الباحث القرآني

القول في تأويل قوله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: سيحلف، أيها المؤمنون بالله، لكم هؤلاء المنافقون الذين فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله = ﴿إذا انقلبتم إليهم﴾ ، يعني: إذا انصرفتم إليهم من غزوكم [[انظر تفسير " الانقلاب " فيما سلف ١٣: ٣٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿لتعرضوا عنهم﴾ ، فلا تؤنبوهم = ﴿فأعرضوا عنهم﴾ ، يقول جل ثناؤه للمؤمنين: فدعوا تأنيبهم، وخلوهم وما اختاروا لأنفسهم من الكفر والنفاق [[انظر تفسير " الإعراض " فيما سلف ص: ٣٦٩، تعليق: ٦، والمراجع هناك.]] ﴿إنهم رجس ومأواهم جهنم﴾ ، يقول: إنهم نجس [[انظر تفسير " الرجس " فيما سلف ١٢: ١٩٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿ومأواهم جهنم﴾ ، يقول: ومصيرهم إلى جهنم، وهي مسكنهم الذي يأوُونه في الآخرة [[انظر تفسير " المأوى " فيما سلف ص: ٣٦٠، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿جزاء بما كانوا يكسبون﴾ ، [[في المطبوعة والمخطوطة " جزاء بما كانوا يعملون "، سهو من الناسخ فيما أرجح.]] يقول: ثوابًا بأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا من معاصي الله. [[انظر تفسير " الجزاء " فيما سلف من فهارس اللغة (جزى) . = وتفسير "الكسب" فيما سلف من فهارس اللغة (كسب) .]] * * * وذكر أن هذه الآية نزلت في رجلين من المنافقين، قالا ما:- ١٧٠٩٠- حدثنا به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا﴾ ، إلى: ﴿بما كانوا يكسبون﴾ ، وذلك أن رسول الله ﷺ قيل له: ألا تغزو بني الأصفر، [["بنو الأصفر"، هم الروم.]] لعلك أن تصيب بنت عظيم الرُّوم، فإنهنّ حِسان! [[في المطبوعة والمخطوطة " فإنهم حسان " والصواب ما أثبت.]] فقال رجلان: قد علمت، يا رسول الله، أن النساء فتنة، فلا تفتنَّا بهنَّ! فأذن لنا! فأذن لهما. فلما انطلقا، قال أحدهما: إن هو إلا شَحْمةٌ لأوّل آكلٍ! [[" الشحمة "، عنى بها قطعة من " شحم سنام البعير "، وشحمة السنام من أطايب البعير، يسرع إليها الآكل، قال زفر بن الحارث الكلابي: وكُنَّا حَسِبْنا كُلَّ بَيْضَاءَ شَحْمَةً ... لَيالِيَ قارَعْنا جُذَامَ وحمِيرَا فَلَمَّا قَرَعْنا النَّبْعَ بالنَّبْعِ، بَعضَهُ ... بِبَعضٍ، أَبَتْ عِيدانُهُ أَنْ تكَسَّرا وفي المثل: "ما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء تمرة".]] فسار رسول الله ﷺ، ولم ينزل عليه في ذلك شيء، فلما كان ببعض الطريق، نزل عليه وهو على بعض المياه: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ [سورة التوبة: ٤٢] ، ونزل عليه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٤٣] ، ونزل عليه: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [سورة التوبة: ٤٤] ، ونزل عليه: ﴿إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون﴾ . فسمع ذلك رجل ممن غزا مع النبي ﷺ، فأتاهم وهم خلفهم، فقال: تعلمون أنْ قَد نزل على رسول الله ﷺ بعدَكم قرآن؟ قالوا: ما الذي سمعت؟ قال: ما أدري، غير أني سمعت أنه يقول: "إنهم رجس"! فقال رجل يدعى "مخشيًّا"، [[في المخطوطة: " مخشي "، والصواب ما في المطبوعة وهو " مخشي بن حمير الأشجعي "، انظر ترجمته في الإصابة.]] والله لوددت أني أجلد مئة جلدة، وأني لست معكم! فأتى رسول الله ﷺ، فقال: ما جاء بك؟ فقال: وجْهُ رسول الله ﷺ تسفَعه الريح، وأنا في الكِنّ!! [["سفعته النار، والشمس، والسموم، تسفعه سفعًا "، لفحته لفحًا يسيرًا فغيرت لون بشرته وسودته. و "الكن" (بكسر الكاف) : ما يرد الحر والبرد من الأبنية والمساكن، وكل ما ستر من الشمس والسموم فهو كن.]] فأنزل الله عليه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ [سورة التوبة: ٤٩] ، ﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [سورة التوبة: ٨١] ، ونزل عليه في الرجل الذي قال: "لوددت أني أجْلد مئة جلدة" قولُ الله: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنزلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [سورة التوبة: ٦٤] ، فقال رجل مع رسول الله: لئن كان هؤلاء كما يقولون، ما فينا خير! فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ، فقال له: أنت صاحب الكلمة التي سمعتُ؟ " فقال: لا والذي أنزل عليك الكتاب! فأنزل الله فيه: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [سورة التوبة: ٧٤] ، وأنزل فيه: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ ، [سورة التوبة: ٤٧] . ١٧٠٩١- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعبَ بن مالك يقول: لما قدم رسول الله ﷺ من تبوك، جلس للناس. فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيَتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، وصَدَقته حديثي. فقال كعب: والله ما أنعم الله عليّ من نعمة قطُّ، بعد أن هداني للإسلام، أعظمَ في نفسي من صدْق رسول الله ﷺ، أن لا أكون كذبتُه فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي، [[في المطبوعة والمخطوطة: " حين أنزل الوحي ما قال لأحد "، بإسقاط " شر "، وهو لا يستقيم، وأثبته من نص روايته في صحيح مسلم.]] شرَّ ما قال لأحد: ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون﴾ ، إلى قوله: ﴿فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾ . [[الأثر: ١٧٠٩١ - هذا مختصر من الخبر الطويل في توبة كعب بن مالك، رواه مسلم في صحيحه ١٧: ٨٧ - ١٠٠، من هذه الطريق، وقد مضى جزء آخر منه برقم: ١٦١٤٧.]]
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب