الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ هذا إخبار عن قول الملائكة لهم، وأما محل ﴿ذَلِكَ﴾ فيجوز أن يكون رفعًا وخبره: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ويجوز أن يكون خبره محذوفًا على تقدير: ذلك جزاؤكم بما قدمت أيديكم، [ويجوز أن يكون محل ذلك نصبًا على معنى: فعلنا ذلك بما قدمت أيديكم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (س).]] وهذا معنى قول الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 1/ 413.]]. و ﴿ذَلِكَ﴾ في هذه الآية بمعنى: هذا، أي: هذا العذاب الذي هو عذاب الحريق بما قدمت أيديكم، وذكرنا جواز أن يكون (ذلك) بمعنى: هذا عند قوله: ﴿الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 1 - 2]. وحكى صاحب النظم في معنى (ذلك) أنه نقيض (لا) فكما أن (لا) ينفي ما قبله [[في (س): (قبلها).]]، فـ (ذلك) تثبيت لما قبله على مناقضته [وكذلك (كلا) نفي لما قبله و (كذلك) تثبيت لما قبله] [[ما بين المعقوفين من (م).]] على مناقضته (كلا). ومعنى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، قال ابن عباس: جرحت قلوبكم [[لم أقف عليه، وما قدمت الأيدي أعم من كسب القلوب. انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 23.]]، قال أهل المعاني: إنما قال: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ مع أن اليد لا تعقل شيئًا للبيان عن أن اعتقاد الكفر بالقلب بمنزلة ما يعمل باليد في الجناية، ولذلك لم يذكر القلوب وإن كان بها معتمد العصيان؛ لأنه قصد إظهار ما تقع به الجنايات في غالب الأمر وتعارف الناس. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ في محل (أن) وجهان: أحدهما: النصب، بمعنى: وبأن الله، قال الفراء: وهذا إذا جعلت (ذلك) نصبًا [[أي تجعله مفعولًا به، والتقدير: فعلنا ذلك.]]، فإن جعلت (ذلك) في موضع رفع [[إما مبتدأ خبره الجملة بعده كما قال أبو حيان في "البحر المحيط" 4/ 506، أو خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: الأمر ذلك، كما قدره النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 681.]] جعلت (أن) في موضع رفع [[اهـ. كلام الفراء، انظر: "معاني القرآن" 1/ 413، وقد تصرف الواحدي في عبارته.]] أيضًا بمعنى: وذلك أن الله [[في محل (أن) وجه ثالث وهو الخفض عطفًا على (ما) في قوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾. انظر: "مشكل إعراب القرآن" ص 317، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 681، و"تفسير ابن جرير" 10/ 23، و"البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 390، وقد رد هذا الوجه أبو السعود في "تفسيره" 4/ 27.]]. ومعنى ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، قال ابن عباس: يريد: تبين سبيل [[ساقط من (م) و (س).]] الهدى، وعرفتم سبيل الرشاد، وتربصتم عن الهجرة، وشككتم في قدرة الله ونصره رسوله [[لم أقف عليه.]]، وهذا الذي ذكره ابن عباس إشارة إلى أن العذاب الذي وقع بهم وقيل لهم: (ذوقوا) استحقوه بكفرهم، وجعل ذلك جزاءً على ما سلف من إجرامهم. والصحيح أن قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ابتداء كلام لا يعود معناه إلى ما قبله من قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾ لأن قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ ليس [[في (س): (ليس بظلام أي: بتعليل .. إلخ)، وهو خطأ.]] بتعليل للعذاب ولا موجب له؛ لأن معناه: نفي الظلم، وإيجاب الحكم بالعدل، لا أنه سبب تعذيبهم فقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ سبب أوجب الحكم بالتعذيب، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ نعت لهذا الحكم أنه عدل، وأنه ليس بجور، وإذا كان كذلك لم يحسن أن يقدر في (أن) الباء [[ذهب إلى تقديرها الفراء في "معاني القرآن" 1/ 413، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 681، والزمخشري 1/ 163، وصرح بأن الباء سببية. وكذلك السمين الحلبي في "الدر المصون" 5/ 619.]]، فيقال: المعنى: وبأن الله، والوجه أن تكون (أن) في موضع رفع، ولهذا قال الكسائي: لو كسرت ألف (أن) على الابتداء كان صوابًا [[يعني من الناحية اللغوية، ولا تجوز القراءة بذلك لعدم ثبوتها، وقد ذكر في قول الكسائي هذا الفخر الرازي في "تفسيره" 15/ 179.]]. فإن قيل: في هذه الآية الله تعالى نفى الظلم عن نفسه، ومن نسب إليه خلق الأفعال ثم استجاز منه العقبة على الذنوب فقد نسب الظلم إليه [[هذا قول المعتزلة، انظر: "تفسير الرازي" 15/ 179، و"الأصول الخمسة" للقاضي عبد الجبار ص 345.]]. قيل: إن له أن يتصرف في ملكه بما يشاء، ومن كان له أن يتصرف في ملكه كما يشاء استحال نسبة الظلم إليه، ولهذا نفى الله -تعالى ذكره- الظلم عن نفسه كيلا يتوهم متوهم أنه مع خلقه كفر الكافر وتعذيبه له ظالم، فنفي ذلك وقال إنه ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ومن لم يسلك هذه الطريقة نسب العجز إلى الباري سبحانه وتعالى [[يقرر المؤلف طريقة الأشاعرة في نفي الظلم عن الله تعالى، وقد اتفق المسلمون على أن الله منزه عن الظلم، ولكن تنازعوا في معناه الذي يجب تنزيه الرب عنه على ثلاثة أقوال: الأول: قول المعتزلة، فقد ذهبوا إلى أن الظلم الذي ينزه عنه الخالق من جنس الظلم الذي ينهى عنه المخلوق، فشبهوا الله بخلقه، وأوجبوا عليه جنس ما يجب على المخلوق. الثاني: قول الأشاعرة وطوائف من أهل الكلام وبعض أهل الحديث: إن الظلم من الله تعالى ممتنع لذاته، لأن الظلم -عندهم-: التصرف في ملك الغير، أو الخروج عن طاعة من تجب طاعته، وهذان ممتنعان في حق الله تعالى. الثالث: قول كثير من أهل السنة وبعض أهل الكلام: إن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فالظلم ممكن لذاته، يمتنع وقوعه من الرب تعالى ولا يفعله؛ لكمال عدله ورحمته وغناه، وعلمه بقبحه، ولإخباره أنه لا يفعله، فالله تعالى لا يضع الأشياء في غير مواضعها، كأن يبخس المحسن شيئًا من إحسانه، أو يحمل عليه من سيئات غيره، أو يعاقبه بلا موجب للعقاب، ونحو ذلك، وهذا القول هو الحق الذي دلت عليه النصوص واللغة. انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 8/ 505 - 510، 17/ 175 - 180، 18/ 137 - 156، و"مختصر الصواعق المرسلة" ص 189 - 206، و"غاية المرام في علم الكلام" ص 244، 245، و"لسان العرب" (ظلم) 5/ 2757. وقول المؤلف رحمه الله: (ومن كان له أن يتصرف في ملكه كما يشاء استحال نسبة الظلم إليه) مردود لما يأتي: أولاً: ما جاء في الحديث القدسي. "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته == بينكم محرمًا". رواه مسلم (2577) كتاب البر والصلة، باب: تحريم الظلم، وأحمد في "المسند" 5/ 160. ففي هذا الحديث دلالة واضحة على أن الظلم ممكن غير مستحيل ولكن الله تنزه عنه وحرّمه على نفسه. ثانيًا: أن الله تعالى تمدح بنفي الظلم عن نفسه كقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46]، وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: 31] ولا يليق بالله تعالى أن يتمدح بنفي المستحيل، وبالأمر الذي لا تمكن القدرة عليه، إذ ليس فيه مدح ولا ثناء ولا فائدة، وإنما يكون المدح بترك الأفعال المذمومة المقدور عليها، فتبين من ذلك أن الله قادر على ما نزه نفسه عنه من الظلم، لكنه لا يفعله لأنه حرمه على نفسه، وتنزه عن فعله. ثالثا: أن الله تعالى: قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: 112]، ومعلوم بداهة أن الخوف من الشيء يستلزم تصور وجوده وإمكانه، أما ما لا يمكن وجوده فيستحيل الخوف منه، فعلم أن ظلم الله لعباده ممكن غير مستحيل، لكنه لا يفعله تنزهًا، فعباده واثقون بعدله، آمنون من جوره. انظر تفصيل ما سبق ذكره في: "مختصر الصواعق المرسلة" ص 189 - 206، و"الأصول الخمسة" للهمداني ص 345 - 354، و"غاية المرام" ص 244.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب