُلَّ قبلنا ... ونرجو الفلاحَ بعد عادٍ وحِمْيَرِ [[البيت في ديوان لبيد (مع شرحه) ص 57، "مجاز القرآن" 1/ 30، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 39، والطبري 1/ 108، والثعلبي 1/ 47/ب، والقرطبي 1/ 158، وابن عطية 1/ 150، (زاد المسير) 1/ 27، "الدر المصون" 1/ 104.]] هذا معنى الفلاح في اللغة. ثم يقال لكل من ظفر ببغيته وأصاب خيرا: أفلح [[انظر "تفسير الطبري" 1/ 108، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 39.]]، وقال [[في (ب): (وقال).]] لبيد: اعْقِلي إن كنت لمّا تَعْقِلي ... ولقد أفلحَ مَنْ كان عَقَلْ [["ديوان لبيد مع شرحه" ص 177، "مجاز القرآن" 1/ 31، و"تفسير الطبري" 1/ 180، و"تفسير أبن عطية" 1/ 104، "الزاهر" 1/ 131، وقوله: (أعقلي) يخاطب عاذلته، أو نفسه.]] يعني: ظفر بحاجته ووصل إلى بغيته [[في (ب): (ببغيته). انظر: "تفسير الطبري" 1/ 108، "مجاز القرآن" 1/ 31.]]، وهو راجع إلى معنى البقاء، لأن البقاء هو سبب إدراك البغية ونيل المطلوب. فمعنى قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: هم الذين أدركوا البغية، ووجدوا البقاء في الدار الآخرة في النعيم المقيم [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 108، "تفسير أبي الليث" 1/ 91، و"تفسير القرطبي" 1/ 159، و"تفسير ابن عطية" 1/ 150.]]. وحكم لهم بالفلاح ولم يصلوا بعد إلى الجنة، لأن المعنى أنهم يصلون إلى البغية والبقاء بكونهم على الهدى، أو كأنهم قد وصلوا للثقة بالموعود لهم. وقيل: هم على هدى في الحال، وهم المفلحون في المآل.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب