الباحث القرآني
قوله تعالى: ﴿وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾، أي: وما تنازعتم أيها الناس فيه من شيء فحكمه إلى الله، أي: هو يقضي فيه بما يشاء إما بنص في كتابه، وإما بدليل على النص.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾، أي: ذلكم الذي ذكرت لكم هو ربي وإلهي وإلهكم. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في أموري.
﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، أي: وإليه أرجع في أموري، وأتوب من ذنوبي.
* * *
ثم قال: ﴿فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: هو (خالقهما ومبتدعهما).
﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾، أي: زوجكم ربكم من أنفسكم أزواجاً، يعني: خلق حواء من ضلع آدم.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً﴾ يعني: من الضأن اثنين، ومن المَعْزِ اثنين، ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين.
* * *
ثم قال: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ (أي: بخلقكم فيما جعل لكم من أزواجكم، وبعيشكم فيما جعل لكم من الأنعام).
قال مجاهد: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ (فيه، نسل بعد نسل من الناس والأنعام".
وقال السدي: يذرؤكم: يخلقكم.
وقال ابن عباس: "جعل الله فيه معيشة تعيشون بها".
قال قتادة: يذرؤكم فيه، قال: "عيش من الله جل ثناؤه يعيشكم فيه".
وقال الزجاج: "يذرؤكم فيه أي: يكثركم فيه" (فـ "في") عنده في موضع الباء.
والمعنى على قوله: يكثركم، يخلقكم أزواجاً.
وقال القتبي: يذرؤكم فيه، أي: في الزوج.
(فالمعنى: يخلقكم في بطون الإناث.
وقال علي بن سليمان: "يذرؤكم: ينبتكم من حال إلى حال".
وحكى أبو زيد) وغيره عن العرب، ذرأ الله الخلق يذرؤهم، أي: خلقهم.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الكاف في "كمثله" زائدة للتوكيد لا موضع لها. وموضع "كمثله" كله موضع نصب خبر "ليس".
وقيل المعنى: ليس هو شيء، ولكن دخلت "المثل" في الكلام للتوكيد.
* * *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾، أي: السميع لما ينطق به من خلقه من قول، البصير بأعمالهم، لا يخفى عليه منها شيء.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: له مفاتيح خزائن السماوات والأرض. وواحد المقاليد إقليد وجمع على مقاليد على غير قياس كمحاسن، والواحد حسن. وقيل: واحدها مقليد. فهذا على لفظ الجمع.
فتحقيق المعنى: بيده خزائن الخير والشر. فما يفتح من رحمته فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده .
قال مجاهد: مقاليد: مفاتيح بالفارسية.
* * *
وقوله: ﴿يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾، أي: يوسع الرزق على من يشاء من عباده، ويضيق على من يشاء، يفعل ما يريد، ويعلم مصالح خلقه فيوسع على من لا تصلح حاله إلا (بالتوسيع) (ويضيق على من لا تصلح حاله إلا بالتضييق). ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، أي: عالم بأحوال خلقه وما يصلحهم.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً﴾ (أي: بيَّن الله لكم أيها الناس من الدين ما وصى به نوحاً) أن يعمله.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ يا محمد، أي: وشرع لكم من الدين الذي أوحينا إليك يا محمد، وهو كتاب الله عز وجل.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ﴾، أي: وشرع لكم من الدين أن أقيموا الدين.
"فأن" في موضع نصب على البدل من "ما" في قوله: ﴿مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً﴾. فالتقدير: شرع لكم أن أقيموا الدين.
ويجوز أن يكون "أن" في موضع (رفع على معنى هو: أن أقيموا الدين.
ويجوز أن تكون في موضع خفض على البدل من الهاء في "به") قال أبو العالية: الذي وصى به نوحاً الإخلاص لله عز وجل، وعبادته لا شريك له.
قال الحكيم: جاء نوح بالشريعة وتحريم الأمهات والبنات والأخوات.
وقال قتادة: جاء نوح بالشريعة بتحليل الحلال وتحريم الحرام.
* * *
وقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ﴾: معناه: اعملوا به على ما شرع لكم وفرض عليكم.
وقال السدي: اعملوا ولا تتفرقوا فيه (فتختلفوا فيه) كما اختلف الأحزاب من قبلكم.
فتحقيق المعنى في [الآية: ﴿شَرَعَ لَكُم﴾] أن أقيموا [لله الدين] الذي ارتضاه لأنبيائه، ولا تتفرقوا فتؤمنوا ببعض الرسل وتكفروا ببعض. وهذا الدين هو الإسلام.
ومذهب أكثر المفسرين أن نوحاً ﷺ أول من جاء بالشريعة من تحريم الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾، أي: عظم يا محمد على المشركين من قومك ما تدعوهم إليه من الإخلاص لعبادة الله عز وجل، والإقرار له بالألوهية، والبراءة مما سواه من الآلهة.
وقال قتادة: كبر على المشركين شهادة ألا إله إلا الله.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ﴾، أي: يصطفي لدينه من يشاء من خلقه، ويختار لولايته ودينه من أحب، قال السدي: يستخلص من يشاء، وقال أبو العالية: يخلص من الشرك من يشاء.
والتقدير: الله يجتبي إليه من يشاء أن يجتبيَه.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾، أي: ويوفق للعمل بطاعته من يتوب إليه من الشرك.
* * *
وقوله: ﴿وَعِيسَىٰ﴾ وقف إن جعلت "أن أقيموا" في موضع رفع على الابتداء، فإن جعلت "أن" بدلاً مما قبله لم تقف إلا على ﴿فِيهِ﴾ أو على: ﴿إِلَيْهِ﴾.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾، أي: وما تفرق المشركون في أديانهم فصاروا أحزاباً إلا من بعد ما جاءهم العلم، أي: إن الذي جاءتهم به الأنبياء هو الدين الحق، فتفرقوا من أجل البغي (من بعدما جاءهم الحق.
وقيل: المعنى: ما تفرق قريش عن الإيمان بما جئتم به يا محمد إلا من أجل البغي عليك) من بعد ما جاءهم القرآن دلالة على صحة ما جئتهم به.
وقيل معنى: بغياً بينهم، أي: بغياً من بعضهم على بعض وحسداً وعداوة على طلب الدنيا.
وقيل: المعنى: ما تفرق مشركو قريش إلا من بعد ما جاءهم العلم وذلك أنهم كانوا يتمنون أن يبعث إليهم نبي. فلما بعث إليهم محمد ﷺ كفروا به. وهو مثل قوله: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ..﴾ [فاطر: ٤٢] الآية.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ﴾، أي: لولا أن الله عز وجل أخر عذابهم - في سابق علمه - إلى يوم القيامة لقضي بينهم فيما اختلفوا فيه، فيهلك الكافر وينجي المؤمن.
قال الزجاج: الكلمة: ﴿بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾. قال السدي: يوم القيامة.
وقال الطبري: معناه: لولا قول سبق: يا محمد من ربك ألا يعاجلهم بالعذاب لقضي بينهم، ولكنه أخر ذلك إلى يوم القيامة.
* * *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾، أي: وإن الذين أورثوا الكتاب من بعد هؤلاء المختلفين في الحق لفي شك منه، يعني: اليهود والنصارى.
والكتاب هنا: التوراة والإنجيل.
ومعنى: ﴿لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ أي: لفي شك من الدين الذي وصى الله عز وجل به نوحاً وأوحاه إليك يا محمد وأمرك بإقامته مريب.
وقيل، المعنى: إن اليهود والنصارى الذين أورثت قريش الكتاب من بعدهم، أي: من بعد اليهود والنصارى - لفي شك منه، أي: من القرآن.
وقيل: من محمد ﷺ. فالشك على هذا لليهود والنصارى.
وقيل: هو لقريش، الذين أورثوا الكتاب من بعد اليهود والنصارى وهم في شك من القرآن.
{"ayahs_start":10,"ayahs":["وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِیهِ مِن شَیۡءࣲ فَحُكۡمُهُۥۤ إِلَى ٱللَّهِۚ ذَ ٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّی عَلَیۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَیۡهِ أُنِیبُ","فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَ ٰجࣰا وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَـٰمِ أَزۡوَ ٰجࣰا یَذۡرَؤُكُمۡ فِیهِۚ لَیۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَیۡءࣱۖ وَهُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡبَصِیرُ","لَهُۥ مَقَالِیدُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ یَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن یَشَاۤءُ وَیَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمࣱ","۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّینِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحࣰا وَٱلَّذِیۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ وَمَا وَصَّیۡنَا بِهِۦۤ إِبۡرَ ٰهِیمَ وَمُوسَىٰ وَعِیسَىٰۤۖ أَنۡ أَقِیمُوا۟ ٱلدِّینَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِیهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِینَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَیۡهِۚ ٱللَّهُ یَجۡتَبِیۤ إِلَیۡهِ مَن یَشَاۤءُ وَیَهۡدِیۤ إِلَیۡهِ مَن یُنِیبُ","وَمَا تَفَرَّقُوۤا۟ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَاۤءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡیَۢا بَیۡنَهُمۡۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةࣱ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰۤ أَجَلࣲ مُّسَمࣰّى لَّقُضِیَ بَیۡنَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِینَ أُورِثُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَفِی شَكࣲّ مِّنۡهُ مُرِیبࣲ"],"ayah":"لَهُۥ مَقَالِیدُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ یَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن یَشَاۤءُ وَیَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمࣱ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق