الباحث القرآني

﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٠] استمع لتعرف أن القرآن يتصل بعضه ببعض، قال الله تعالى في أول الآيات: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد ٧] ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الحديد ٨]، ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، لما أمرنا أن ننفق مما جعلنا مستخلفين فيه قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: أي شيء يمنعكم؟ والإنفاق في سبيل الله يشمل كل شيء أمر الله بالإنفاق فيه، ففي سبيل الله هنا عامة، وعليه يدخل في ذلك الإنفاق على النفس، والإنفاق على الزوجة، والإنفاق على الأهل، والإنفاق على الفقراء، واليتامى، والإنفاق في سبيل الله، كل ما أمر الله بالإنفاق فيه فهو داخل في هذه الآية، حتى على النفس؟ نعم، إنفاقك على نفسك صدقة، إنفاقك على زوجك صدقة، لكن لاحظ النية؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لسعد بن أبي وقاص: «وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا»[[متفق عليه، البخاري (٥٦) ومسلم (١٦٢٨ / ٥) من حديث سعد بن أبي وقاص.]] لازم، القيد هذا لا بد منه، تبتغي به وجه الله «إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا» أي: أُثبت عليها. إذن ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ما المراد بالإنفاق في سبيل الله؟ كل ما أمر الله بالإنفاق فيه. ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد ١٠] يعني كيف لا تنفق والذي سيرث السماوات والأرض هو الله، ومن جملة (...) مالك الذي بخلت به سيرثه الله عز وجل، فإذا ورث مالك من بعدك فإما أن يرثه صالح فيكون أسعد به منك، وإما أن يرثه مفسد فتكون خلفت له ما يستعين به على إفساده، أفهمتم هذا؟ إذا خلفت المال فإما أن تخلفه إلى من ينفقه في سبيل الله فيكون هو أسعد بمالك منك، وإما أن تخلفه لمفسد يستعين به على معصية الله، فتكون أعنته على معصية الله بما خلفت له من المال. إذن ما هو اللائق بك؟ أن تنفقه في سبيل الله، حتى يكون لك غُنمه، وتسلم من غائلته، لو ورثه من يفسد به. تذكر -يا أخي- عندما تفكر في الإنفاق فيأتيك الشيطان ويأمرك بالبخل ويعدك الفقر، فكر أنك إذا خلفت هذا المال فلا بد أن يورث، لن يُدفَن معك، لا بد أن يورث، ويكون الإرث دائرًا بين الأمرين السابقين اللذين ذكرتهما، وهو إما أن يرثه من ينفقه في سبيل الله فيكون أسعد بمالك منك، وإما أن يرثه من يستعين به على الفساد في الأرض فتكون أنت سببًا للإفساد في الأرض، ولا بد من هذا. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد ١٠]. من أنفق في أيش؟ في سبيل الله، لا يستوي منكم من أنفق في سبيل الله وقاتل، يعني مع من لم ينفق ولم يقاتل، لا يمكن أن يستوي هذا وهذا؛ لأن دين الإسلام دين العدل في العمل والجزاء ، انتبه! دين العدل في أيش؟ في العمل والجزاء، وليس كما يقول المحدَثون المحدِثون أنه دين المساواة، هذا غلط عظيم، لكن يتوسل به أهل الآراء والأفكار الفاسدة إلى مقاصد ذميمة، حتى يقول: المرأة والرجل سواء، والمؤمن والفاسق سواء، والعربي والعجمي سواء، ولا فرق، وسبحان الله! إنك لن تجد في القرآن كلمة المساواة بين الناس، لا بد من فرق، بل أكثر ما في القرآن نفي المساواة ﴿لَا يَسْتَوِي﴾. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩] وآيات كثيرة. فاحذر أن تُتابع فتكون كالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، بدلًا من أن تقول: الدين الإسلامي دين المساواة، قل أيش؟ دين العدل الذي أمر الله به أن يعطَى كل ذي حق حقه، أرأيت المرأة مع الرجل في الإرث سواء ولَّا يختلفون؟ يختلفون، في الدية؟ الدية دية النفس المرأة نصف دية الرجل، في العقيقة، فك الرهان: الذكر ثنتان والأنثى واحدة، في الدين المرأة ناقصة؛ إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم، في العقل المرأة ناقصة: شهادة الرجل بشهادة امرأتين، وهلم جرًّا، الذين ينطقون بكلمة مساواة إذا قررنا هذا وأنه من القواعد الشريعة الإسلامية، ألزمونا بالمساواة في هذه الأمور، وإلا لصرنا متناقضين، فنقول: دين الإسلام هو دين العدل، يعطي كل إنسان ما يستحق، حتى جاء في الحديث: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ»[[أخرجه أبو داود (٤٣٧٥) والنسائي (٧٢٥٣) من حديث عائشة.]]، يعني إذا أخطأ الإنسان الوجيه الشريف في غير الحدود فاحفظ عليه كرامته وأقله، هذا الذي تقيله إذا كان من الشرفاء إقالتك إياه أعظم تربية من أن تجلده ألف جلدة؛ لأنه كما قيل: الكريم إذا أكرمته ملكته، لكن لو جاء إنسان فاسق ماجن هذا اشدد عليه العقوبة واعزره، ولهذا لما كثر شرب الخمر في عهد عمر بن الخطاب ماذا فعل؟ ضاعف العقوبة، بدل أربعين جعلها ثمانين[[أخرجه مسلم (١٧٠٧ / ٣٨) من حديث علي بن أبي طالب.]]. كذلك الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن: «مَنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ –يعني- الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٨٣) والنسائي (٥٦٦١) من حديث ابن عمر ونفر من أصحاب النبي ﷺ.]] لأن هذا ما فيه فائدة، ثلاث مرات نعاقبه ولكن لا فائدة، إذن خير له ولغيره أيش؟ أن يقتل، إذا قتلناه استراح من الإثم، كما قال عز وجل: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران ١٧٨]. الخلاصة: التعبير بأن دين الإسلام دين المساواة غلط ولَّا صح؟ * طلبة: غلط. * الشيخ: غلط، ما هو الصحيح؟ * طلبة: دين العدل. * الشيخ: دين العدل لا شك. العجب أن هؤلاء الذين يقولون هذا الكلام يقولون: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ إِلَّا بِالتَّقْوَى»[[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٤٧٤٩) من حديث أبي سعيد.]] فيتناقضون، الحديث ما نفى مطلقًا قال: إلا بالتقوى، إذن يختلفون بالتقوى ولَّا ما يختلفون؟ يختلفون، ثم إن هذا الحديث أظنه لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه قال: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ»[[أخرجه مسلم (٢٢٧٦ / ١) من حديث واثلة بن الأسقع.]] ففضل، ولا شك عندنا أن العرب -أعني جنس العرب- أفضل من جنس غير العرب، لا شك عندنا في هذا، والدليل على هذا أن الله جعل في العرب أكمل نبوة ورسالة، من؟ محمد ﷺ، أكمل نبوة ورسالة جعلها الله في العرب، وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] فالأجناس تختلف، وقال عليه الصلاة السلام: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٤) ومسلم (٢٣٧٨ / ١٦٨) من حديث أبي هريرة.]]، احذر أن تتابع في العبارات التي ترد من المحدِثين المحدَثين حتى تتأملها وما فيها من الإيحاءات التي تدل على مفاسد ولو على المدى البعيد. أسأل الله أن يهدني وإياكم الصراط المستقيم، وأن يتولانا في الدنيا والآخرة، إنه على كل شيء قدير. * * * ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد ١٠] أي: لا يكونون سواء، الذي أنفق من قبل الفتح.. والمراد بالفتح هنا صلح الحديبية الذي جرى بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبين قريش، وذلك في ذي القعدة من عام ستة من الهجرة، وسُمي فتحًا لأنه صار فيه توسيع للمسلمين، وتوسيع أيضًا للمشركين، اختلط الناس بعضهم ببعض وأمن الناس بعضهم من بعض، حتى يسر الله عز وجل أن نقضت قريش العهد، فكان من بعد ذلك الفتح الأعظم، فتح مكة في السنة الثامنة من ذي الهجرة في رمضان. قال الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ وذلك لأن الأولين أنفقوا وقاتلوا وسبقوا إلى الإسلام، وكان الإسلام في حاجة لهم ولإنفاقهم، فكانوا أفضل ممن أنفق من بعد وقاتل، والله سبحانه وتعالى يجزي بالعدل بين عباده، ولكن لما كان تفضيل السابقين قد يُفهم منه أن لا فضل للاحقين قال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠]، كُلًّا من الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وعدهم الله الحسنى، يعني الجنة. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد ١٠] أي: عليم ببواطن أموركم كظواهرها، لا يخفى عليه شيء، وإذا كان عالمًا بها فسوف يجازي كل عامل بما عمل، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨] المراد بالفتح هنا صلح الحديبية، والمراد بالحسنى: الجنة. إذن كل الصحابة وعدهم الله تعالى الجنة، فنحن نشهد لكل الصحابة أنهم في الجنة، لكن لا نشهد لأحد بعينه إلا من شهد له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب