الباحث القرآني

(قاعدة جليلة) الفعل المعدى بالحروف المتعددة لا بد أن لا يكون له مع كل حرف معنى زائد على معنى الحرف الآخر وهذا بحسب اختلاف معاني الحروف فإن ظهر اختلاف الحرفين ظهر الفرق نحو: رغبت عنه ورغبت فيه وعدلت إليه وعدلت عنه وملت إليه وعنه وسعيت إليه وسعيت به وإن تفاوت معنى الأدوات عسر الفرق نحو قصدت إليه وقصدت له وهديته إلى كذا وهديته لكذا وظاهرية النحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر. وأما فقهاء أهل العربية فلا يرتضون هذه الطريقة بل يجعلون للفعل معنى مع الحرف ومعنى مع غيره فينظرون إلى الحرف وما يستدعي من الأفعال فيشربون الفعل المتعدى به معناه هذه طريقة إمام الصناعة سيبويه رحمه الله تعالى وطريقة حذاق أصحابه يضمنون الفعل معنى الفعل لا يقيمون الحرف مقام الحرف وهذه قاعدة شريفة جليلة المقدار تستدعي فطنة ولطافة في الذهن وهذا نحو قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ فإنهم يضمنون (يشرب) معنى (يروى) فيعدونه بالباء التي تطلبها فيكون في ذلك دليل على الفعلين أحدهما: بالتصريح به والثاني: بالتضمن والإشارة إليه بالحرف الذي يقتضيه مع غاية الاختصار. وهذا من بديع اللغة ومحاسنها وكمالها. وهذا أحسن من أن يقال يشرب منها فإنه لا دلالة فيه على الري وأن يقال يروى بها لأنه لا يدل على الشرب بصريحه بل باللزوم، فإذا قال ﴿يشرب بها﴾ دل على الشرب بصريحه، وعلى الري بخلاف الباء، فتأمله. * وقال في (طريق الهجرتين) وقال: ﴿يشرب بها المقربون﴾ ولم يقل: (منها) إشعارًا بأن شربهم بالعين نفسها خالصة لا بها وبغيرها. فضمن "يشرب" معنى يروى، فعدّى بالباءَ، وهذا ألطف مأْخذًا وأحسن معنى من أن يجعل الباء بمعنى (مِن) ولكن يضمن (يشرب) الفعل معنى فعل آخر، فيتعدى تعديته، وهذه طريقة الحذاق من النحاة وهي طريقة سيبويه وأئمة أصحابه. وقال في الأبرار: ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ لأن شرب المقربين لما كان أكمل استعير له الباءُ الدالة على شرب الري بالعين خالصة، ودلالة القرآن ألطف وأبلغ من أن يحيط بها البَشر. * وقال في (حادي الأرواح) وقد اختلف في قوله: ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ فقال: الكوفيون الباء بمعنى (مِن) أي يشرب منها. وقال آخرون: بل الفعل مضمن معنى (يشرب) بها: أي يروى بها، فلما ضمنه معناه عداه تعديته. وهذا أصح وألطف وأبلغ. وقال طائفة: الباء للظرفية والعين اسم للمكان، كما تقول كنا بمكان كذا وكذا. ونظير هذا التضمين قوله تعالى: ﴿مَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ ضمن معنى يهم فعدى تعديته. وقال تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ فأخبر سبحانه عن العين التي يشرب بها المقربون صرفا أن شراب الأبرار يمزج منها، لأن أولئك أخلصوا الأعمال كلها لله، فأخلص شرابهم. وهؤلاء مزجوا فمزج شرابهم. ونظير هذا وقوله تعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ فأخبر سبحانه عن مزاج شرابهم بشيئين بالكافور في أول السورة والزنجبيل في آخرها، فإن في الكافور من البرد وطيب الرائحة وفي الزنجبيل من الحرارة وطيب الرائحة ما يحدث لهم باجتماع الشرابين، ويجيء أحدهما على أثر الآخر حالة أخرى أكمل وأطيب وألذ من كل منهما بانفراده ويعدل كيفية كل منهما بكيفية الآخر وما ألطف موقع ذكر الكافور في أول السورة والزنجبيل في آخرها فإن شرابهم مزج أولا بالكافور وفيه من البرد ما يجيء الزنجبيل بعده فيعدله والظاهر أن الكأس الثانية غير الأولى وأنهما نوعان لذيذان من الشراب. أحدهما مزج بكافور، والثاني مزج بزنجبيل. وأيضا فإنه سبحانه أخبر عن مزج شرابهم بالكافور وبرده في مقابلة ما وصفهم به من حرارة الخوف والإيثار والصبر والوفاء بجميع الواجبات التي نبه على وفائهم بأضعفها وهو ما أوجبوه على أنفسهم بالنذر على الوفاء بأعلاها وهو ما أوجبه الله عليهم ولهذا قال ﴿وَجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ فإن في الصبر من الخشونة وحبس النفس عن شهواتها ما اقتضى أن يكون في جزائهم من سعة الجنة ونعومة الحرير ما يقابل ذلك الحبس والخشونة وجمع لهم بين النضرة والسرور وهذا جمال ظواهرهم وهذا حال بواطنهم كما جملوا في الدنيا ظواهرهم بشرائع الإسلام وبواطنهم بحقائق الإيمان.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب