الباحث القرآني

طالب: (...) ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت ٣١ - ٣٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت ٢٨]. يقول المؤلف رحمه الله المفَسِّر: (﴿ذَلِكَ﴾ العذاب الشديد، وأسوأُ الجزاء ﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾ بتحقيق الهمزة الثانية وإبدالها واوًا) يعني أن في ذلك قراءتين؛ الأولى تحقيق الهمزة: ﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾، والثانية قلبُها واوًا: ﴿﴿جَزَاءُ وَعْدِاءِ اللَّهِ﴾ ﴾، وهذا مُطَّرِد في كل همزةٍ بعد واو؛ أن تُحققَ أو تُقْلَبَ واوًا. ومِن ذلك قول المؤذن: الله وكْبر؛ يعني أنَّه يجُوز إبدالُ الهمزة واوًا وتحقيقُها: اللهُ أَكبر، وهذه اللغة تهَوِّنُ علينا ما يفعله بعض المؤذنين من قلبِ الهمزة واوًا، فتجدُهم يقولون: اللهُ وَكبر، كما أنه يهوِّن علينا أيضًا اللغة التي تنصِب الجزأين في (إن) وأخواتها، حيث إن بعض المؤذنين يقول: أشهد أن محمدًا رسولُ الله، فإنَّ نصبَ الجزأين بـ(أن) لغة عربية ثابِتَة. ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾ مَن أعداء الله؟ أعداء الله تعالى هم الذين نصبُوا له العداوة، وذلك بمحاربته بالمعاصي، ومنهم الذين آذَنُوا بحرْبٍ مِن الله ورسوله أكَلَةُ الربا؛ لقولِ الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة ٢٧٨، ٢٧٩]. المهم أن عدُوَّ الله مَن نصبَ له العداوة وذلك بمحاربَته بمعاصيه. وقوله: (﴿النَّارُ﴾ عطف بيان للجزاء المخبَر به عن ذلك، ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ )، يعني: أن كلمة (النار) (عطفُ بيان للجزاء المخبَر به عن ذلك)، فأفادنا أن (ذا) مبتدأ، و(جزاءُ) خبر المبتدأ، و(النار) عطف بيانٍ له ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾، كأنَّ الكلام على إعراب المؤلف انتهى ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾. ثم قال: ﴿النَّارُ﴾ عطف بيان لهذا الجزاء، ويحتمِل أن تكون ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، و﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾ عطف بيان له، لكن ما مشى عليه المؤلف أقرَب للقَواعد. (﴿النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ [فصلت ٢٨] أي: إقامةٌ لا انتقالَ منها) ﴿دَارُ الْخُلْدِ﴾ أضاف الدار إلى الخُلد مِن باب إضافة الموصُوف إلى صفتِه؛ يعني: دار الخلود التي ليس فيها انتقال، ويجوز أن تكون مِن باب إضافة الشيء إلى نوْعِه؛ لأن الدور تنقَسِم إلى أقسام: دورٌ هي دورُ انتقال، ودورٌ هي دار خلد؛ فدُور الانتقال بطْن الأم، والثاني: الحياة الدنيا، والثالث: البرزخ، ودار الخلد هي الأخيرة. ويُذْكَرُ أن أعرابِيًّا سمِع قارئًا يقرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢]، فقال: والله ما الزائر بمُقِيم، وإنَّ هناك دارًا أخرى. وهذا لا شكَّ أنَّه مِن قوة الاستنباط والفهم. (﴿جَزَاءً﴾ منصوب على المصدر بفعله المقَدَّر) منصوب على المصدر، والمصدر لا بد له مِن عامل، والعامل تارة يكون مِن لفْظِ المصدر، وتارة يكون من معناه؛ فإذا قلت: قمتُ وقوفًا، فالعامل مِن معناه، وإذا قلت: وقَفْت وقوفًا، فالعامل مِن لفظه. المقَدَّر يُقَدَّر مِن لفظِه ولا يُقَدَّر مِن معناه؛ لأننا لا نلْجَأُ إلى تقْدِير المعنى إلا إذا وُجِد أمامنا ما يختَلِف في لفظه، وأما إذا لم نجدْ فيُقدَّر مِن لفظه. وعلى هذا فيكون التقدير: يجزون جزاءً، ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾؛ أي: بكونهم يجحَدون، وعلى هذا فـ(ما) هنا مصدرية، ولا تصِحُّ أن تكون موصولة، وقال: (﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ القرآن ﴿يَجْحَدُونَ﴾ ) أي: يُكَذِّبُون، وإنما قدَّرنا يكذبون مِن أجل تعدِّيها بالباء؛ لأن (جَحَدَ) تتعَدَّى بنفسها، فيقال: جَحَدُّت الشيء؛ يعني: أنكَرْتُه، لكن إذا عُدِّي المعمُول بالباء صار الجَحْد مُضَمَّنًا معنى التكذيب؛ أي: بما كانوا يُكَذِّبُون بآياتنا. * في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن جزاءَ أعداء الله هي النار ولا بد، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ﴾، وبَيَّنَ أن هذا الجزاء هو النار. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان خُلْدِ أهل النار فيها؛ لقوله: ﴿دَارُ الْخُلْدِ﴾. وهل التَّخليد مؤَبَّد أو مُؤَقَّت؟ المقطوع به أنه مُؤَبّد؛ لأن الله تعالى صرَّح به في آياتٍ ثلاثة: في النساء، وفي الأحزاب، وفي الجن؛ ففي النساء قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]، وفي سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثباتُ عَدْلِ الله عز وجل، وأنَّه لا يعذِّبُ أحدًا إلا بذنب؛ لقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. * ومن فوائدِها: إثباتُ الأسباب، يستفَاد مِن قوله: ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾؛ لأن الباء هنا للسببية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التكذيب بآياتِ الله رِدَّة؛ لأن الله وصَفَ المكذبين بأنَّهم أعداء، وأنَّ جزاءَهم دارُ الخلد، وهذا أمرٌ متفق عليه؛ أن مَن كذَّبَ الله ورسوله فإنه مرتدٌّ كافر يستتاب، فإن تاب وأقَرَّ، وإلا قُتِل. فإن قال قائل: من المعلوم أن مَن كذَّبَ شيئًا من القرآن فهو مرتدٌّ؛ لأن القرآن ثبَتَ بالتواتر فهل مَن كذَّبَ بشيءٍ من السنة يكون كذلك؟ نقول: إذا صحَتِّ السنة وقال القائل: أنا أعلَم أن هذا مِن كلام الرسول لكنَّه ليس بصحيح، فهذا مرتدٌّ؛ لأنَّه أقَرَّ بصِحَّة نسبتِه إلى الرسول ثم كذَّبَه، أما لو كذَّبَه بناءً على استبعادِ أن يكون صَدَرَ من الرسول ﷺ، فهذا لا يكفُر؛ لأنه متَأَوِّل، لكنه يجِبُ عليه أن ينظُر مرة بعد أخرى؛ حتى يتبَيَّنَ له الأمر. إذن مَن كذَّب شيئًا من القرآن فهو كافر بدون تفصيل؛ لثُبُوت القرآن ثُبوتًا متَوَاتِرًا لا توَاتُر مثله في أي كُتبٍ من الكتب. ومَن كذَّبَ شيئًا من سنة الرسول ﷺ؟ * طالب: (...) صحت نسبته إلى النبي ﷺ ثم كذَّبه، فهو كافر، أما إذا كذَّبها تأولًا وأنكر أن يكون النبي ﷺ قالها، فلا. * الشيخ: نقول: إذا قال: إن هذا كلامُ الرسول حَقًّا لكنَّه ليس بصحيح، فهو كافِر؛ لأنه كَذَّب ما اعتَرَفَ بأنه قولُ رسولِ الله، وأما إذا قال: لا، أنا، إنه ينكِرُه؛ لأنه لم يثْبُتْ عنده، فإنه لا يكفر وإن ثبَتَ عند غيرِه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن آياتِ الله عز وجل بيِّنَة ظاهرة لا يمكن أن يُكَذِّبَ بها أحد؛ لقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، وتخصيص المؤلف رحمه الله ذلك بالقرآن فيه شيءٌ من النظر بل يقال: إنَّه أعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ عظمة الله، حيث أتَى بضميرِ الجمع ولم يقل: بآياتي بل قال: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، ولا شك أن الله تعالى له العظمة المطلقة مِن كُلِّ وجه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب