الباحث القرآني
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ .
أصْلُ النَّعِيمِ كُلُّ حالٍ ناعِمَةٍ مِنَ النُّعُومَةِ واللُّيُونَةُ، ضِدُّ الخُشُونَةِ واليُبُوسَةِ، والشَّدائِدِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] .
ثُمَّ قالَ: ﴿إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، فَقابَلَ النِّعْمَةَ بِالضُّرِّ.
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾ [هود: ١٠] .
وَعَلى هَذا فَإنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَدِيدَةٌ، كَما قالَ: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [النحل: ١٨] .
وَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ كُلَّ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ، فَهو مِن قَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا الحَصْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا تُحْصُوها﴾ .
وَأُصُولُ هَذِهِ النِّعَمُ أوُّلُها الإسْلامُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] .
وَيَدْخُلُ فِيها نِعَمُ التَّشْرِيعِ والتَّخْفِيفِ، عَمّا كانَ عَلى الأُمَمِ الماضِيَةِ.
(p-٨٤)كَما يَدْخُلُ فِيها نِعْمَةُ الإخاءِ في اللَّهِ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
وَثانِيها: الصِّحَّةُ، وكَمالُ الخِلْقَةِ والعافِيَةِ، فَمِن كَمالِ الخِلْقَةِ الحَواسُّ ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿وَلِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٨ - ٩] .
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] .
وَثالِثُها: المالُ في كَسْبِهِ وإنْفاقِهِ سَواءٌ، فَفي كَسْبِهِ مِن حِلِّهِ نِعْمَةٌ، وفي إنْفاقِهِ في أوْجُهِهِ نِعْمَةٌ.
هَذِهِ أُصُولُ النِّعَمِ، فَماذا يُسْألُ عَنْهُ، مِنها جاءَتِ السُّنَّةُ بِأنَّهُ سَيُسْألُ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا.
أمّا عَنِ الدِّينِ والمالِ والصِّحَّةِ، فَفي مُجْمَلِ الحَدِيثِ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، لا تَزُولُ قَدَمُ عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أبْلاهُ، وعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ عَمَلٌ بِهِ، وعَنْ مالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وفِيمَ أنْفَقَهُ، وعَنْ شَبابِهِ فِيمَ أفْناهُ» .
وَلِعِظَمِ هَذِهِ الآيَةِ وشُمُولِهِا، فَإنَّها أصْبَحَتْ مِن قَبِيلِ النُّصُوصِ مَضْرِبَ المَثَلِ، فَقَدْ فَصَّلَتِ السُّنَّةُ جُزْئِيّاتِ ما كانَتْ تَخْطُرُ بِبالِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَقَدْ أوْرَدَ القُرْطُبِيُّ ما جاءَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ أوْ لَيْلَةٍ، فَإذا هو بِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، فَقالَ: ”ما أخْرَجَكُما مِن بُيُوتِكُما هَذِهِ السّاعَةَ ؟“ قالا: الجُوعُ يا رَسُولَ اللَّهِ ! قالَ: ”وَأنا، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِها لَأخْرَجَنِي الَّذِي أخْرَجَكُما، قُومُوا“ فَقامُوا مَعَهُ، فَأتى رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، فَإذا هو لَيْسَ في بَيْتِهِ، فَلَمّا رَأتْهُ المَرْأةُ قالَتْ: مَرْحَبًا ! وأهْلًا ! فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أيْنَ فُلانٌ ؟“ قالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنا مِنَ الماءِ أيْ يَطْلُبُ ماءً عَذْبًا. إذْ جاءَ الأنْصارِيُّ، فَنَظَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وصاحِبَيْهِ، ثُمَّ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، ما أحَدٌ اليَوْمَ أكْرَمُ أضْيافًا مِنِّي. قالَ: فانْطَلَقَ فَجاءَهم بِعَذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وتَمْرٌ ورُطَبٌ، فَقالَ: كُلُّوا مِن هَذِهِ، وأخَذَ المُدْيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إيّاكَ والحَلُوبَ، فَذَبَحَ لَهم. فَأكَلُوا مِنَ الشّاةِ، ومِن ذَلِكَ العِذْقِ، وشَرِبُوا، (p-٨٥)فَلَمّا أنْ شَبِعُوا ورَوُوا، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ:“ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْألُنَّ عَنْ هَذا النَّعِيمِ يَوْمَ القِيامَةِ، أخْرَجَكم مِن بُيُوتِكُمُ الجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتّى أصابَكم هَذا النَّعِيمُ» " وخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَقالَ فِيهِ: «هَذا والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْألُونَ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ظِلٌّ بارِدٌ ورَطْبٌ طَيِّبٌ، وماءٌ بارِدٌ» وكَنّى الرَّجُلُ الَّذِي مِنَ الأنْصارِ فَقالَ: أبُو الهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهانِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قُلْتُ: اسْمُ هَذا الرَّجُلِ مالِكُ بْنُ التَّيِّهانِ، ويُكَنّى أبا الهَيْثَمِ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ هَذِهِ القِصَّةَ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ.
وَمِنها: عِنْدَ أحْمَدَ «أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أخَذَ بِالفَرَقِ وضَرَبَ بِهِ الأرْضَ، وقالَ: ”إنّا لَمَسْئُولُونَ عَنْ هَذا يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، إلّا مِن ثَلاثَةٍ: خِرْقَةٍ لَفَّ الرَّجُلُ بِها عَوْرَتَهُ، أوْ كِسْرَةٍ سَدَّ بِها جَوْعَتَهُ، أوْ جُحْرٍ يَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الحَرِّ والقَرِّ»“ .
وَقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: إنَّ ما سَدَّ الجُوعَ، وسَتَرَ العَوْرَةَ مِن خَشِنِ الطَّعامِ، لا يُسْألُ عَنْهُ المَرْءُ يَوْمَ القِيامَةِ، وإنَّما يُسْألُ عَنِ النَّعِيمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ أسْكَنَ آدَمَ الجَنَّةَ فَقالَ لَهُ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩] .
فَكانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ الأرْبَعَةُ ما يُسَدُّ بِهِ الجُوعُ، وما يُدْفَعُ بِهِ العَطَشُ، وما يُسْكَنُ فِيهِ مِنَ الحَرِّ ويُسْتَرُ بِهِ عَوْرَتُهُ، لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالإطْلاقِ، لا حِسابَ عَلَيْهِ فِيها لِأنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِنها.
وَذُكِرَ عَنْ أحْمَدَ أيْضًا بِسَنَدِهِ " «أنَّهم كانُوا جُلُوسًا فَطَلَعَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ وعَلى رَأْسِهِ أثَرُ ماءٍ، فَقُلْنا:
يا رَسُولَ اللَّهِ، نَراكَ طَيِّبَ النَّفْسِ ؟
قالَ: أجَلْ، قالَ: خاضَ النّاسُ في ذِكْرِ الغِنى، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا بَأْسَ بِالغِنى لِمَنِ اتَّقى اللَّهَ، والصِّحَّةُ لِمَنِ اتَّقى اللَّهَ خَيْرٌ مِنَ الغِنى، وطِيبُ النَّفْسِ مِنَ النِّعَمِ» " .
قالَ: ورَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.
وَبِهَذا، فَقَدْ ثَبَتَ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، أنَّ النَّعِيمَ الَّذِي هو مَحَلُّ السُّؤالِ يَوْمَ القِيامَةِ (p-٨٦)عامٌّ في كُلِّ ما يَتَنَعَّمُ بِهِ الإنْسانُ في الدُّنْيا، حِسًّا كانَ أوْ مَعْنًى.
حَتّى قالُوا: النَّوْمُ مَعَ العافِيَةِ، وقالُوا: إنَّ السُّؤالَ عامٌّ لِلْكافِرِ والمُسْلِمِ، فَهو لِلْكافِرِ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ وحِسابٌ، ولِلْمُؤْمِنِ تَقْرِيرٌ بِحَسَبِ شُكْرِ النِّعْمَةِ وجُحُودِها وكَيْفِيَّةِ تَصْرِيفِها. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَكُلُّ ذَلِكَ يُرادُ مِنهُ الحَثُّ عَلى شُكْرِ النِّعْمَةِ، والإقْرارِ لِلْمُنْعِمِ والقِيامِ بِحَقِّهِ سُبْحانَهُ فِيها، كَما قالَ تَعالى عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ: ﴿رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥] .
اللَّهُمَّ أوْزِعْنا شُكْرَ نِعْمَتِكَ، واجْعَلْ ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيْنا عَوْنًا لَنا عَلى طاعَتِكَ.
{"ayah":"ثُمَّ لَتُسۡـَٔلُنَّ یَوۡمَىِٕذٍ عَنِ ٱلنَّعِیمِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











