الباحث القرآني

﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمَةُ، وأُولَئِكَ المُتَأخِّرَةُ، والواوُ مُقْحَمَةٌ، وهَذا الأخِيرُ إعْرابٌ مُنْكَرٌ لا يَلِيقُ مِثْلُهُ بِالقُرْآنِ، والمُخْتارُ في الإعْرابِ الجَرُّ عَلى النَّعْتِ، والقَطْعُ إمّا لِلنَّصْبِ وإمّا لِلرَّفْعِ، وهَذِهِ الصِّفَةُ جاءَتْ لِلْمَدْحِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُؤْمِنُونَ، بِالهَمْزَةِ ساكِنَةً بَعْدَ الياءِ، وهي فاءُ الكَلِمَةِ، وحَذَفَ هَمْزَةَ أفْعَلَ حَيْثُ وقَّعَ ذَلِكَ ورْشٌ وأبُو عَمْرٍو، وإذا أُدْرِجَ بِتَرْكِ الهَمْزِ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ رَزِينٌ بِتَحْرِيكِ الهَمْزَةِ مِثْلَ: يُؤَخِّرُكم، ووَجْهُ قِراءَتِهِ أنَّهُ حَذَفَ الهَمْزَةَ الَّتِي هي فاءُ الكَلِمَةِ لِسُكُونِها، وأقَرَّ هَمْزَةَ أفْعَلَ لِتَحَرُّكِها وتَقَدُّمِها واعْتِلالِها في الماضِي والأمْرِ، والياءُ مُقَوِّيَةٌ لِوُصُولِ الفِعْلِ إلى الِاسْمِ، كَمَرَرْتُ بِزَيْدٍ، فَتَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ، أوْ لِلْحالِ فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، أيْ مُلْتَبِسِينَ بِالغَيْبِ عَنِ المُؤْمَنِ بِهِ، فَيَتَعَيَّنُ في هَذا الوَجْهِ المَصْدَرُ، وأمّا إذا تَعَلَّقَ بِالفِعْلِ فَعَلى مَعْنى الغائِبِ أُطْلِقَ المَصْدَرُ وأُرِيدَ بِهِ اسْمَ الفاعِلِ، قالُوا: وعَلى مَعْنى الغَيْبِ أُطْلِقَ المَصْدَرُ وأُرِيدَ بِهِ اسْمَ المَفْعُولِ، نَحْوُ: هَذا خَلْقٌ لِلَّهِ، ودِرْهَمٌ ضَرْبُ الأمِيرِ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الغَيْبَ مَصْدَرُ غابَ اللّازِمِ، أوْ عَلى التَّخْفِيفِ مِن غَيَّبَ كَلَيَّنَ، فَلا يَكُونُ إذْ ذاكَ مَصْدَرًا، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ مَن أجازَ التَّخْفِيفَ، وأجازَ ذَلِكَ في الغَيْبِ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولا يُصارُ إلى ذَلِكَ حَتّى يُسْمَعَ مُنْقُولًا مِن كَلامِ العَرَبِ. والغَيْبُ هُنا القُرْآنُ، قالَهُ عاصِمُ بْنُ أبِي النَّجُودِ، أوْ ما لَمْ يَنْزِلْ مِنهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، أوْ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ وما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ قالَهُ الضَّحّاكُ، أوْ عِلْمُ الوَحْيِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ وافِدٍ، أوْ أمْرُ الآخِرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، أوْ ما غابَ مِن عُلُومِ القُرْآنِ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هانِئٍ، أوِ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - قالَهُ عَطاءٌ وابْنُ جُبَيْرٍ، أوْ ما غابَ عَنِ الحَواسِّ مِمّا يُعْلَمُ بِالدَّلالَةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى، أوِ القَضاءُ والقَدَرُ، أوْ مَعْنى بِالغَيْبِ بِالقُلُوبِ، قالَهُ الحَسَنُ، أوْ ما أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلى أوْلِيائِهِ مِنَ الآياتِ والكَراماتِ، أوِ المَهْدِيُّ المُنْتَظَرُ، قالَهُ بَعْضُ الشِّيعَةِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن تَفْسِيرِ الإيمانِ حِينَ سُئِلَ عَنْهُ وهو: اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ وكُتُبُهُ ورُسُلُهُ واليَوْمُ الآخِرُ والقَدَرُ خَيْرُهُ وشَرُّهُ، وإيّاهُ نَخْتارُ لِأنَّهُ شَرَحَ حالَ المُتَّقِينَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ. والإيمانُ المَطْلُوبُ شَرْعًا هو ذاكَ، ثُمَّ إنَّ هَذا تَضَمَّنَ الِاعْتِقادَ القَلْبِيَّ، وهو الإيمانُ بِالغَيْبِ، والفِعْلُ البَدَنِيُّ، وهو الصَّلاةُ وإخْراجُ المالِ. وهَذِهِ الثَّلاثَةُ هي عُمُدُ أفْعالِ المُتَّقِي، فَناسَبَ أنْ يُشْرَحَ الغَيْبُ بِما ذَكَرْنا، وما فُسِّرَ بِهِ الإقامَةُ قَبْلُ يَصْلُحُ أنْ يُفَسَّرَ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣]، وقالُوا: وقَدْ يُعَبَّرُ بِالإقامَةِ عَنِ الأداءِ، وهو فِعْلُها في الوَقْتِ المَحْدُودِ لَها، قالُوا: لِأنَّ القِيامَ بَعْضُ أرْكانِها، كَما عُبِّرَ عَنْهُ بِالقُنُوتِ، والقُنُوتُ القِيامُ بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ. قالُوا: سَبَّحَ إذا صَلّى لِوُجُودِ التَّسْبِيحِ فِيها، ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣]، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولا يَصِحُ إلّا بِارْتِكابِ مَجازٍ بَعِيدٍ، وهو أنْ يَكُونَ الأصْلُ قامَتِ الصَّلاةُ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ مِنها قِيامٌ ثُمَّ دَخَلَتِ الهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ فَقُلْتُ: أقَمْتُ الصَّلاةَ، أيْ جَعَلْتُها تَقُومُ، أيْ يَكُونُ مِنها القِيامُ، والقِيامُ حَقِيقَةٌ مِنَ المُصَلِّي لا مِنَ الصَّلاةِ، فَجُعِلَ مِنها عَلى المَجازِ إذا كانَ مِن فاعِلِها. والصَّلاةُ هُنا الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، أوِ الفَرائِضُ والنَّوافِلُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والرِّزْقُ قِيلَ: هو الحَلالُ، قالَهُ أصْحابُنا، لَكِنَّ المُرادَ هُنا الحَلالُ لِأنَّهُ في مَعْرِضِ وصْفِ المُتَّقِي. ومَن كُتِبَتْ مُتَّصِلَةً بِما مَحْذُوفَةَ النُّونِ مِنَ الخَطِّ، وكانَ حَقُّها أنْ تَكُونَ مُنْفَصِلَةً لِأنَّها مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، لَكِنَّها وُصِلَتْ لِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ كَشَيْءٍ واحِدٍ، ولِأنَّها قَدْ أُخْفِيَتْ نُونُ مَن في اللَّفْظِ فَناسَبَ حَذْفُها في الخَطِ، وهُنا لِلتَّبْعِيضِ، إذِ المَطْلُوبُ لَيْسَ إخْراجَ جَمِيعِ ما رُزِقُوا لِأنَّهُ مَنهِيٌّ عَنِ التَّبْذِيرِ (p-٤١)والإسْرافِ. والنَّفَقَةُ الَّتِي في الآيَةِ هي الزَّكاةُ الواجِبَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ نَفَقَةُ العِيالِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ، أوِ التَّطَوُّعُ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكاةِ قالَهُ الضَّحّاكُ، مَعْناهُ أوِ النَّفَقَةُ في الجِهادِ أوِ النَّفَقَةُ الَّتِي كانَتْ واجِبَةً قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكاةِ، وقالُوا: إنَّهُ كانَ الفَرْضُ عَلى الرَّجُلِ أنْ يُمْسِكَ مِمّا في يَدِهِ بِمِقْدارِ كِفايَتِهِ في يَوْمِهِ ولَيْلَتِهِ ويُفَرِّقَ باقِيَهُ عَلى الفُقَراءِ، ورُجِّحَ كَوْنُها الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ لِاقْتِرانِها بِأُخْتِها الصَّلاةِ في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ، ولِتَشابُهِ أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِأوَّلِ سُورَةِ النَّمْلِ وأوَّلِ سُورَةِ لُقْمانَ، ولِأنَّ الصَّلاةَ طُهْرَةٌ لِلْبَدَنِ، والزَّكاةَ طُهْرَةٌ لِلْمالِ والبَدَنِ، ولِأنَّ الصَّلاةَ شُكْرٌ لِنِعْمَةِ البَدَنِ، والزَّكاةَ شُكْرٌ لِنِعْمَةِ المالِ، ولِأنَّ أعْظَمَ ما لِلَّهِ عَلى الأبْدانِ مِنَ الحُقُوقِ الصَّلاةُ، وفي الأمْوالِ الزَّكاةُ، والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأقْوالُ تَمْثِيلًا لِلْمُتَّفَقِ لا خِلافًا فِيهِ. وكَثِيرًا ما نَسَبَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِنَفْسِهِ حِينَ أمَرَ بِالإنْفاقِ أوْ أخْبَرَ بِهِ، ولَمْ يَنْسِبْ ذَلِكَ إلى كَسْبِ العَبْدِ لِيَعْلَمَ أنَّ الَّذِي يُخْرِجُهُ العَبْدُ ويُعْطِيهِ هو بَعْضُ ما أخْرَجَهُ اللَّهُ لَهُ ونَحَلَهُ إيّاهُ، وجَعَلَ صِلاتِ الَّذِينَ أفْعالًا مُضارِعَةً، ولَمْ يَجْعَلِ المَوْصُولَ ألْ فَيَصِلَهُ بِاسْمِ الفاعِلِ لِأنَّ المُضارِعَ فِيما ذَكَرَ البَيانِيُّونَ مُشْعِرٌ بِالتَّجَدُّدِ والحُدُوثِ بِخِلافِ اسْمِ الفاعِلِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَهم مُشْعِرٌ بِالثُّبُوتِ، والأمْدَحُ في صِفَةِ المُتَّقِينَ تَجَدُّدُ الأوْصافِ، وقَدَّمَ المُنْفَقَ مِنهُ عَلى الفِعْلِ اعْتِناءً بِما خَوَّلَ اللَّهُ بِهِ العَبْدَ وإشْعارًا أنَّ المُخْرَجَ هو بَعْضُ ما أعْطى العَبْدَ، ولِتَناسُبِ الفَواصِلِ وحَذْفِ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المَوْصُولِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ ومِمّا رَزَقْناهُمُوهُ، واجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطُ جَوازِ الحَذْفِ مِن كَوْنِهِ مُتَعَيَّنًا لِلرَّبْطِ مَعْمُولًا لِفِعْلٍ مُتَصَرِّفٍ تامٍّ. وأبْعَدَ مَن جَعَلَ (ما) نَكِرَةً مَوْصُوفَةً وقَدَّرَ ومِن شَيْءٍ رَزَقْناهُمُوهُ لِضَعْفِ المَعْنى بَعْدَ عُمُومِ المَرْزُوقِ الَّذِي يُنْفَقُ مِنهُ فَلا يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ التَّمَدُّحُ الَّذِي يَحْصُلُ بِجَعْلِ ما مَوْصُولَةً لِعُمُومِها، ولِأنَّ حَذْفَ العائِدِ عَلى المَوْصُولِ أوْ جَعْلَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَلا يَكُونُ في رَزَقْناهم ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ بَلْ ما مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فَيُضْطَرُّ إلى جَعْلِ ذَلِكَ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ بِمَعْنى المَفْعُولِ؛ لِأنَّ نَفْسَ المَصْدَرِ لا يُنْفَقُ مِنهُ إنَّما يُنْفَقُ مِنَ المَرْزُوقِ، وتَرْتِيبُ الصَّلاةِ عَلى حَسَبِ الإلْزامِ. فالإيمانُ بِالغَيْبِ لازِمٌ لِلْمُكَلَّفِ دائِمًا، والصَّلاةُ لازِمَةٌ في أكْثَرِ الأوْقاتِ، والنَّفَقَةُ لازِمَةٌ في بَعْضِ الأوْقاتِ، وهَذا مِن بابِ تَقْدِيمِ الأهَمِّ فالأهَمِّ. الإنْزالُ: الإيصالُ والإبْلاغُ، ولا يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ مِن أعَلى، ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ [الصافات: ١٧٧] أيْ وصَلَ وحَلَّ، إلى حَرْفُ جَرٍّ مَعْناهُ انْتِهاءُ الغايَةِ وزِيدَ كَوْنُها لِلْمُصاحَبَةِ ولِلتَّبْيِينِ ولِمُوافَقَةِ اللّامِ وفي ومِن، وأجازَ الفَرّاءُ زِيادَتَها، (مِثْلَ ذَلِكَ) سِرْتُ إلى الكُوفَةِ، ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، ﴿السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣]، ﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ [النمل: ٣٣]، ؎كَأنَّنِي إلى النّاسِ مَطْلَبِي، أيْ في النّاسِ. ؎أيَسْقِي فَلا يَرْوِي إلى ابْنِ أحْمَرا، أيْ مَتى تَهْوِي إلَيْهِمْ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِفَتْحِ الواوِ، أيْ تَهْواهم، وحُكْمُها في ثُبُوتِ الفاءِ، وقَلْبِها حُكْمُ عَلى، وقَدْ تَقَدَّمَ. والكافُ المُتَّصِلَةُ بِها ضَمِيرُ المُخاطَبِ المُذَكَّرِ، وتُكْسَرُ لِلْمُؤَنَّثِ، ويَلْحَقُها ما يَلْحَقُ أنْتَ في التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ دَلالَةً عَلَيْهِما، ورُبَّما فُتِحَتْ لِلْمُؤَنَّثِ، أوِ اقْتُصِرَ عَلَيْها مَكْسُورَةً في جَمْعِها نَحْوَ: ؎ولَسْتُ بِسائِلٍ جاراتِ بَيْتِي ∗∗∗ أغُيّابٌ رِجالُكِ أمْ شُهُودُ قَبْلُ وبَعْدُ ظَرْفا زَمانٍ وأصْلُهُما الوَصْفُ ولَهُما أحْكامٌ تُذْكَرُ في النَّحْوِ، ومَدْلُولُ قَبْلُ مُتَقَدِّمٌ، كَما أنَّ مَدْلُولَ بَعْدُ مُتَأخِّرٌ. الآخِرَةُ تَأْنِيثُ الآخِرِ مُقابِلِ الأوَّلِ، وأصْلُ الوَصْفِ ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ [القصص: ٨٣]، ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩]، ثُمَّ صارَتْ مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ، والجُمْهُورُ عَلى تَسْكِينِ لامِ التَّعْرِيفِ وإقْرارِ الهَمْزَةِ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَها لِلْقَطْعِ،ووَرْشٌ يَحْذِفُ ويَنْقُلُ الحَرَكَةَ إلى اللّامِ. الإيقانُ: التَّحَقُّقُ لِلشَّيْءِ لِسُكُونِهِ ووُضُوحِهِ، يُقالُ: يَقِنَ الماءُ سَكَنَ وظَهَرَ ما تَحْتَهُ، وأفْعَلَ بِمَعْنى اسْتَفْعَلَ كَأبَلَّ بِمَعْنى اسْتَبَلَّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤] مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأهُما النَّخَعِيُّ وأبُو حَيْوَةَ ويَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقُرِئَ شاذًّا بِما أُنْزِلَّ إلَيْكَ بِتَشْدِيدِ اللّامِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ أسْكَنَ لامَ أنْزَلَ كَما أسْكَنَ وضّاحٌ آخِرَ الماضِي في قَوْلِهِ:(p-٤٢) ؎إنَّما شِعْرِي قَيْدٌ ∗∗∗ قَدْ خُلِطْ بِخُلْجانِ ثُمَّ حَذَفَ هَمْزَةَ إلى ونَقَلَ كَسْرَتَها إلى لامِ أنْزَلَ فالتَّقى المِثْلانِ مِن كَلِمَتَيْنِ، والإدْغامُ جائِزٌ فَأدْغَمَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُوقِنُونَ بِواوٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الياءِ وهي مُبْدَلَةٌ مِن ياءٍ لِأنَّهُ مِن أيْقَنَ. وقَرَأ أبُو حَيَّةَ النُّمَرِيُّ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَدَلَ الواوِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎لَحُبُّ المُؤْقَدانِ إلَيَّ مُوسى ∗∗∗ وجَعْدَةُ إذْ أضاءَهُما الوَقُودُ وذَكَرَ أصْحابُنا أنَّ هَذا يَكُونُ في الضَّرُورَةِ، ووُجِّهَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّ هَذِهِ الواوَ لَمّا جاوَرَتِ المَضْمُومَ فَكَأنَّ الضَّمَّةَ فِيها، وهم يُبْدِلُونَ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ هَمْزَةً، قالُوا: وفي وُجُوهٍ ووُقِّتَتْ أُجُوهٌ وأُقِّتَتْ، فَأبْدَلُوا مِن هَذِهِ هَمْزَةً، إذْ قَدَّرُوا الضَّمَّةَ فِيها، وإعادَةُ المَوْصُولِ بِحَرْفِ العَطْفِ يَحْتَمِلُ المُغايَرَةَ في الذّاتِ وهو الأصْلُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ لِإيمانِهِمْ بِكُلِّ وحْيٍ، فَإنْ جَعَلْتَ المَوْصُولَ مَعْطُوفًا عَلى المَوْصُولِ انْدَرَجُوا في جُمْلَةِ المُتَّقِينَ، إنْ لَمْ يُرِدْ بِالمُتَّقِينَ بِوَصْفِهِ مُؤْمِنُو العَرَبِ، وذَلِكَ لِانْقِسامِ المُتَّقِينَ إلى القِسْمَيْنِ. وإنْ جَعَلْتَهُ مَعْطُوفًا عَلى المُتَّقِينَ لَمْ يَنْدَرِجْ لِأنَّهُ إذْ ذاكَ قَسِيمٌ لِمَن لَهُ الهُدى لا قِسْمٌ مِنَ المُتَّقِينَ. ويُحْتَمَلُ المُغايَرَةُ في الوَصْفِ، فَتَكُونُ الواوُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصِّفاتِ، ولا تَغايُرَ في الذّاوَتِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَطْفِ وحُذِفَ الفاعِلُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وبُنِيَ الفِعْلانِ لِلْمَفْعُولِ لِلْعِلْمِ بِالفاعِلِ، نَحْوَ: أُنْزِلَ المَطَرُ، وبِناؤُهُما لِلْفاعِلِ في قِراءَةِ النَّخَعِيِّ وأبِي حَيْوَةَ ويَزِيدَ بْنِ قُطَيْبٍ، فاعِلُهُ مُضْمَرٌ، قِيلَ: اللَّهُ أوْ جِبْرِيلُ. قالُوا: وقُوَّةُ الكَلامِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وهو عِنْدِي مِنَ الِالتِفاتِ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ [البقرة: ٣]، فَخَرَجَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، إذْ لَوْ جَرى عَلى الأوَّلِ لَجاءَ بِما أنْزَلْنا إلَيْكَ، وما أنْزَلْنا مِن قَبْلِكَ، وجَعَلَ صِلَةَ ما الأُولى ماضِيَةً لِأنَّ أكْثَرَهُ كانَ نَزَلَ بِمَكَّةَ والمَدِينَةِ، فَأقامَ الأكْثَرُ مَقامَ الجَمِيعِ، أوْ غُلِّبَ المَوْجُودُ لِأنَّ الإيمانَ بِالمُتَقَدِّمِ الماضِي يَقْتَضِي الإيمانَ بِالمُتَأخِّرِ، لِأنَّ مُوجِبَ الإيمانِ واحِدٌ. وأمّا صِلَةُ الثّانِيَةِ فَمُتَحَقِّقَةُ المُضِيِّ ولَمْ يُعَدْ حَرْفُ الجَرِّ في (ما) الثّانِيَةِ لِيَدُلَّ أنَّهُ إيمانٌ واحِدٌ، إذْ لَوْ أعادَ لَأشْعَرَ بِأنَّهُما إيمانانِ. وبِالآخِرَةِ: تَقَدَّمَ أنَّ المَعْنِيَّ بِها الدّارُ الآخِرَةُ لِلتَّصْرِيحِ بِالمَوْصُوفِ في بَعْضِ الآيِ، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى النَّشْأةِ الآخِرَةِ، إذْ قَدْ جاءَ أيْضًا مُصَرَّحًا بِهَذا المَوْصُوفِ، وكِلاهُما يَدُلُّ عَلى البَعْثِ. وأكَّدَ أمْرَ الآخِرَةِ بِتَعَلُّقِ الإيقانِ بِها الَّذِي هو أجْلى وآكَدُ مَراتِبِ العِلْمِ والتَّصْدِيقِ، وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ لا تَفاوُتَ في العِلْمِ والتَّصْدِيقِ دَفْعًا لِمَجازِ إطْلاقِ العِلْمِ، ويُرادُ بِهِ الظَّنُّ، فَذَكَرَ أنَّ الإيمانَ والعِلْمَ بِالآخِرَةِ لا يَكُونُ إلّا إيقانًا لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِنَ الشَّكِّ والِارْتِيابِ. وغايَرَ بَيْنَ الإيمانِ بِالمُنَزَّلِ والإيمانِ بِالآخِرَةِ في اللَّفْظِ لِزَوالِ كُلْفَةِ التَّكْرارِ، وكانَ الإيقانُ هو الَّذِي خُصَّ بِالآخِرَةِ لِكَثْرَةِ غَرائِبِ مُتَعَلِّقاتِ الآخِرَةِ، وما أُعِدَّ فِيها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ السَّرْمَدِيَّيْنِ، وتَفْصِيلُ أنْواعِ التَّنْعِيمِ والتَّعْذِيبِ، ونَشْأةُ أصْحابِها عَلى خِلافِ النَّشْأةِ الدُّنْيَوِيَّةِ ورُؤْيَةُ اللَّهِ - تَعالى - . فالآخِرَةُ أغْرَبُ في الإيمانِ بِالغَيْبِ مِنَ الكِتابِ المُنَزَّلِ، فَلِذَلِكَ خَصَّ بِلَفْظِ الإيقانِ، ولِأنَّ المُنَزَّلَ إلى الرَّسُولِ مُشاهَدٌ أوْ كالمُشاهَدِ، والآخِرَةُ غَيْبٌ صِرْفٌ، فَناسَبَ تَعْلِيقَ اليَقِينِ بِما كانَ غَيْبًا صِرْفًا. قالُوا: والإيقانُ هو العِلْمُ الحادِثُ سَواءٌ كانَ ضَرُورِيًّا أوِ اسْتِدْلالِيًّا، فَلِذَلِكَ لا يُوصَفُ بِهِ البارِي - تَعالى - لَيْسَ مِن صِفاتِهِ المُوقِنُ، وقُدِّمَ المَجْرُورُ اعْتِناءً بِهِ ولِتَطابُقِ الأواخِرِ. وإيرادُ هَذِهِ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً وإنْ كانَتِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ آكَدُ في الإخْبارِ عَنْ هَؤُلاءِ بِالإيقانِ، لِأنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ فَعَلَ آكَدُ مِن فَعَلَ زَيْدٌ لِتَكْرارِ الِاسْمِ في الكَلامِ بِكَوْنِهِ مُضْمَرًا، وتَصْدِيرِهِ مُبْتَدَأٌ يُشْعِرُ بِالِاهْتِمامِ بِالمَحْكُومِ عَلَيْهِ، كَما أنَّ التَّقْدِيمَ لِلْفِعْلِ مُشْعِرٌ بِالِاهْتِمامِ بِالمَحْكُومِ بِهِ. وذَكَرَ لَفْظَةَ هم في قَوْلِهِ: ﴿هم يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]، ولَمْ يَذْكُرْ لَفْظَةَ هم في قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] لِأنَّ وصْفَ إيقانِهِمْ بِالآخِرَةِ أعْلى مِن وصْفِهِمْ بِالإنْفاقِ، فاحْتاجَ هَذا إلى التَّوْكِيدِ ولَمْ يَحْتَجْ ذَلِكَ إلى تَأْكِيدٍ، ولِأنَّهُ لَوْ ذَكَرَهم هُناكَ لَكانَ فِيهِ قَلَقٌ لَفْظِيٌّ، إذْ كانَ يَكُونُ ومِمّا رَزَقْناهم هم يُنْفِقُونَ. أُولَئِكَ: اسْمُ إشارَةٍ (p-٤٣)لِلْجَمْعِ يَشْتَرِكُ فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. والمَشْهُورُ عِنْدَ أصْحابِنا أنَّهُ لِلرُّتْبَةِ القُصْوى كَأوْلى لَكَ، وقالَ بَعْضُهم: هو لِلرُّتْبَةِ الوُسْطى، قاسَهُ عَلى ذا، حِينَ لَمْ يَزِيدُوا في الوُسْطى عَلَيْهِ غَيْرَ حَرْفِ الخِطابِ، بِخِلافِ أوْلى لَكَ. ويَضْعُفُ قَوْلُهُ كَوْنَ هاءِ التَّنْبِيهِ لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ. وكَتَبُوهُ بِالواوِ فَرْقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ إلَيْكَ، وبُنِيَ لِافْتِقارِهِ إلى حاضِرٍ يُشارُ إلَيْهِ بِهِ، وحُرِّكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وبِالكَسْرِ عَلى أصْلِ التِقائِهِما. الفَلاحُ: الفَوْزُ والظَّفْرُ بِإدْراكِ البُغْيَةِ، أوِ البَقاءِ، قِيلَ: وأصْلُهُ الشَّقُّ والقَطْعُ: ؎إنَّ الحَدِيدَ بِالحَدِيدِ يُفْلَحُ وفِي تَشارُكِهِ في مَعْنى الشَّقِّ مُشارَكَةً في الفاءِ والعَيْنِ نَحْوَ: فَلى وفَلَقَ وفَلَذَ، تَقَدَّمَ في إعْرابِ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، أنَّ مِن وجْهَيْ رَفْعِهِ كَوْنَهُ مُبْتَدَأً، فَعَلى هَذا يَكُونُ أُولَئِكَ مَعَ ما بَعْدَهُ مُبْتَدَأً وخَبَرٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ الَّذِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا وعَطْفَ بَيانٍ، ويَمْتَنِعُ الوَصْفُ لِكَوْنِهِ أعْرَفَ، ويَكُونُ خَبَرَ الَّذِينَ إذْ ذاكَ قَوْلُهُ: ﴿عَلى هُدًى﴾، وإنْ كانَ رَفْعُ الَّذِينَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ كانَ مَجْرُورًا أوْ مَنصُوبًا، كانَ أُولَئِكَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿عَلى هُدًى﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ أنّا لا نَخْتارُ الوَجْهَ الأوَّلَ لِانْفِلاتِهِ مِمّا قَبْلَهُ والذَّهابِ بِهِ مَذْهَبَ الِاسْتِئْنافِ مَعَ وُضُوحِ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ وتَعَلُّقِهِ بِهِ، وأيُّ فائِدَةٍ لِلتَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ في الِاسْتِئْنافِ فِيما هو ظاهِرُ التَّعَلُّقِ بِما قَبْلَهُ والِارْتِباطِ بِهِ. وقَدْ وجَّهَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجْهَ الِاسْتِئْنافِ بِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ الكِتابَ اخْتَصَّ المُتَّقِينَ بِكَوْنِهِ هُدًى لَهم، اتَّجَهَ لِسائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما بالُ المُتَّقِينَ مَخْصُوصِينَ بِذَلِكَ ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا هَذِهِ الأوْصافَ الجَلِيلَةَ مِنَ الإيمانِ بِالغَيْبِ، وإقامَةِ الصَّلاةِ، والإنْفاقِ، والإيمانِ بِالمُنْزَلِ، والإيقانِ بِالآخِرَةِ عَلى هُدًى في العاجِلِ، وذَوُو فَلاحٍ في الآجِلِ. ثُمَّ مَثَّلَ هَذا الَّذِي قَرَّرَهُ مِنَ الِاسْتِئْنافِ بِقَوْلِهِ: أحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأنْصارَ الَّذِينَ قارَعُوا دُونَهُ، فَكَشَفُوا الكَرْبَ عَنْ وجْهِهِ، أُولَئِكَ أهْلٌ لِلْمَحَبَّةِ، يَعْنِي أنَّهُ اسْتَأْنَفَ فابْتَدَأ بِصِفَةِ المُتَّقِينَ، كَما اسْتَأْنَفَ بِصِفَةِ الأنْصارِ. وعَلى ما اخْتَرْناهُ مِنَ الِاتِّصالِ يَكُونُ قَدْ وصَفَ المُتَّقِينَ بِصِفاتِ مَدْحٍ فَضَلَتْ جِهاتِ التَّقْوى، ثُمَّ أشارَ إلَيْهِمْ وأعْلَمَ بِأنَّ مَن حازَ هَذِهِ الأوْصافَ الشَّرِيفَةَ هو عَلى هُدًى، وهو المُفْلِحُ، والِاسْتِعْلاءُ الَّذِي أفادَتْهُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى هُدًى﴾، هو مَجازٌ نَزَّلَ المَعْنى مَنزِلَةَ العَيْنِ، وأنَّهم لِأجْلِ ما تَمَكَّنَ رُسُوخُهم في الهِدايَةِ جُعِلُوا كَأنَّهُمُ اسْتَعْلَوْهُ كَما تَقُولُ: فُلانٌ عَلى الحَقِّ، وإنَّما حَصَلَ لَهم هَذا الِاسْتِقْرارُ عَلى الهُدى بِما اشْتَمَلُوا عَلَيْهِ مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ في وصْفِ الهُدى بِأنَّهُ مِن رَبِّهِمْ، أيْ كائِنٌ مِن رَبِّهِمْ، تَعْظِيمٌ لِلْهُدى الَّذِي هم عَلَيْهِ. ومُناسَبَةُ ذِكْرِ الرَّبِّ هُنا واضِحَةٌ، أيْ أنَّهُ لِكَوْنِهِ رَبَّهم بِأيِّ تَفاسِيرِهِ فَسَّرْتَ ناسَبَ أنْ يُهَيِّئَ لَهم أسْبابَ السَّعادَتَيْنِ: الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، فَجَعَلَهم في الدُّنْيا عَلى هُدًى، وفي الآخِرَةِ هُمُ المُفْلِحُونَ. وقَدْ تَكُونُ ثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ أيْ عَلى هُدًى، وحَذْفُ الصِّفَةِ لِفَهْمِ المَعْنى جائِزٌ، وقَدْ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ الصِّفَةِ لِأنَّهُ لا يَكْفِي مُطْلَقُ الهُدى المَنسُوبِ إلى اللَّهِ - تَعالى - . ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِن هُدى رَبِّهِمْ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: مِن رَبِّهم بِضَمِّ الهاءِ، وكَذَلِكَ سائِرُها آتٍ جَمْعُ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ عَلى الأصْلِ مِن غَيْرِ أنْ يُراعى فِيها سَبْقُ كَسْرٍ أوْ ياءٍ، ولَمّا أخْبَرَ عَنْهم بِخَبَرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَرَّرَ أُولَئِكَ لِيَقَعَ كُلُّ خَبَرٍ مِنهُما في جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وهو آكَدُ في المَدْحِ إذْ صارَ الخَبَرُ مَبْنِيًّا عَلى مُبْتَدَأٍ. وهَذانِ الخَبَرانِ هُما نَتِيجَتا الأوْصافِ السّابِقَةِ إذْ كانَتِ الأوْصافُ مِنها ما هو مُتَعَلِّقُهُ أمْرُ الدُّنْيا، ومِنها ما مُتَعَلِّقُهُ أمْرُ الآخِرَةِ، فَأخْبَرَ عَنْهم بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الهُدى في الدُّنْيا وبِالفَوْزِ في الآخِرَةِ. ولَمّا اخْتَلَفَ الخَبَرانِ كَما ذَكَرْنا أتى بِحَرْفِ العَطْفِ في المُبْتَدَأِ، ولَوْ كانَ الخَبَرُ الثّانِي في مَعْنى الأوَّلِ لَمْ يُدْخِلِ العاطِفَ لِأنَّ الشَّيْءَ لا يُعْطَفُ عَلى نَفْسِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] كَيْفَ جاءَ بِغَيْرِ عاطِفٍ لِاتِّفاقِ الخَبَرَيْنِ اللَّذَيْنِ لِلْمُبْتَدَأيْنِ في المَعْنى ؟ ويُحْتَمَلُ هم أنْ يَكُونَ فَصْلًا أوْ بَدَلًا فَيَكُونُ المُفْلِحُونَ خَبَرًا عَنْ أُولَئِكَ، أوِ المُبْتَدَأِ والمُفْلِحُونَ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ في (p-٤٤)مَوْضِعِ خَبَرِ أُولَئِكَ، وأحْكامُ الفَصْلِ وحِكْمَةُ المَجِيءِ بِهِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. وقَدْ جُمِعَتْ أحْكامُ الفَصْلِ مُجَرَّدَةً مِن غَيْرِ دَلائِلَ في نَحْوٍ مِن سِتِّ ورَقاتٍ، وإدْخالُ هو في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ تَأْكِيدٍ ورَفْعُ تَوَهُّمِ مَن يَتَشَكَّكُ في المُسْنَدِ إلَيْهِ الخَبَرُ أوْ يُنازِعُ فِيهِ، أوْ مَن يَتَوَهَّمُ التَّشْرِيكَ فِيهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤]، ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨]، وقَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥]، ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠]، كَيْفَ أثْبَتَ هو دَلالَةً عَلى ما ذُكِرَ، ولَمْ يَأْتِ بِهِ في نِسْبَةِ خَلْقِ الزَّوْجَيْنِ وإهْلاكِ عادٍ، إذْ لا يُتَوَهَّمُ إسْنادُ ذَلِكَ لِغَيْرِ اللَّهِ - تَعالى - ولا الشَّرِكَةُ فِيهِ. وأمّا الإضْحاكُ والإبْكاءُ والإماتَةُ والإحْياءُ والإغْناءُ والإقْناءُ فَقَدْ يَدَّعِي ذَلِكَ، أوِ الشَّرِكَةَ فِيهِ مُتَواقِحٌ كَذّابٌ كَنُمْرُوذَ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩]، فَدُخُولُ هو لِلْإعْلامِ بِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّ هَذا النَّجْمِ، وإنْ كانَ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّ هَذا النَّجْمَ عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ واتُّخِذَ إلَهًا، فَأتى بِهِ لِيُنَبِّهَ بِأنَّ اللَّهَ مُسْتَبِدٌّ بِكَوْنِهِ رَبًّا لِهَذا المَعْبُودِ، ومَن دُونَهُ لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ أحَدٌ. والألِفُ واللّامُ في المُفْلِحُونَ لِتَعْرِيفِ العَهْدِ في الخارِجِ أوْ في الذِّهْنِ، وذَلِكَ أنَّكَ إذا قُلْتَ: زَيْدٌ المُنْطَلِقُ، فالمُخاطَبُ يَعْرِفُ وُجُودَ ذاتِ صَدْرٍ مِنها انْطِلاقٌ، ويَعْرِفُ زَيْدًا ويَجْهَلُ نِسْبَةَ الِانْطِلاقِ إلَيْهِ، وأنْتَ تَعْرِفُ كُلَّ ذَلِكَ فَتَقُولُ لَهُ: زَيْدٌ المُنْطَلِقُ، فَتُفِيدُهُ مَعْرِفَةَ النِّسْبَةَ الَّتِي كانَ يَجْهَلُها، ودَخَلَتْ هو فِيهِ إذا قُلْتَ: زَيْدٌ هو المُنْطَلِقُ، لِتَأْكِيدِ النِّسْبَةِ، وإنَّما تُؤَكِّدُ النِّسْبَةَ عِنْدَ تَوَهُّمِ أنَّ المُخاطَبَ يَشُكُّ فِيها أوْ يُنازِعُ أوْ يَتَوَهَّمُ الشِّرْكَةَ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ [البقرة: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿المُفْلِحُونَ﴾ أقْوالًا، أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ. الثّانِي: نَزَلَتْ في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وذَكَرُوا في هَذِهِ الآيَةِ مِن ضُرُوبِ الفَصاحَةِ أنْواعًا، (الأوَّلُ): حُسْنُ الِافْتِتاحِ، وأنَّهُ تَعالى افْتَتَحَ بِما فِيهِ غُمُوضٌ ودِقَّةٌ لِتَنْبِيهِ السّامِعِ عَلى النَّظَرِ والفِكْرِ والِاسْتِنْباطِ. (الثّانِي): الإشارَةُ في قَوْلِهِ ذَلِكَ أدْخَلَ اللّامَ إشارَةً إلى بُعْدِ المَنازِلِ. (الثّالِثُ): مَعْدُولُ الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] صِيغَتُهُ خَبَرٌ ومَعْناهُ أمْرٌ، وقَدْ مَضى الكَلامُ فِيهِ. (الرّابِعُ): الِاخْتِصاصُ هو في قَوْلِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] . (الخامِسُ): التَّكْرارُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤]، وفي قَوْلِهِ: (الَّذِينَ)، والَّذِينَ إنْ كانَ المَوْصُوفُ واحِدًا فَهو تَكْرارُ اللَّفْظِ والمَعْنى، وإنْ كانَ مُخْتَلِفًا كانَ مِن تَكْرارِ اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى، ومِنَ التَّكْرارِ أُولَئِكَ وأُولَئِكَ. (السّادِسُ): تَأْكِيدُ المُظْهَرِ بِالمُضْمَرِ في قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿هم يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] . (السّابِعُ): الحَذْفُ، وهو في مَواضِعَ أحَدُها هَذِهِ الم عِنْدَ مَن يُقَدِّرُ ذَلِكَ، وهو هُدًى، ويُنْفِقُونَ في الطّاعَةِ، وما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ، ومِن قَبْلِكَ، أيْ قَبْلَ إرْسالِكَ، أوْ قَبْلَ الإنْزالِ، وبِالآخِرَةِ، أيْ بِجَزاءِ الآخِرَةِ، ويُوقِنُونَ بِالمَصِيرِ إلَيْها، وعَلى هُدًى، أيْ أسْبابِ هُدًى، أوْ عَلى نُورٍ هُدًى، والمُفْلِحُونَ، أيِ الباقُونَ في نَعِيمِ الآخِرَةِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب