الباحث القرآني

﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مُخاطَبٍ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، أيِ اُذْكُرْ وقْتَ ذَلِكَ، واخْتارَ السَّمِينُ كَوْنَهُ مَعْمُولًا لِ (أقْرَرْتُمْ) الآتِي، وضَعَّفَهُ عَبْدُ الباقِي بِأنَّ خِطابَ ﴿أقْرَرْتُمْ﴾ بَعْدَ تَحَقُّقِ أخْذِ المِيثاقِ، وفِيهِ تَرَدُّدٌ، وعَطْفُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ كَما نَقَلَهُ الطَّبَرْسِيُّ بَعِيدٌ. واخْتُلِفَ في المُرادِ مِنَ الآيَةِ، فَقِيلَ: إنَّها عَلى ظاهِرِها ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، قالَ: ”لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ إلّا أخَذَ عَلَيْهِ العَهْدَ في مُحَمَّدٍ ﷺ، لَئِنْ بُعِثَ وهو حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ولَيَنْصُرَنَّهُ، ويَأْمُرُهُ فَيَأْخُذُ العَهْدَ عَلى قَوْمِهِ“ ثُمَّ تَلا الآيَةَ، وعَدَمُ ذِكْرِ الأُمَمِ فِيها حِينَئِذٍ إمّا لِأنَّهم مَعْلُومُونَ بِالطَّرِيقِ الأوْلى أوْ لِأنَّهُ اِسْتَغْنى بِذِكْرِ النَّبِيِّينَ عَنْ ذِكْرِهِمْ، فَفي الآيَةِ اِكْتِفاءٌ ولَيْسَ فِيها الجَمْعُ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ. وقِيلَ: إنَّ إضافَةَ المِيثاقِ إلى النَّبِيِّينَ إضافَةٌ إلى الفاعِلِ، والمَعْنى وإذْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ الَّذِي وثَّقَهُ النَّبِيُّونَ عَلى أُمَمِهِمْ وإلى هَذا ذَهَبَ اِبْنُ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ أصْحابَ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَءُونَ (وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَما آتَيْتُكُمْ) الخ، ونَحْنُ نَقْرَأُ ﴿مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ فَقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ تَعالى مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ، وأشارَ بِذَلِكَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى أنَّهُ لا تَناقُضَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ كَما تُوُهِّمَ حَتّى ظُنَّ أنَّ ذَلِكَ مَنشَأُ قَوْلِ مُجاهِدٍ فِيما رَواهُ عَنْهُ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ أنَّ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ خَطَأٌ مِنَ الكِتابِ، وأنَّ الآيَةَ كَما قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لا يَصْلُحُ ذَلِكَ وحْدَهُ مَنشَأٌ وإلّا لَزِمَ التَّرْجِيحُ بِلا مُرَجِّحٍ بَلِ المَنشَأُ لِذَلِكَ إنْ صَحَّ، ولا أظُنُّ ما يُعْلَمُ بَعْدَ التَّأمُّلِ فِيما أسْلَفْناهُ في المُقَدِّماتِ وبَسَطْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في «اَلْأجْوِبَةُ العِراقِيَّةُ عَنِ الأسْئِلَةِ الإيرانِيَّةِ». وقِيلَ: المُرادُ أُمَمُ النَّبِيِّينَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ؛ وقِيلَ: المُضافُ المَحْذُوفُ أوْلادٌ، والمُرادُ بِهِمْ عَلى الصَّحِيحِ بَنُو إسْرائِيلَ لِكَثْرَةِ أوْلادِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ، وأنَّ السِّياقَ في شَأْنِهِمْ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ المُشارِ إلَيْها، وهي قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أيْضًا، وقِيلَ: المُرادُ وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقًا مِثْلَ مِيثاقِ النَّبِيِّينَ أيْ مِيثاقًا غَلِيظًا عَلى الأُمَمِ، ثُمَّ جَعَلَ مِيثاقَهم نَفْسَ مِيثاقِهِمْ بِحَذْفِ أداةِ التَّشْبِيهِ مُبالَغَةً، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ النَّبِيِّينَ بَنُو إسْرائِيلَ وسَمّاهم بِذَلِكَ تَهَكُّمًا لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أوْلى بِالنُّبُوَّةِ مِن مُحَمَّدٍ لِأنّا أهْلَ الكِتابِ والنَّبِيُّونَ كانُوا مِنّا، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَنِ اِئْتَمَنتَهُ عَلى شَيْءٍ فَخانَ فِيهِ ثُمَّ زَعَمَ الأمانَةَ: يا أمِينُ ماذا صَنَعْتَ بِأمانَتِي؟! وتَعَقَّبَهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا إذْ لا قَرِينَةَ تُبَيِّنُ ذَلِكَ. وأُجِيبَ بِأنَّ القائِلَ بِهِ لَعَلَّهُ (p-210)اَتَّخَذَ مَقالَهُمُ المَذْكُورَ قَرِينَةً حالِيَّةً، وقِيلَ: إنَّ الإضافَةَ لِلتَّعْلِيلِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وإذْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النّاسِ لِأجْلِ النَّبِيِّينَ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَما آتَيْتُكُمْ﴾ الخ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا أيْضًا مِنَ البُعْدِ بِمَكانٍ، وقالَ الشِّهابُ: لَمْ نَرَ مَن ذَكَرَ أنَّ الإضافَةَ تُفِيدُ التَّعْلِيلَ في غَيْرِ كَلامِ هَذا القائِلِ. واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ القَوْلَ الأوَّلَ، وأخْذُ المِيثاقِ مِنَ النَّبِيِّينَ لَهُ ﷺ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ كَلامُ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ أنَّهم لا يُدْرِكُونَ وقْتَهُ لا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ لِما فِيهِ مَعَ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ التَّعْظِيمِ لَهُ ﷺ والتَّفْخِيمِ ورِفْعَةِ الشَّأْنِ والتَّنْوِيهِ بِالذِّكْرِ ما لا يَنْبَغِي إلّا لِذَلِكَ الجَنابِ، وتَعْظُمُ الفائِدَةُ إذا كانَ ذَلِكَ الأخْذُ عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِمْ لا في عالَمِ الذَّرِّ فَإنَّهُ بَعِيدٌ كَبُعْدِ ذَلِكَ الزَّمانِ كَما عَلَيْهِ البَعْضُ، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ بِأخْذِ المِيثاقِ مِنَ الأنْبِياءِ المُوجِبِ لِإيمانِ مَن أدْرَكَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهم بِهِ ما أخْرَجَهُ أبُو يَعْلى عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”لا تَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ عَنْ شَيْءٍ فَإنَّهم لَنْ يَهْدُوكم وقَدْ ضَلُّوا فَإمّا أنْ تُصَدِّقُوا بِباطِلٍ، وإمّا أنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، وإنَّهُ واَللَّهِ لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا بَيْنَ أظْهُرِكم ما حَلَّ لَهُ إلّا أنْ يَتْبَعَنِي“،» وفي مَعْناهُ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ وهي تُؤَيِّدُ بِظاهِرِها ما قُلْنا، ومِن هُنا ذَهَبَ العارِفُونَ إلى أنَّهُ ﷺ هو النَّبِيُّ المُطْلَقُ والرَّسُولُ الحَقِيقِيُّ والمُشَرِّعُ الِاسْتِقْلالِيُّ، وأنَّ مَن سِواهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حُكْمِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ ﷺ. وهَذا وقَدْ عَدُّوا هَذِهِ الآيَةَ مِن مُشْكِلاتِ القُرْآنِ إعْرابًا وقَدْ غاصَ النَّحْوِيُّونَ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ وشَقُّوا الشِّعْرَ فِيهِ، ولْنَذْكُرْ بَعْضَ الكَلامِ في ذَلِكَ، فَنَقُولُ: قالَ غَيْرُ واحِدٍ: اللّامُ في ﴿لَما آتَيْتُكُمْ﴾ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ والتَّخْفِيفِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِأخْذِ المِيثاقِ لِأنَّهُ بِمَعْنى الِاسْتِحْلافِ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُسَهِّلُ تَفَهُّمَ الجَوابِ عَلى السّامِعِ، وعَرَّفَها النُّحاةُ كَما قالَ الشِّهابُ: بِأنَّها اللّامُ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الشَّرْطِ سَواءٌ إنَّ وغَيْرُها لَكِنَّها غَلَبَتْ في إنَّ بَعْدَ تَقَدُّمِ القَسَمِ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا لِتُؤْذِنَ أنَّ الجَوابَ لَهُ لا لِلشَّرْطِ كَقَوْلِكَ: لَئِنْ أكْرَمْتَنِي لَأُكْرِمَنَّكَ، ولَوْ قُلْتَ: أُكْرِمُكَ، أوْ فَإنِّي أُكْرِمُكَ، أوْ ما أشْبَهَهُ مِمّا يُجابُ بِهِ الشَّرْطُ، لَمْ يَجُزْ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ اِبْنُ الحاجِبِ وخالَفَهُ الفَرّاءُ فِيهِ فَجَوَّزَ أنْ يُجابَ الشَّرْطُ مَعَ تَقَدُّمِ القَسَمِ عَلَيْهِ لَكِنَّ الأوَّلَ هو المُصَحَّحُ، وكَوْنُها يَجِبُ دُخُولُها عَلى الشَّرْطِ هو المَشْهُورُ وخالَفَ فِيهِ بَعْضُ النُّحاةِ، قالَ: يَجُوزُ دُخُولُها عَلى غَيْرِ الشَّرْطِ إمّا مُطْلَقًا أوْ بِشَرْطِ مُشابَهَتِهِ لِلشَّرْطِ كَما المَوْصُولَةُ دُونَ الزّائِدَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في سُورَةِ هُودٍ: إنَّهُ لا يَجِبُ دُخُولُها عَلى كَلِمِ المُجازاةِ، ونَقَلَهُ الأزْهَرِيُّ عَنِ الأخْفَشِ، وذَكَرَ أنَّ ثَعْلَبًا غَلَّطَهُ فِيهِ فالمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ. وما شَرْطِيَّةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ (آتَيْتُ) والمَفْعُولُ الثّانِي ضَمِيرُ المُخاطَبِ، و(مِن) بَيانٌ لِما واعْتُرِضَ بِأنَّ حَمْلَ (مِن) عَلى البَيانِ شائِعٌ بَعْدَ المَوْصُولَةِ، وأمّا بَعْدَ الشَّرْطِيَّةِ فَيَحْتاجُ إلى النَّقْلِ، ومِثْلُ ذَلِكَ القَوْلِ بِزِيادَتِها لِأنَّ زِيادَتَها بَعْدَ المَوْصُولَةِ أيْضًا كَزِيادَتِها بَعْدَ الشَّرْطِيَّةِ مُحْتاجٌ لِما ذُكِرَ، وأُجِيبَ بِأنَّ السَّمِينَ نَقَلَ ما يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ عِنْدَ الأئِمَّةِ، وفي «جَنْيِ الدّانِي»: ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ (مِن) تُزادُ بِالشُّرُوطِ في غَيْرِ بابِ التَّمْيِيزِ، وأمّا فِيهِ فَتُزادُ وإنْ لَمْ تَسْتَوْفِ الشُّرُوطَ نَحْوَ لِلَّهِ دَرُّكَ مِن رَجُلٍ، ومِن هُنا قالَ مَوْلانا عَبْدُ الباقِي: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ ذُكِرَتْ لِبَيانِ (ما) الشَّرْطِيَّةِ، أوْ زائِدَةٌ داخِلَةٌ عَلى التَّمْيِيزِ، و﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ جَوابُ القَسَمِ وحْدَهُ عَلى الصَّحِيحِ، ولِدَلالَتِهِ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ واتِّحادِ مَعْناهُما تَسامَحَ بَعْضُهم فَجَعَلَهُ سادًّا مَسَدَّ الجَوابَيْنِ، ولَمْ يَرِدْ أنَّهُ جَوابُ القِسْمِ وجَوابُ الشَّرْطِ لِتَنافِيهِما مِن حَيْثُ إنَّ الأوَّلَ: لا مَحَلَّ لَهُ، والثّانِي: لَهُ مَحَلٌّ، والقَوْلُ بِأنَّ الجُمْلَةَ الواحِدَةَ قَدْ يُحْكَمُ عَلَيْها بِالأمْرَيْنِ بِاعْتِبارَيْنِ اِلْتِزامٌ لِما لا يَلْزَمُ، وجَوَّزُوا كَوْنَ (ما) مَوْصُولَةً واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلَيْها حِينَئِذٍ لامُ الِابْتِداءِ، ويُشْعِرُ كَلامُ البَعْضِ أنَّ اللّامَ بَعْدُ مُوَطِّئَةٌ وكَأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ مَن جَوَّزَ دُخُولَ المُوَطِّئَةِ عَلى غَيْرِ الشَّرْطِ مِنَ النُّحاةِ كَما مَرَّ وهي عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ (p-211)إمّا مُقَدَّرٌ أوْ جُمْلَةُ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ مَعَ القَسَمِ المُقَدَّرِ، والكَلامُ في مِثْلِهِ شَهِيرٌ. وأُورِدُ عَلَيْهِ أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) إنْ عادَ عَلى المُبْتَدَأِ عَلى ما هو الظّاهِرُ كانَ المِيثاقُ هو إيمانَهم بِما آتاهُمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أخْذُ المِيثاقِ بِالإيمانِ بِالرَّسُولِ ﷺ ونَصَّرَتْهُ، وإنْ عادَ عَلى الرَّسُولِ كالضَّمِيرِ الثّانِي المَنصُوبِ العائِدِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا دَفْعًا لِلُزُومِ التَّفْكِيكِ خَلَتِ الجُمْلَةُ الَّتِي هي خَبَرٌ عَنِ العائِدِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَةَ لَمّا كانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى ما هو بِمَعْنى المُبْتَدَأِ المَوْصُولِ، ولِذَلِكَ اِسْتَغْنى عَنْ ضَمِيرِهِ فِيها مَعَ لُزُومِهِ في الصِّلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ في المَشْهُورِ وكانَ ضَمِيرُ (بِهِ) راجِعًا لِلرَّسُولِ مَعَ مُلاحَظَةِ ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ القائِمُ مَقامَ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى (ما) اِكْتَفى بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ عَنْ ضَمِيرٍ في خَبَرِها لِارْتِباطِ الكَلامِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ الإمامِ السُّهَيْلِيِّ في «اَلرَّوْضِ الأُنُفِ»، ولا يَخْفى أنَّهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ مَبْنِيٌّ عَلى اِتِّحادِ ما أُوتُوهُ، وما هو مَعَهُمْ، وفي ذَلِكَ إشْكالٌ لِأنَّ آتَيْناكم وجاءَكم إنْ كانَ كِلاهُما مُسْتَقْبَلَيْنِ فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِما آتَيْناكُمُ القُرْآنُ لِأنَّهُ الَّذِي يُؤْتُوهُ في المُسْتَقْبَلِ بِاعْتِبارِ إيتائِهِ لِلرَّسُولِ الَّذِي كُلِّفُوا بِاتِّباعِهِ وبِما مَعَهُمُ الكُتُبِ الَّتِي أُوتُوها، وحَمْلُهُ عَلى القُرْآنِ يَأْباهُ الذَّوْقُ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ مَعَهم بِحَسَبِ الظّاهِرِ لا يَظْهَرُ حُسْنٌ لِكَوْنِ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لِلْقُرْآنِ وهو لازِمٌ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وإنَّ كانا ماضِيَيْنِ ظَهَرَ الفَسادُ مِن جِهَةِ أنَّ هَذا الرَّسُولَ الَّذِي أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الإيمانَ بِهِ ونُصْرَتَهُ لَمْ يَجِئْ إذْ ذاكَ، وإنْ كانَ الفِعْلُ الأوَّلُ ماضِيًا، والثّانِي مُسْتَقْبَلًا جاءَ عَدَمُ التَّناسُبِ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ وهُما ماضِيانِ لَفْظًا، وفِيهِ نَوْعُ بُعْدٍ، ولَعَلَّ المُجِيبَ يَخْتارُ هَذا الشَّقَّ ويَتَحَمَّلُ هَذا البُعْدَ لِما أنَّ ثُمَّ مَعَ كَوْنِهِ لا يُعْبَأُ بِمِثْلِهِ لِضَعْفِهِ تُهَوِّنُ أمْرَهُ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ كَوْنَ الخَبَرِ ﴿مِن كِتابٍ﴾ أيِ الَّذِي آتَيْتُكُمُوهُ مِنَ الكِتابِ، وجَعَلَ النَّكِرَةَ هُنا كالمَعْرِفَةِ وسَوَّغَ كَوْنَ العائِدِ عَلى المَوْصُولِ مِنَ المَعْطُوفِ مَحْذُوفًا أيْ جاءَكم بِهِ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ شُرُوطِ حَذْفِ مِثْلَ هَذا الضَّمِيرِ عِنْدَ الجُمْهُورِ بَلْ مَعَ خَلَلٍ في المَعْنى لِأنَّ المُؤْتى كِتابُ كُلِّ نَبِيٍّ في زَمانِ بَعْثَتِهِ وشَرِيعَتِهِ؛ والجائِي بِهِ الرَّسُولُ هو القُرْآنُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لا كِتابُ كُلِّ نَبِيٍّ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ المُقَدَّرِ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ، وعَلى تَقْدِيرِ اِلْتِزامِ كَوْنِ المُؤْتى القُرْآنَ أيْضًا كَما يَقْتَضِيهِ حَمْلُ الفِعْلَيْنِ عَلى الِاسْتِقْبالِ يُرَدُّ أنَّهُ لا مَعْنى لِمَجِيءِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ بِالقُرْآنِ بَعْدَ إيتائِهِمُ القُرْآنَ بِمُهْلَةٍ، والعَطْفُ بِ ثُمَّ كالنَّصِّ بِهَذا المَعْنى، وعَلى تَقْدِيرِ اِلْتِزامِ كَوْنِ الجائِي بِهِ الرَّسُولُ هو كِتابَ كُلِّ نَبِيٍّ بِنَوْعٍ مِنَ التَّكَلُّفِ يَكُونُ وصْفُ الرَّسُولِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم كالمُسْتَغْنِي عَنْهُ، فَتَدَبَّرْ. وقَرَأ حَمْزَةُ (لِما آتَيْتُكُمْ) بِكَسْرِ اللّامِ عَلى أنْ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ واللّامُ جارَّةٌ أجَلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِ لَتُؤْمِنُنَّ، أيْ لِأجْلِ إيتائِي إيّاكم بَعْضَ الكِتابِ ثُمَّ مَجِيءِ رَسُولٍ مُصَدِّقٍ لَهُ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ، واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ إعْمالُ (ما) بَعْدَ لامِ القَسَمِ فِيما قَبْلَها وهو لا يَجُوزُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ فَإنَّ ظاهِرَ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ يُشْعِرُ بِجَوازِهِ ولَعَلَّ مَن يَمْنَعُهُ يَخُصُّهُ بِما إذا لَمْ يَكُنِ المَعْمُولُ المُتَقَدِّمُ ظَرْفًا لِأنَّ ذاكَ يُتَوَسَّعُ فِيهِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِ، نَعَمِ الأوْلى حَسْمًا لِلنِّزاعِ تَعَلُّقُهُ بِ أُقْسِمُ المَحْذُوفِ، وجُوِّزَ أنَّ تَكُونَ (ما) في هَذِهِ القِراءَةِ مَوْصُولَةً أيْضًا، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِ أخَذَ. ورَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قَرَأ (لَمّا آتَيْتُكُمْ) بِالتَّشْدِيدِ، وفِيها اِحْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ ظَرْفِيَّةً بِمَعْنى حِينَ كَما قالَهُ الجُمْهُورُ خِلافًا لِسِيبَوَيْهِ، وجَوابُها مُقَدَّرٌ مِن جِنْسِ جَوابِ القَسَمِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، أيْ لَمّا آتَيْتُكم بَعْضَ الكِتابِ والحِكْمَةِ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ وجَبَ عَلَيْكُمُ الإيمانُ بِهِ ونُصْرَتُهُ، وقَدَّرَهُ اِبْنُ عَطِيَّةَ مِن جِنْسِ ما قَبْلَها أيْ لَمّا كُنْتُمْ بِهَذِهِ الحالِ رُؤَساءَ النّاسِ وأماثِلِهِمْ أُخِذَ عَلَيْكُمُ المِيثاقُ، وكَذا وقَعَ في «تَفْسِيرِ الزَّجّاجِ»، ومَآلُ مَعْناها التَّعْلِيلُ، الثّانِي: أنَّ أصْلَها مِن (ما) فَأُبْدِلَتِ (p-212)النُّونُ مِيمًا لِمُشابَهَتِها إيّاها فَتَوالَتْ ثَلاثُ مِيماتٍ فَحُذِفَتِ الثّانِيَةُ لِضَعْفِها بِكَوْنِها بَدَلًا وحُصُولِ التَّكْرِيرِ بِها، ورَجَّحَهُ أبُو حَيّانَ في «اَلْبَحْرِ». وزَعَمَ اِبْنُ جِنِّيٍّ أنَّها الأوْلى، ونَظَرَ فِيهِ الحَلَبِيُّ، و(مِن) إمّا مَزِيدَةٌ في الإيجابِ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، وإمّا تَعْلِيلِيَّةٌ عَلى ما اِخْتارَهُ اِبْنُ جِنِّيٍّ، قِيلَ: وهو الأصَحُّ لِاتِّضاحِ المَعْنى عَلَيْهِ ومُوافَقَتِهِ لِقِراءَةِ التَّخْفِيفِ، واللّامُ إمّا زائِدَةٌ أوْ مُوَطِّئَةٌ بِناءً عَلى عَدَمِ اِشْتِراطِ دُخُولِها عَلى أداةِ الشَّرْطِ. وقَرَأ نافِعٌ (آتَيْناكُمْ) عَلى لَفْظِ الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ، والباقُونَ (آتَيْتُكُمْ) عَلى التَّوْحِيدِ، ولِكُلٍّ مِنَ القِراءَتَيْنِ حُسْنٌ مِن جِهَةٍ، فافْهَمْ ذاكَ، فَبَعِيدٌ أنْ تَظْفَرَ بِمِثْلِهِ يَداكَ. (قالَ) أيِ اللَّهُ تَعالى لِلنَّبِيِّينَ وهو بَيانٌ لَأخْذِ المِيثاقِ، أوْ مَقُولٌ بَعْدَهُ لِلتَّأْكِيدِ ﴿أقْرَرْتُمْ﴾ بِذَلِكَ المَذْكُورِ ﴿وأخَذْتُمْ﴾ أيْ قَبِلْتُمْ عَلى حَدِّ ﴿إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ﴾، وقِيلَ: مَعْناهُ هَلْ أخَذْتُمْ ﴿عَلى ذَلِكم إصْرِي﴾ عَلى الأُمَمِ، والإصْرُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ العَهْدُ، كَما قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ، وأصْلُهُ مِنَ الإصارِ وهو ما يُعْقَدُ بِهِ ويُشَدُّ، وكَأنَّهُ إنَّما سُمِّي العَهْدُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُشَدُّ بِهِ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ وهو إمّا لُغَةٌ فِيهِ كَ عُبْرٍ وعُبَّرٍ في قَوْلِهِمْ ناقَةٌ عُبْرُ أسْفارٍ أوْ هو بِالضَّمِّ جَمْعُ إصارٍ اُسْتُعِيرَ لِلْعَهْدِ، وجُمِعَ إمّا لِتَعَدُّدِ المُعاهِدِينَ وهو الظّاهِرُ أوْ لِلْمُبالَغَةِ. ﴿قالُوا﴾ اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا عِنْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: قالُوا: ﴿أقْرَرْنا﴾، وكانَ الظّاهِرُ في الجَوابِ أقْرَرْنا عَلى ذَلِكَ إصْرَكَ لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الثّانِيَ اِكْتِفاءً بِالأوَّلِ، (قالَ) أيِ اللَّهُ تَعالى لَهم ﴿فاشْهَدُوا﴾ أيْ فَلْيَشْهَدْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِذَلِكَ الإقْرارِ، فاعْتَبَرَ المُقِرَّ بَعْضًا والشّاهِدَ بَعْضًا آخَرَ، لِئَلّا يَتَّحِدُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ والشّاهِدُ، وقِيلَ: الخِطابُ فِيهِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَطْ أُمِرُوا بِالشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وقِيلَ: لِلْمَلائِكَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ ونُسِبَ إلى سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ﴿وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [ 81 ] أيْ عَلى إقْرارِكم وتَشاهُدِكم عَلى ما يَقْتَضِيهِ المَعْنى لِأنَّهُ لا بُدَّ في الشَّهادَةِ مِن مَشْهُودٍ عَلَيْهِ. وهُنا ما ذَكَرْناهُ لِلْمَقامِ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ اِعْلَمُوا وأنا مَعَكم أعْلَمُ. وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فِيهِ تَوْكِيدٌ وتَحْذِيرٌ عَظِيمٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُ أنا و﴿مَعَكُمْ﴾ حالٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿فاشْهَدُوا﴾ .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب