الباحث القرآني
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد ﷺ:" ولو ترى"، يا محمد، هؤلاء العادلين بربهم الأصنامَ والأوثانَ، الجاحدين نبوّتك، الذين وصفت لك صفتهم ="إذ وُقفوا"، يقول: إذ حُبِسوا ="على النار"، يعني: في النار- فوضعت"على" موضع"في" كما قال: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [سورة البقرة: ١٠٢] ، بمعنى في ملك سليمان. [[انظر تفسير"على" بمعنى"في" فيما سلف ١: ٢٩٩/ ٢: ٤١١، ٤١٢/١١: ٢٠٠، ٢٠١ ومواضع أخرى، التمسها في فهارس النحو والعربية.]]
* * *
وقيل:"ولو ترى إذ وقفوا"، ومعناه: إذا وقفوا = لما وصفنا قبلُ فيما مضى: أن العرب قد تضع"إذ" مكان"إذا"، و"إذا" مكان"إذ"، وإن كان حظّ"إذ" أن تصاحب من الأخبار ما قد وُجد فقضي، وحظ"إذا" أن تصاحب من الأخبار ما لم يوجد، [[انظر"إذا" و"إذ" فيما سلف ص: ٢٣٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ولكن ذلك كما قال الراجز، وهو أبو النجم:
مَدَّ لَنَا فِي عُمْرِهِ رَبُّ طَهَا ... ثُمَّ جَزَاهُ اللهُ عَنَّا إذْ جَزَى
جَنَّاتِ عَدْنٍ فِي العَلالِيِّ العُلَى [[مضى بيتان منها فيما سلف ص: ٢٣٥، والبيت الأول من الرجز، في اللسان (طها) وقال: "وإنما أراد: رب طه، فحذف الألف". وكان رسم"طها" في المطبوعة والمخطوطة: "طه"، فآثرت رسمها كما كتبها صاحب اللسان (طها) .]]
فقال:"ثم جزاه الله عنا إذ جزى" فوضع،"إذ" مكان"إذا".
* * *
وقيل:"وقفوا"، ولم يُقَل:"أُوقِفوا"، لأن ذلك هو الفصيح من كلام العرب. يقال:"وقَفتُ الدابة وغيرها"، بغير ألف، إذا حبستها. وكذلك:"وقفت الأرضَ"، إذا جعلتها صدقةً حَبيسًا، بغير ألف، وقد:-
١٣١٧٩- حدثني الحارث، عن أبي عبيد قال: أخبرني اليزيديّ والأصمعي، كلاهما، عن أبي عمرو قال: ما سمعت أحدًا من العرب يقول:"أوقفت الشيء" بالألف. قال: إلا أني لو رأيت رجلا بمكانٍ فقلت:"ما أوقفك ها هنا؟ "، بالألف، لرأيته حسنًا. [[الأثر: ١٣١٧٩ - انظر هذا الخبر في لسان العرب"وقف". وكان في المطبوعة: "الحارث بن أبي عبيد"، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة. وقد مضى هذا الإسناد مرارًا.]]
="فقالوا يا ليتنا نردّ"، يقول: فقال هؤلاء المشركون بربهم، إذ حُبسوا في النار:"يا ليتنا نردّ"، إلى الدنيا حتى نتوب ونراجعَ طاعة الله ="ولا نكذب بآيات ربنا"، يقول: ولا نكذّب بحجج ربنا ولا نجحدها ="ونكون من المؤمنين"، يقول: ونكون من المصدّقين بالله وحججه ورسله، متَّبعي أمره ونهيه.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الحجاز والمدينة والعراقيين: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، بمعنى: يا ليتنا نردُّ، ولسنا نكذب بآيات ربنا، ولكنّا نكون من المؤمنين.
* * *
وقرأ ذلك بعض قرأة الكوفة: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، بمعنى: يا ليتنا نرد، وأن لا نكذب بآيات ربنا، ونكونَ من المؤمنين. وتأوَّلوا في ذلك شيئًا:-
١٣١٨٠ - حدثنيه أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن هارون قال: في حرف ابن مسعود: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ﴾ بالفاء.
* * *
وذكر عن بعض قرأة أهل الشام، أنه قرأ ذلك: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ﴾ بالرفع ﴿وَنَكُونَ﴾ بالنصب، كأنه وجَّه تأويله إلى أنهم تمنوا الردَّ، وأن يكونوا من المؤمنين، وأخبروا أنهم لا يكذِّبون بآيات ربهم إن رُدُّوا إلى الدنيا.
* * *
واختلف أهل العربية في معنى ذلك منصوبًا ومرفوعًا.
فقال بعض نحويي البصرة:"ولا نكذِّبَ بآيات ربِّنا ونكونَ من المؤمنين"، نصبٌ، لأنه جواب للتمني، وما بعد"الواو" كما بعد"الفاء". قال: وإن شئت رفعتَ وجعلته على غير التمني، كأنهم قالوا: ولا نكذِّبُ والله بآيات ربنا، ونكونُ والله من المؤمنين. هذا، إذا كان على ذا الوجه، كان منقطعًا من الأوّل. قال: والرفع وجهُ الكلام، لأنه إذا نصب جعلها"واوَ" عطف. فإذا جعلها"واو" عطف، فكأنهم قد تمنوا أن لا يكذِّبوا، وأن يكونوا من المؤمنين. قال: وهذا، والله أعلم، لا يكون، لأنهم لم يتمنوا هذا، إنما تمنوا الردّ، وأخبروا أنهم لا يكذبون، ويكونون من المؤمنين.
* * *
وكان بعض نحويي الكوفة يقول: لو نصب"نكذب" و"نكون" على الجواب بالواو، لكان صوابًا. قال: والعرب تجيب ب"الواو"، و"ثم"، كما تجيب بالفاء. يقولون:"ليت لي مالا فأعطيَك"،"وليت لي مالا وأُعْطيَك"،"وثم أعطيَك". قال: وقد تكون نصبًا على الصَّرف، كقولك:"لا يَسَعُنِي شيء ويعجِزَ عَنك. [["الصرف"، مضى تفسيره فيما سلف ١: ٥٦٩، تعليق: ١/٣: ٥٥٢، تعليق: ١/٧: ٢٤٧، تعليق: ٢.]]
* * *
وقال آخر منهم: لا أحبُّ النصب في هذا، لأنه ليس بتمنٍّ منهم، إنما هو خبرٌ، أخبروا به عن أنفسهم. ألا ترى أن الله تعالى ذكره قد كذَّبهم فقال: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ؟ وإنما يكون التكذيب للخبر لا للتمنِّي.
* * *
وكان بعضهم ينكر أن يكون الجواب"بالواو"، وبحرف غير"الفاء". وكان يقول: إنما"الواو" موضع حال، لا يسعني شيء ويضيقَ عنك"، أي: وهو يضيق عنك. قال: وكذلك الصَّرف في جميع العربية. قال: وأما"الفاء" فجواب جزاء:"ما قمت فنأتيَك"، أي: لو قمت لأتينَاك. قال: فهذا حكم الصرف و"الفاء". قال: وأمّا قوله:"ولا نكذب"، و"نكون" فإنما جاز، لأنهم قالوا:"يا ليتنا نرد"، في غير الحال التي وقفنا فيها على النار. فكان وقفهم في تلك، فتمنَّوا أن لا يكونوا وُقِفُوا في تلك الحال.
* * *
قال أبو جعفر: وكأنّ معنى صاحب هذه المقالة في قوله هذا: ولو ترى إذ وقفوا على النار، فقالوا: قد وقفنا عليها مكذِّبين بآيات ربِّنا كفارًا، فيا ليتنا نردّ إليها فنُوقَف عليها غير مكذبين بآيات ربِّنا ولا كفارًا.
وهذا تأويلٌ يدفعه ظاهر التنزيل، وذلك قول الله تعالى ذكره: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، فأخبر الله تعالى أنهم في قيلهم ذلك كذبة، والتكذيب لا يقع في التمني. ولكن صاحب هذه المقالة أظنُّ به أنَّه لم يتدبر التأويل، ولَزِم سَنَن العربيّة.
* * *
قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أختار غيرها في ذلك: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالرفع في كليهما، بمعنى: يا ليتنا نردّ، ولسنا نكذب بآيات ربِّنا إن رددنا، ولكنا نكون من المؤمنين= على وجه الخبر منهم عما يفعلون إن هم ردُّوا إلى الدنيا، لا على التمنّي منهم أن لا يكذِّبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين. لأن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنهم لو ردُّوا لعادوا لما نهوا عنه، وأنهم كذبة في قيلهم ذلك. ولو كان قيلهم ذلك على وجه التمني، لاستحال تكذيبهم فيه، لأن التمني لا يكذَّب، وإنما يكون التصديقُ والتكذيبُ في الأخبار.
* * *
وأما النصب في ذلك، فإني أظنّ بقارئه أنه توخَّى تأويل قراءة عبد الله التي ذكرناها عنه، [[في المطبوعة: "فإني أظن بقارئه أنه برجاء تأويل قراءة عبد الله"، وهو كلام غث.
وفي المخطوطة: ". . . أنه برحا تأويل قراءة عبد الله" غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت.]] وذلك قراءته ذلك: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، على وجه جواب التمني بالفاء. وهو إذا قرئ بالفاء كذلك، لا شك في صحة إعرابه. ومعناه في ذلك: أن تأويله إذا قرئ كذلك: لو أنّا رددنا إلى الدنيا ما كذَّبنا بآيات ربِّنا، ولكُنَّا من المؤمنين. فإن يكن الذي حَكَى من حكى عن العرب من السماع منهم الجوابَ بالواو، و"ثم" كهيئة الجواب بالفاء، صحيحًا، فلا شك في صحّة قراءة من قرأ ذلك: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ نصبًا على جواب التمني بالواو، على تأويل قراءة عبد الله ذلك بالفاء. وإلا فإن القراءة بذلك بعيدةُ المعنى من تأويل التنزيل. ولستُ أعلم سماعَ ذلك من العرب صحيحًا، بل المعروف من كلامها: الجوابُ بالفاء، والصرفُ بالواو.
{"ayah":"وَلَوۡ تَرَىٰۤ إِذۡ وُقِفُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُوا۟ یَـٰلَیۡتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔایَـٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق