الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس: يريد الثواب والعقاب، وقال في قوله: ﴿مَا خَلَقَ الله ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: 5] يريد بالعدل والثواب والعقاب، يفسر ذلك العدل الذي ذكره. قال أهل المعاني: يعني أن الأمم التي ذكرها كفروا بالله وكذبوا رسله فأهلكهم؛ لأنه خلق السموات والأرض بالحق، أي بالعدل، وهو أن يثيب المصدق ويعذب المكذب [["تفسير ابن الجوزي" 4/ 412، والخازن 3/ 101، والبقاعي 4/ 234.]]. ثم قال لنبيه: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ﴾ قال ابن عباس: يريد عن المشركين. ﴿الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾، قال الكلبي: يقول أعرض إعراضًا جميلًا بغير فحش ولا جزع [["تنوير المقباس" ص 280 بنصه، وورد بنحوه وبمعناه غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 224، والزمخشري 2/ 318، وابن الجوزي 4/ 412، والفخر الرازي 19/ 206، والبقاعي 4/ 234، وأبي السعود 5/ 88.]]، كأنه يقول: إن القيامة تأتي فَيُجازَوْنَ بقبيح أعمالهم فاصفح الآن. قال المفسرون: والصفح منسوخ بآية السيف [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 198ب، والطبري 14/ 51 عن قتادة والضحاك ومجاهد وسفيان بن عيينة، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 482 عن ابن عباس وقتادة، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 37، و"تفسير هود الهواري" 2/ 354، والثعلبي 2/ 150 ب، و"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي ص 329 عن قتادة، "تفسير الماوردي" 3/ 170، والطوسي 6/ 352، و"تفسير البغوي" 4/ 390، والزمخشري 2/ 318، وابن عطية 8/ 349، وابن الجوزي 4/ 412، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 184 عن مجاهد وقتادة، و"تفسير القرطبي" 10/ 54، وابن كثير 2/ 612، ذكر القائلون بالنسخ في هذه الآية، أنها نُسخت بآيات السيف والقتال وبراءة. ودعوى النسخ بآية السيف -كما مرّ في الدراسة- قد توسع فيها المفسرون، فنسخوا بها كثيرًا من الآيات التي تظهر سماحة الإسلام، ومداراة أهل الكفر والنفاق، والحث على الصبر وتحمل الأذى عند الضعف، ومن ذلك هذه الآية، وفي دعوى نسخها نظر؛ لعدم ثبوته عن الصحابة بطريق صحيح، فلم يَنسبه إلا النحاس إلى ابن عباس، ومع كونه من المبالغين في دعاوى النسخ -كما قال الزرقاني- فقد أورد الخبر بصيغة التمريض، ويؤيد القول ببطلان دعوى النسخ في هذه الآية، أنه لا تعارض بين الدعوة إلى الصفح الجميل والقتال -كما قال الجمل- لأن مورد الآيتين مختلف، فالمسالمة مطلوبة عند الضعف، والمسايفة مطلوبة عند القوة، لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدماً، فانتفاء الحكم لانتفاء علته لا يعد نسخاً، بل حتى مع توفر القوة فإن العفو عند المقدرة والصفح الجميل مع الأعداء خُلق محمود، كما فعل رسول الله -ﷺ- يوم الفتح مع كفار قريش، ولهذا أنكر الفخر الرازي النسخ في هذه الآية، وقال: وقيل هو منسوخ بآية السيف، وهو بعيد؛ لأن المقصود من ذلك أن يظهر الخلق الحسن والعفو والصفح، فكيف يصير منسوخاً؟! انظر: "البرهان في علوم القرآن" 2/ 40 - 43، "تفسير الفخر الرازي" 191/ 206، "حاشية الجمل على الجلالين" 2/ 553، "مناهل العرفان" 2/ 150.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب