الباحث القرآني

﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٦ - ٨] يعني: ثم في ذلك الوقت في ذلك الموقف العظيم تُسألون عن النعيم. واختلف العلماء رحمهم الله في قوله: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ هل المراد الكافر أم المراد المؤمن والكافر، والصواب أن المراد المؤمنُ والكافرُ، كلٌّ يُسأل عن النعيم، لكن الكافر يُسأل سؤالَ توبيخٍ وتقريعٍ، والمؤمن يُسأل سؤالَ تذكيرٍ، والدليل على أنه عامٌّ ما جرى في قصَّة النبي ﷺ وأبي بكرٍ وعمر «حيثُ خرجوا ذات يومٍ من الجوع، فذهبوا إلى بُستانِ رجُلٍ يُقال له أبو الهيثم بن التَّيِّهان فاستأذنوا، فقال النبي ﷺ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ»، وكانت امرأتُه وراءَ الباب فلمْ تَرُدَّ عليهم، فقال: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ»، فلمْ تَرُدَّ، فقال: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ»، فلمْ تَرُدَّ، فانصرفَ النبيُّ ﷺ وأصحابُه»؛ لأن الإنسان إذا استأذن ثلاثًا ولم يؤذَن له فإنه يَرْجِع، «فلَحِقَتْهم وقالت: إنِّي سمعتُ سلامَكم، ولكنِّي أحببتُ أن أزداد في الخير.» يعني الرسول يدعو بالسلام عليهم، أحبَّتْ أنَّه يتكرَّر دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام لهم، «فرجعوا فسألوا عن زوجها فقالت: إنه ذهبَ يستعذِبُ الماءَ -أي: يأتي بالماء العذب الطيِّب- فجلسوا، ثم جاء الرجُل ففرح بهم فرحًا عظيمًا وقال: إنه لا أحدَ أَكْرمُ أضيافًا منِّي اليوم، ثم قَطَعَ لهم عِذْقًا من نَخْلٍ وأتى به وألقاه بين أيديهم، فقال النبي ﷺ: «هَلَّا جَنَيْتَ؟». (جَنَيْتَ) يعني خَرَفْتَ، وتعلمون أن الخراف أن يأخذ الإنسانُ الرُّطَبَ فقط، «فقال: أردتُ يا رسول الله أن يكون بين أيديكم البُسر والرُّطَب والمذنِّب». لأن العِذْق يشمل هذا وهذا، يشمل كلَّ الثلاثة، «فأكلوا، ثم دَعَوْا بالماء فشَرِبوا، فقال رسول الله ﷺ: «مَاءٌ طَيِّبٌ، وَطَعَامٌ طَيِّبٌ، وَظِلٌّ طَيِّبٌ، لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ»[[أخرج أبو يعلي (٢٥٠) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله ﷺ عند الظهيرة، فوجد أبا بكر في المسجد، فقال: «ما أخرجك هذه الساعة؟». قال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله. وجاء عمر بن الخطاب فقال: «يا ابن الخطاب، ما أخرجك؟». قال: أخرجني الذي أخرجكما يا رسول الله. فقعد عمر، وأقبل رسول الله ﷺ يحدِّثهما، ثم قال: «هل بِكُما من قوَّة فتنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان طعامًا وشرابًا وظلًّا؟». قلنا: نعم. قال: «مُرُّوا بنا إلى منزل ابن التَّيِّهان أبي الهيثم الأنصاري». فتقدَّم رسول الله ﷺ بين أيدينا فسلَّم فاستأذن ثلاث مرَّاتٍ، وأمُّ الهيثم وراء الباب تسمع الكلام وتريد أن يزيدها رسول الله ﷺ، فلمَّا أراد رسول الله ﷺ أن ينصرف خرجتْ أمُّ الهيثم تسعى خلفهم فقالت: يا رسول الله، قد واللهِ سمعتُ تسليمك، ولكنِّي أردتُ أن تزيدنا من سلامك. فقال لها رسول الله ﷺ خيرًا، وقال: «أين أبو الهيثم؟ ما أراه». قالت: هو قريبٌ، ذهب يستعذبُ لنا من الماء، ادخلوا فإنَّه يأتي الساعةَ إن شاء الله. فبسطتْ لهم بساطًا تحت شجرةٍ، فجاء أبو الهيثم وفَرِح بهم وقرَّت عينُه بهم، وصَعِد على نخلةٍ فَصَرمَ لهم عِذْقًا، وقال رسول الله ﷺ: «حسْبُك يا أبا الهيثم». قال: يا رسول الله، تأكلون من بُسْره ومن رُطَبه ومن تَذْنوبه. ثم أتاهم بماء فشربوا عليه، فقال رسول الله ﷺ: «هذا من النعيم الذي تُسألون عنه ...» الحديث. وفي حديث أبي هريرة عند الترمذي (٢٣٦٩): فقال النبي ﷺ: «أفلا تنقَّيتَ لنا من رُطَبه؟». فقال: يا رسول الله، إني أردتُ أن تختاروا. أو قال: تخيَّروا من رُطَبه وبُسره. فأكلوا وشربوا من ذلك الماء ...» الحديث.]]، وهذا دليل على أن الذي يُسأل المؤمن والكافر، لكن يختلف السؤال؛ سؤال المؤمن سؤال أيش؟ تذكير بنعمة الله عز وجل عليه؛ حتى يفرح ويعلم أن الذي أَنْعَمَ عليه في الدنيا ينعم عليه في الآخرة؛ بمعنى أنه إذا تكرَّمَ بنعمته عليه في الدنيا تكرَّمَ عليه بنعمته في الآخرة، أمَّا الكافر فإنه سؤال توبيخٍ وتنديم. نسأل الله تعالى أن يستعملنا وإيَّاكم في طاعته، وأن يجعل ما رزقنا مَعُونًا على طاعته، إنَّه على كل شيء قدير.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب