الباحث القرآني
ولَمّا أمَرَهم بِالإيمانِ والإنْفاقِ، وكانَ الإيمانُ مَعَ كَوْنِهِ الأساسَ الَّذِي لا يَصِحُّ عَمَلٌ بِدُونِهِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن خُسْرانٍ أوْ نُقْصانٍ، فَبَدَأ بِهِ لِذَلِكَ، ورَغَّبَ بِخَتْمِ الآيَةِ بِالإشارَةِ بِالرَّأْفَةِ إلى أنَّ [مَن] تَوَصَّلَ (p-٢٦٧)إلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنَ الإيمانِ أوْ غَيْرِهِ زادَهُ مِن فَضْلِهِ «مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا - إلى قَوْلِهِ: ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» عَطَفَ عَلَيْهِ التَّرْغِيبَ في التَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِالإنْفاقِ مُنْكِرًا عَلى مَن تَرَكَهُ مُوَبِّخًا لِمَن حادَ عَنْهُ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ فانٍ، مُفْهِمًا بِزِيادَةِ ”أنْ“ المَصْدَرِيَّةِ اللَّوْمَ عَلى تَرْكِهِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ يَحْصُلُ ﴿لَكُمْ﴾ في ﴿ألا تُنْفِقُوا﴾ أيْ تُوجِدُوا الإخْراجَ لِلْمالِ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في كُلِّ ما يُرْضِي المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ لِتَكُونَ لَكم بِهِ وصْلَةٌ فَيَخُصَّكم بِالرَّأْفَةِ الَّتِي هي أعْظَمُ الرَّحْمَةِ، فَإنَّهُ ما بَخِلَ [بِهِ] أحَدٌ عَنْ وجْهِ خَيْرٍ إلّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ غَرامَةً في وجْهِ شَرٍّ، وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ باعِثًا عَلى الإنْفاقِ بِأبْلَغِ بَعْثٍ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ﴾ تَأْكِيدًا لِلْعَظَمَةِ بِالنَّدْبِ إلى ذَلِكَ بِاسْتِحْضارِ جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ لا سِيَّما صِفَةُ الإرْثِ المُقْتَضِيَةُ لِلزُّهْدِ في المَوْرُوثِ ﴿مِيراثُ﴾ [أيِ] الإرْثُ والمَوْرُوثُ والمَوْرُوثُ عَنْهُ وغَيْرُ ذَلِكَ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ جَمِيعًا لا شَيْءَ فِيهِما أوْ مِنهُما إلّا هو كَذَلِكَ يَزُولُ عَنِ المُنْتَفِعِ بِهِ ويَبْقى لِلَّهِ بَقاءَ الإرْثِ، ومَن تَأمَّلَ أنَّهُ زائِلٌ هو وكُلُّ ما في يَدِهِ والمَوْتَ مِن ورائِهِ، ويَدَ طَوارِقِ الحَوادِثِ مُطْبِقَةٌ بِهِ، وعَمّا قَلِيلٍ يُنْقَلُ ما في يَدِهِ إلى غَيْرِهِ (p-٢٦٨)هانَ عَلَيْهِ الجُودُ بِنَفْسِهِ ومالِهِ.
ولَمّا رَغَّبَهم في الإنْفاقِ عَلى الإطْلاقِ، رَغَّبَهم في المُبادَرَةِ إلَيْهِ، مادِحًا أهْلَهُ خاصًّا مِنهم أهْلَ السِّباقِ فَقالَ: ﴿لا يَسْتَوِي﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ أهْلَ الإسْلامِ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنكم مَن أنْفَقَ﴾ أيْ أوْجَدَ الإنْفاقَ في مالِهِ وجَمِيعِ قُواهُ وما يَقْدِرُ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الإنْفاقَ في زَمانِ الإيمانِ لا مُطْلَقَ الزَّمانِ، خَصَّ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ الفَتْحِ﴾ أيِ الَّذِي هو فَتْحُ جَمِيعِ الدُّنْيا في الحَقِيقَةِ وهو فَتْحُ مَكَّةَ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِظُهُورِ الدِّينِ [عَلى الدِّينِ] كُلِّهِ لِما نالَ المُنْفِقَ إذْ ذاكَ بِالإنْفاقِ مِن كَثْرَةِ المَشاقِّ لِضِيقِ المالِ حِينَئِذٍ، وذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِ المُنْفِقِ أنْفَذَ بَصِيرَةً ونَفَقَتِهِ أعْظَمَ غِنًى وأشَدَّ نَفْعًا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإنَّهُ أوَّلُ مَن أنْفَقَ ولَمْ يَسْبِقْهُ في ذَلِكَ أحَدٌ، وفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ - كَما حَكاهُ البَغْوِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ.
ولَمّا كانَ المُرادُ بِالإيمانِ خِدْمَةَ الرَّحْمَنِ، وكانَ الإنْفاقُ وإنْ كانَ مُصَدِّقًا لِلْإيمانِ لا يَكْمُلُ تَصْدِيقُهُ إلّا بِبَذْلِ النَّفْسِ قالَ: ﴿وقاتَلَ﴾ أيْ سَعْيًا في إنْفاقِ نَفْسِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ، وحَذَفَ المَنفِيَّ لِلتَّسْوِيَةِ بِهِ وهو [مَن] لَمْ يُنْفِقْ مُطْلَقًا أوْ بِقَيْدِ القَبْلِيَّةِ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ، ولَعَلَّهُ أفْرَدَ الضَّمِيرَ إشارَةً إلى قِلَّةِ السّابِقِينَ.
ولَمّا كانَ نَفْيُ المُساواةِ لا يُعْرَفُ مِنها الفاضِلُ مِن غَيْرِهِ، وقَدْ كانَ (p-٢٦٩)حَذْفُ قَسِيمِ مَن أنْفَقَ لِوُضُوحِهِ والتَّنْفِيرِ مِنهُ ودَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، نَفى اللَّبْسَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المُنْفِقُونَ المُقاتِلُونَ وهُمُ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، المُقَرَّبُونَ مِن أهْلِ الرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ لِمُبادَرَتِهِمْ إلى الجُودِ بِالنَّفْسِ والمالِ ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ وبِعِظَمِ الدَّرَجَةِ يَكُونُ عِظَمُ صاحِبِها ﴿مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ التَّفْضِيلَ عَلى مَن أوْجَدَ الإنْفاقَ والقِتالَ [فِي زَمانٍ بَعْدَ ذَلِكَ، لا عَلى مَنِ اسْتَغْرَقَ كُلَّ زَمانٍ بَعْدَهُ بِالإنْفاقِ والقِتالِ] أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ ولَمّا كانَ التَّفْضِيلُ مُفْهِمًا اشْتِراكَ الكُلِّ في الفَضْلِ، صَرَّحَ بِهِ تَرْغِيبًا في الإنْفاقِ عَلى كُلِّ حالٍ فَقالَ: ﴿وكُلا﴾ أيْ مِنَ القِسْمَيْنِ ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ [أيِ] الَّذِي لَهُ الجَلالُ والكَمالُ والإكْرامُ ﴿الحُسْنى﴾ أيِ الدَّرَجَةَ الَّتِي هي غايَةُ الحُسْنِ وإنْ كانَتْ في نَفْسِها مُتَفاوِتَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”وكُلّ“ وهو أوْفَقُ لِما عُطِفَ عَلَيْهِ.
ولَمّا كانَ زَكاءُ الأعْمالِ إنَّما هو بِالنِّيّاتِ، وكانَ التَّفْضِيلُ مَناطَ العِلْمِ، قالَ مُرَغِّبًا في إحْسانِ النِّيّاتِ مُرَهِّبًا مِنَ التَّقْصِيرِ فِيها: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الشّامِلَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، وقَدَّمَ الجارَّ إعْلامًا بِمَزِيدِ اعْتِناءٍ بِالتَّمْيِيزِ عِنْدَ التَّفْضِيلِ فَقالَ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ تُجَدِّدُونَ عَمَلَهُ عَلى مَرِّ الأوْقاتِ ﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِباطِنِهِ وظاهِرِهِ عِلْمًا لا مَزِيدَ (p-٢٧٠)عَلَيْهِ بِوَجْهٍ، فَهو يَجْعَلُ جَزاءَ الأعْمالِ عَلى قَدْرِ النِّيّاتِ الَّتِي هي أرْواحُ صُوَرِها.
{"ayah":"وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِیرَ ٰثُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا یَسۡتَوِی مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَـٰتَلَۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةࣰ مِّنَ ٱلَّذِینَ أَنفَقُوا۟ مِنۢ بَعۡدُ وَقَـٰتَلُوا۟ۚ وَكُلࣰّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣱ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











