الباحث القرآني

﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ كِنايَةٌ عَنْ مَنعِهِمْ مِنَ التَّكَلُّمِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ هُناكَ خَتْمٌ عَلى أفْواهِهِمْ حَقِيقَةً. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخَتْمُ مُسْتَعارًا لِمَعْنى المَنعِ بِأنْ يُشَبِّهَ إحْداثَ حالَةٍ في أفْواهِهِمْ مانِعَةٍ مِنَ التَّكَلُّمِ بِالخَتْمِ الحَقِيقِيِّ ثُمَّ يُسْتَعارُ لَهُ الخَتْمُ ويُشْتَقُّ مِنهُ نَخْتِمُ فالِاسْتِعارَةُ تَبَعِيَّةٌ أيِ اليَوْمَ نَمْنَعُ أفْواهَهم مِنَ الكَلامِ مَنعًا شَبِيهًا بِالخَتْمِ، والأوَّلُ (p-42)أوْلى في نَظَرِي ﴿وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ بِالَّذِي اسْتَمَرُّوا عَلى كَسْبِهِ في الدُّنْيا وكَأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ قَدْ تَنازَعَ فِيهِ ”تُكَلِّمُ وتَشْهَدُ“، ولَعَلَّ المَعْنى - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - تُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ بِالَّذِي اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِهِ ولَمْ يَتُوبُوا عَنْهُ وتُخْبِرُنا بِهِ وتَقُولُ فَعَلُوا بِنا وبِواسِطَتِنا كَذا وكَذا وتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أرْجُلُهم بِذَلِكَ. ونِسْبَةُ التَّكْلِيمِ إلى الأيْدِي دُونَ الشَّهادَةِ لِمَزِيدِ اخْتِصاصِها بِمُباشَرَةِ الأعْمالِ حَتّى أنَّها كَثُرَ نِسْبَةُ العَمَلِ إلَيْها بِطَرِيقِ الفاعِلِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ وقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ وقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا - ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولا كَذَلِكَ الأرْجُلُ فَكانَتِ الشَّهادَةُ أنْسَبَ بِها لِما أنَّها لَمْ تُضَفْ إلَيْها الأعْمالُ فَكانَتْ كالأجْنَبِيَّةِ، وكانَ التَّكْلِيمُ أنْسَبَ بِالأيْدِي لِكَثْرَةِ مُباشَرَتِها الأعْمالَ وإضافَتِها إلَيْها فَكَأنَّها هي العامِلَةُ، هَذا مَعَ ما في جَمْعِ التَّكْلِيمِ مَعَ الخَتْمِ عَلى الأفْواهِ المُرادُ مِنهُ المَنعُ مِنَ التَّكَلُّمِ - مِنَ الحُسْنِ. وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا صَدَّرَ آيَةَ النُّورِ وهي قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ بِالشَّهادَةِ وذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - الأعْضاءَ مِنَ الأعالِي إلى الأسافِلِ أسْنَدَها إلى الجَمِيعِ، ولَمْ يَخُصَّ سُبْحانَهُ الأيْدِيَ بِالتَّكْلِيمِ لِوُقُوعِها بَيْنَ الشُّهُودِ مَعَ أنَّ ما يَصْدُرُ مِنها شَهادَةٌ أيْضًا في الحَقِيقَةِ، فَإنَّ كَوْنَها عامِلَةً لَيْسَ عَلى الحَقِيقَةِ بَلْ هي آلَةٌ والعامِلُ هو الإنْسانُ حَقِيقَةً، وكانَ اعْتِبارُ الشَّهادَةِ مِنَ المَصْدَرِ هُناكَ أوْفَقَ بِالمَقامِ لِسَبْقِ قِصَّةِ الإفْكِ، وما يَتَعَلَّقُ لَها ولِذا نَصَّ فِيها عَلى الألْسِنَةِ ولَمْ يَنُصَّ هاهُنا عَلَيْها بَلِ الآيَةُ ساكِتَةٌ عَنِ الإفْصاحِ بِأمْرِها مِنَ الشَّهادَةِ وعَدَمِها، والخَتْمُ عَلى الأفْواهِ لَيْسَ بِعَدَمِ شَهادَتِها إذِ المُرادُ مِنهُ مَنعُ المُحَدَّثِ عَنْهم عَنِ التَّكَلُّمِ بِألْسِنَتِهِمْ وهو أمْرٌ وراءَ تَكَلُّمِ الألْسِنَةِ أنْفُسِها وشَهادَتِها بِأنْ يُجْعَلَ فِيها عِلْمٌ وإرادَةٌ وقُدْرَةٌ عَلى التَّكَلُّمِ فَتَتَكَلَّمُ هي وتَشْهَدُ بِما تَشْهَدُ وأصْحابُها مَخْتُومٌ عَلى أفْواهِهِمْ لا يَتَكَلَّمُونَ. ومِنهُ يَعْلَمُ أنَّ آيَةَ النُّورِ لَيْسَ فِيها ما هو نَصٌّ في عَدَمِ الخَتْمِ عَلى الأفْواهِ، نَعَمِ الظّاهِرُ هُناكَ أنْ لا خَتْمَ، وهُنا أنْ لا شَهادَةَ مِنَ الألْسِنَةِ، وعَلى هَذا الظّاهِرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُحَدَّثُ عَنْهُ في الآيَتَيْنِ واحِدًا بِأنْ يُخْتَمَ عَلى أفْواهِهِمْ وتُنْطَقُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم أوَّلًا ثُمَّ يُرْفَعُ الخَتْمُ وتَشْهَدُ ألْسِنَتُهم إمّا مَعَ تَجَدُّدِ ما يَكُونُ مِنَ الأيْدِي والأرْجُلِ أوْ مَعَ عَدَمِهِ والِاكْتِفاءِ بِما كانَ قَبْلُ مِنهُما، وذَلِكَ إمّا في مَقامٍ واحِدٍ مِن مَقاماتِ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ في مَقامَيْنِ، ولَيْسَ في كُلٍّ مِنَ الآيَتَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ ونَفْيِ شَهادَةِ غَيْرِ ما ذُكِرَ مِنَ الأعْضاءِ فَلا مُنافاةَ بَيْنَهُما وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ شَهادَةُ السَّمْعِ والأبْصارِ والألْسِنَةِ والأيْدِي والأرْجُلِ وسائِرِ الأعْضاءِ كَما يُشْعِرُ بِهَذا ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ”والجُلُودُ“ في آيَةِ السَّجْدَةِ لَكِنْ لَمْ يُذْكَرْ بَعْضٌ مِن ذَلِكَ في بَعْضٍ مِنَ الآياتِ اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ في البَعْضِ الآخَرِ مِنها، أوْ دَلالَتِهِ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُحَدَّثُ عَنْهُ في كُلِّ طائِفَةٍ مِنَ النّاسِ، وقَدْ جَعَلَ بَعْضُهُمُ المُحَدَّثَ عَنْهُ في آيَةِ السَّجْدَةِ قَوْمَ ثَمُودٍ، وحَمْلُ أعْداءِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ ﴿وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ﴾ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُحَدَّثُ عَنْهُ في آيَةِ النُّورِ أصْحابَ الإفْكِ مِنَ المُنافِقِينَ والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ إنَّ آيَةَ السَّجْدَةِ ظاهِرَةٌ في أنَّ الشَّهادَةَ عِنْدَ المَجِيءِ إلى النّارِ، وآيَةُ النُّورِ لَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَيُشْعِرُ كَلامُ البَعْضِ بِأنَّ الخَتْمَ والشَّهادَةَ فِيها بَعْدَ خِطابِ المُحَدَّثِ عَنْهم بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فَيَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ المَجِيءِ إلى النّارِ أيْضًا، قالَ في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ﴾ ... إلَخِ التِفاتٌ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذِكْرَ أحْوالِهِمُ القَبِيحَةِ اسْتَدْعى أنْ يُعْرَضَ عَنْهم وتُحْكى أحْوالُهُمُ الفَظِيعَةُ لِغَيْرِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ (p-43)ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ الخَتْمِ لِأنَّ الخِطابَ لِتَلَقِّي الجَوابِ، وقَدِ انْقَطَعَ بِالكُلِّيَّةِ، لَكِنْ قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: إنَّ الشَّهادَةَ تَتَحَقَّقُ في مَوْقِفِ الحِسابِ لا بَعْدَ تَمامِ السُّؤالِ والجَوابِ وسَوْقِهِمْ إلى النّارِ، والأخْبارُ ظاهِرَةٌ في ذَلِكَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مِن حَدِيثِ «يُدَعى الكافِرُ والمُنافِقُ لِلْحِسابِ فَيَعْرِضُ رَبُّهُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ فَيَجْحَدُ ويَقُولُ أيْ رَبِّ وعِزَّتِكَ لَقَدْ كَتَبَ عَلَيَّ هَذا المَلَكُ ما لَمْ أعْمَلْ فَيَقُولُ لَهُ المَلَكُ أما عَمِلْتَ كَذا في يَوْمِ كَذا في مَكانِ كَذا فَيَقُولُ لا وعِزَّتِكَ أيْ رَبِّ ما عَمِلْتُهُ فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ خَتَمَ عَلى فِيهِ فَإنِّي أحْسَبُ أوَّلَ ما تَنْطِقُ مِنهُ فَخِذُهُ اليُمْنى ثُمَّ تَلا ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ الآيَةَ» وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إنَّهُ يَلْقى العَبْدُ رَبَّهُ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى لَهُ أيْ فُلُ ألَمْ أُكْرِمْكَ إلى أنْ قالَ ﷺ فَيَقُولُ آمَنتُ بِكَ وبِكِتابِكَ وبِرَسُولِكَ وصَلَّيْتُ وصُمْتُ وتَصَدَّقْتُ ويُثْنِي بِخَيْرِ ما اسْتَطاعَ فَيَقُولُ: ألا نَبْعَثُ شاهِدَنا عَلَيْكَ فَيُفَكِّرُ في نَفْسِهِ مِنَ الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ ويُقالُ لِفَخِذِهِ انْطِقِي فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ ولَحْمُهُ وعِظامَهُ بِعَمَلِهِ» . وفِي بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ يَطْلُبُ شاهِدًا مِنهُ فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ، أخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وابْنُ أبِي الدُّنْيا - واللَّفْظُ لَهُ - «عَنْ أنَسٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ قالَ كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَضَحَكَ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ قالَ: أتُدْرُونَ مِمَّ ضَحِكْتُ؟ قُلْنا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: مِن مُخاطَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ يَقُولُ: يا رَبِّ ألَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ فَيَقُولُ: بَلى فَيَقُولُ: إنِّي لا أُجِيزُ عَلَيَّ إلّا شاهِدًا مِنِّي! فَيَقُولُ: كَفى بِنَفْسِكَ عَلَيْكَ شَهِيدًا وبِالكِرامِ الكاتِبِينَ شُهُودًا فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ ويُقالُ لِأرْكانِهِ انْطِقِي فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ ثُمَّ يُخَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ”» . والجَمْعُ بِالتِزامِ القَوْلِ بِالتَّعَدُّدِ فَتارَةً يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ وأُخْرى عِنْدَ النّارِ، والقَوْلُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ فِيما ذَكَرَ. وما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ أبِي مُوسى مِن أنَّ الفَخِذَ اليُمْنى أوَّلُ ما تَنْطِقُ عَلى ما يَحْسَبُ، جَزَمَ بِهِ الحَسَنُ، وأخْرَجَ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «“إنَّ أوَّلَ عَظْمٍ مِنَ الإنْسانِ يَتَكَلَّمُ يَوْمَ يُخْتَمُ عَلى الأفْواهِ فَخِذُهُ مِنَ الرِّجْلِ الشِّمالِ”». ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ التَّكَلُّمَ والشَّهادَةَ بِنُطْقٍ حَقِيقَةٌ وذَلِكَ بَعْدَ إعْطاءِ اللَّهِ تَعالى الأعْضاءَ حَياةً وعِلْمًا وقُدْرَةً فَيُرَدُّ بِذَلِكَ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ البَيِّنَةَ المَخْصُوصَةَ شَرْطٌ فِيما ذُكِرَ، وإسْنادُ الخَتْمِ إلَيْهِ تَعالى دُونَ ما بَعْدُ قِيلَ لِئَلّا يُحْتَمَلَ الجَبْرُ عَلى الشَّهادَةِ والكَلامِ فَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِاخْتِيارِ الأعْضاءِ المَذْكُورَةِ بَعْدَ إقْدارِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ أدَلُّ عَلى تَفْضِيحِ المُحَدَّثِ عَنْهم. وهَلْ يَشْهَدُ كُلُّ عُضْوٍ بِما فُعِلَ بِهِ أوْ يَشْهَدُ بِذَلِكَ وبِما فُعِلَ بِغَيْرِهِ؟ فِيهِ خِلافٌ والثّانِي أبْلَغُ في التَّفْظِيعِ، والعِلْمُ بِالمَشْهُودِ بِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ ولا يَكُونُ حاصِلًا في الدُّنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ في الدُّنْيا بِأنْ تَكُونَ الأعْضاءُ قَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى فِيها الإدْراكَ فَهي تُدْرِكُ الأفْعالَ كَما يُدْرِكُها الفاعِلُ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ رَدَّ اللَّهُ تَعالى لَها ما كانَ وجَعَلَها مُسْتَحْضِرَةً لِما عَمِلَتْهُ أوَّلًا وأنْطَقَها نُطْقًا يَفْقَهُهُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ، وهَذا نَحْوُ ما قالُوا مِن تَسْبِيحِ جَمِيعِ الأشْياءِ بِلِسانِ القالِ واللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، والعَقْلُ لا يُحِيلُ ذَلِكَ، ولَيْسَ هو بِأبْعَدَ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى فِيها العِلْمَ والإرادَةَ والقُدْرَةَ حَتّى تَنْطِقَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَمَن يُؤْمِن بِهَذا فَلْيُؤْمِن بِذَلِكَ، والتَّشَبُّثُ بِذَيْلِ الِاسْتِبْعادِ يَجُرُّ إلى إنْكارِ الحَشْرِ بِالكُلِّيَّةِ - والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى - أوْ تَأْوِيلِهِ بِما أوَّلَهُ بِهِ الباطِنِيَّةُ الَّذِينَ قَتْلُ واحِدٍ مِنهُمْ- قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ- أفْضَلُ مِن قَتْلِ مِائَةٍ كافِرٍ، وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ مِن مُؤَيِّداتِ القَوْلِ بِالتَّسْبِيحِ القالِيِّ لِلْجَماداتِ ونَحْوِها، وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يُؤَيَّدُ القَوْلُ بِجَوازِ شَهادَةِ الشّاهِدِ إذا حَصَلَ عِنْدَهُ العِلْمُ الَّذِي يَقْطَعُ بِهِ بِأيِّ وجْهٍ حَصَلَ وإنْ لَمْ يَشْهَدْ ذَلِكَ ولا حَضَرَهُ، وقَدْ أفادَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ (p-44)قُدِّسَ سِرُّهُ في تَفْسِيرِهِ المُسَمّى بِإيجازِ البَيانِ في تَرْجَمَةِ القُرْآنِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ يُفِيدُ جَوازَ ذَلِكَ، وذِكَرَ فِيهِ أنَّ الشّاهِدَ يَأْثَمُ إنْ لَمْ يَشْهَدْ بِعِلْمِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما لِلْفُقَهاءِ في المَسْألَةِ مِنَ الكَلامِ، وكَأنَّ الشَّهادَةَ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي بَعْدَ الِاسْتِشْهادِ بِأنْ يُقالَ لِلْأرْكانِ: ألَمْ يَفْعَلْ كَذا؟ فَتَقُولُ: بَلى فَعَلَ. ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ بَعْدَ أنْ تُؤْمَرَ الأرْكانُ بِالشَّهادَةِ بِأنْ يُقالَ لَها: اشْهَدِي بِما فَعَلُوا فَتَشْهَدُ مُعَدِّدَةً أفْعالَهُمْ، وهَذا إمّا بِأنْ تَذْكُرَ جَمِيعَ أفْعالِهِمْ مِنَ المَعاصِي وغَيْرِها غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ المَعْصِيَةَ عَنْ غَيْرِها، وكَوْنُ ذَلِكَ شَهادَةً عَلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ الواقِعِ لِتَضَمُّنِها ضَرَرَهم بِذِكْرِ ما هو مَعْصِيَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ، وإمّا بِأنْ تَذْكُرَ المَعاصِيَ فَقَطْ، وهَذا يَحْتاجُ إلى التِزامِ القَوْلِ بِأنَّ الأرْكانَ تُمَيِّزَ في الدُّنْيا ما كانَ مَعْصِيَةً مِنَ الأفْعالِ ما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ولا أظُنُّكَ تَقُولُ بِهِ ولَمْ أسْمَعْ أنَّ أحَدًا يَدَّعِيهِ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ تَكْلِيمَ الأرْكانِ وشَهادَتَها دَلالَتُها عَلى أفْعالِها وظُهُورِ آثارِ المَعاصِي عَلَيْها بِأنْ يُبَدِّلَ اللَّهُ تَعالى هَيْئاتِها بِأُخْرى يَفْهَمُ مِنها أهْلُ الحَشْرِ ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى ما صَدَرَ مِنهم فَجُعِلَتِ الدَّلالَةُ الحالِيَّةُ بِمَنزِلَةِ المَقالِيَّةِ مَجازًا، وفِيهِ أنَّهُ لا يُصارُ إلى المَجازِ مَعَ إمْكانِ الحَقِيقَةِ لا سِيَّما وما يَأْتِي في سُورَةِ السَّجْدَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ظاهِرٌ جِدًّا في النُّطْقِ القالِيِّ والإخْبارُ أظْهَرُ وأظْهَرُ، نَعَمْ يَهُونُ عَلى هَذا القَوْلِ أمْرُ الِاسْتِبْعادِ ولا يَكادُ يَتْرُكُ لِأجْلِهِ الظَّواهِرَ العُلَماءُ الأمْجادُ، وهَذا والآيَةُ كالظّاهِرَةِ في تَكْلِيفِ الكُفّارِ بِالفُرُوعِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُونُوا مُكَلَّفِينَ بِها لا فائِدَةَ في شَهادَةِ الأعْضاءِ بِما كَسَبُوا، وإتْمامُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِها وتَخْصِيصُ ما كَسَبُوا بِالكُفْرِ مِمّا لا يَكادُ يُلْتَفِتُ إلَيْهِ، ولا أظُنُّ أنَّ أحَدًا يَقُولُ بِهِ بَلْ رُبَّما يَدَّعِي تَخْصِيصَهُ بِما سِوى الكُفْرِ بِناءً عَلى أنَّهُ مِن أفْعالِ القَلْبِ دُونَ الأعْضاءِ الَّتِي تَشْهَدُ لَكِنِ الَّذِي يَتَرَجَّحُ في نَظَرِي العُمُومِ. وشَهادَتُها بِهِ إمّا بِشَهادَتِها بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الأفْعالِ البَدَنِيَّةِ والأقْوالِ اللِّسانِيَّةِ أوْ بِالعِلْمِ الضَّرُورِيِّ الَّذِي يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى لَها ذَلِكَ اليَوْمَ أوْ بِالعِلْمِ الحاصِلِ لَها بِخَلْقٍ لِلَّهِ تَعالى في الدُّنْيا فَتَعْلَمُهُ بِواسِطَةِ الأفْعالِ والأقْوالِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ أوْ بِطَرِيقٍ آخَرَ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى، وهي ظاهِرَةٌ في أنَّ الحَشْرَ يَكُونُ بِأجْزاءِ البَدَنِ الأصْلِيَّةِ لا بِبَدَنٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ الأجْزاءُ الأصْلِيَّةُ لِلْبَدَنِ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا؛ إذْ أرْكانُ ذَلِكَ البَدَنِ لَمْ تَكُنِ الأعْمالُ السَّيِّئَةُ مَعْمُولَةً بِها فَلا يَحْسُنُ الشَّهادَةُ بِها مِنها فَلْيُحْفَظْ. وقُرِئَ“يُخْتَمُ”مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ“وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ”بِتاءَيْنِ، وقُرِئَ“ولْتُكَلِّمْنا أيْدِيهِمْ ولِتَشْهَدْ أرْجُلُهُمْ”بِلامِ الأمْرِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ الأعْضاءَ بِالكَلامِ والشَّهادَةِ. ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ طَلْحَةَ أنَّهُ قَرَأ“ولِتُكَلِّمَنا أيْدِيهِمْ ولِتَشْهَدَ" بِلامِ كَيْ والنَّصْبُ عَلى مَعْنى لِتَكْلِيمِ الأيْدِي إيّانا ولِشَهادَةِ الأرْجُلِ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب