الباحث القرآني
﴿والفَجْرِ﴾ أقسم سبحانه بالصبح، أو بصبح يوم النحر، أو بصلاة الفجر ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ عشر ذي الحجة، أو العشر الأول من المحرم، أو من رمضان ﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ يوم النحر شفع لأنه عاشر، ويوم عرفة وتر لأنه تاسع، أو اليومان من أيام التشريق، والوتر اليوم الثالث، أو الصلاة المكتوبة منها شفع، ومنها وتر، أو الخلق والله، والقول فيهما أكثر لكن الذي أوردناه ما اتفق عليه أكثر السلف والثلاث الأول منقول بالحديث أيضًا ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾: إذا يمضي، أو إذا يُسْرى فيه كقولهم صلّى المقامُ، والمراد ليلة المزدلفة، أو مطلق الليالي ﴿هَلْ في ذَلِكَ﴾: المقسم به من هذه الأشياء ﴿قَسَمٌ﴾: مقسم به ﴿لذِي حِجْرٍ﴾: عقل، فالاستفهام للدلالة على استحقاقها، لأن يعظم بالإقسام بها فيدل على تعظيم المقسم عليه، وتأكيده من طريق الكناية، أو في ذلك القسم قسم له، فللدلالة على أن ذوي العقول يؤكدون بمثله المقسم، فيدل على تأكيد القسم عليه أيضًا، وجواب القسم محذوف نحو: ليعذبن إن لم يومنوا، ويدل عليه قوله: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ أي: عاد الأولى، يعني أولاده سموا باسم أبيهم، وهم الذين بعث الله فيهم هودًا فكذبوه، وأهلكهم ”بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال“ الآية [الحاقة: ٦، ٧] ﴿إرَمَ﴾ عطف بيان لعاد على حذف مضاف، أي: سبط إرم، فإنهم أولاد عاد بن إرم بن عوض بن سام بن نوح، أو عاد بن عوص بن إرم، أو اسم بلدتهم، أي: عاد أهل إرم علم قبيلة أو بلدة فلم ينصرف ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ هم سكان بيوت الشعر التي ترتفع بالأعمدة، أو طوال الأجسام على تشبيه قدهم بالأعمدة، أو أبنية بنوها ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾: مثل تلك القبيلة للقوة وعظم التركيب، وفي الحديث (كان الرجل منهم يأتي على الصخرة، فيلقيها على الحي -أي: القبيلة- فيهلكهم)، وقيل: لم يخلق مثل أبنيتهم، وأما حكاية جنة شداد بن عاد المشهورة المذكورة في أكثر التفاسير فعند المحققين من السلف والمؤرخين أنها من مخترعات بني إسرائيل، ولا اعتبار له ﴿وثَمُودَ الذِينَ جابُوا﴾: قطعوا ﴿الصَّخْرَ بالوادِ﴾: وادي القرى كما قال تعالى: ”وتنحتون من الجبال بيوتًا“ الآية [الشعراء: ١٤٩] ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾: ذي الجنود الكثيرة، أو لأنه يعذب بالأوتاد، أو له جبال وأوتاد يلعب بها عنده ﴿الذِينَ﴾ صفة للمذكورين ﴿طَغَوْا في البِلادِ فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ الإضافة بمعنى من، أي: سوطًا من المعذب به، أي: نصيبًا أو شدة عذاب، فإن السوط عندهم غاية الإهانة ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ هو مكان يترقب فيه الرصد، وهذا تمثيل لإرصاده العباد بالجزاء، وأنّهم لا يفوتونه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما «يرصد خلقه فيما يعملون»، قيل: هو جواب القسم، وما بينهما اعتراض،
﴿فَأمّا الإنسانُ﴾ هو كالمبين لقوله: (إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ) لأنه لما ذكر أنه تعالى يرصد خلقه في أعمالهم يعد بعض ذمائمهم ﴿إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ﴾ أي: امتحنه بالنعمة ﴿فَأكْرَمَهُ﴾ بالمال ﴿ونَعَّمَهُ﴾ بالسعة ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ﴾ دخول الفاء في خبر المبتدأ، لما في (أما) من معنى الشرط، وإذا ظرف ليقول أي: أما الإنسان فيقول وقت ابتلائه بالغنى: ربي أكرمن ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ﴾: اختبره بالفقر ﴿فَقَدَرَ﴾: ضيق ﴿عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ أي: وأما هو فيقول وقت ابتلائه بالفقر: ربي أهانني ﴿كَلّا﴾ ردع عن القطع بأن الغنى إكرام والفقر إهانة، فكثيرًا ما يكون بالعكس ﴿بَل لا تُكْرِمون اليَتِيمَ﴾ أي: بل فعلهم أقبح من قولهم ﴿ولاَ تَحاضُّونَ﴾: يحثون أهلهم ﴿عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أي: على إطعامه ﴿وتَأكُلُونَ التُّراثَ﴾: الميراث ﴿أكْلًا لَمًّا﴾: ذا لَمَّ، أي: جمع بين الحلال والحرام، فإنهم لا يورثون النساء والصبيان ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾: كثيرًا مع الحرص،
﴿كَلّا﴾ ردع لهم عن ذينك وإنكار ثم أتى بالوعيد فقال: ﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾، أي: دكا بعد دكة حتى سويت الأرض والجبال، فلمْ يبق تلال ولا وهاد، ظرف ليتذكر الإنسان ﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾: لفصل القضاء جيئة تليق بقدسه من غير حركة ونقلة ﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ مصطفين محدقين بالجن والإنس ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهًّمَ﴾ في صحيح مسلم «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها»، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، بدل من ”إذا دكت“ ﴿يَتَذكَّرُ الإنسانُ﴾ معاصيه، أو يتعظ ويندم ﴿وأنّى لَهُ﴾ أي: أنى ينفعه فإن اللام للنفع ﴿الذِّكْرى يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ﴾: الأعمال الصالحة ﴿لِحَياتِي﴾: هذه، أو وقت حياتي في الدنيا ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ أي: لا يعذب أحد من الزبانية أحدًا، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل تعذيب الإنسان وإيثاقه فإن عذابه أشد، فضمير عذابه للإنسان والإضافة إلى المفعول، وهذا أرجح الوجوه لكن على هذا يلزم أن عذاب بعض الكفار أشد من عذاب الشياطين، فكأنه كذلك، وكذلك معنى يعذب، ويوثق على قراءة المجهول،
﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ الُمطْمَئِنَّةُ﴾ أي: يقول الله للمؤمن ذلك، المطمئنة: الساكنة الدائرة مع الحق، أو المطمئنة بذكر الله، أو الآمنة من عذاب الله ﴿ارْجِعِي إلى ربِّكِ﴾: إلى جوار الله، وثوابه، يقال لها ذلك عند الاحتضار، وعند البعث، وفيه إشعار بأن النفوس قبل الأبدان كانت موجودة في عالم القدس، وعن بعض من السلف معناه: ارجعى يا نفس إلى صاحبك، أي: بدنك الذي كنت فيه ﴿راضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾: عند الله ﴿فادْخلِي في عِبادِي﴾ أي: في زمرة الصالحين، الذين هم عباد الله على الحقيقة ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ عن سعيد بن جبير: «مات ابن عباس بالطائف فجاء طير لم نر على خلقته، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجًا منه، فلما دفن تليت عليه هذه الآية على شفير القبر لا ندري من تلاها»، رواه الطبراني عن غيره.
والحمد لله حقَّ حمده.
{"ayahs_start":1,"ayahs":["وَٱلۡفَجۡرِ","وَلَیَالٍ عَشۡرࣲ","وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ","وَٱلَّیۡلِ إِذَا یَسۡرِ","هَلۡ فِی ذَ ٰلِكَ قَسَمࣱ لِّذِی حِجۡرٍ","أَلَمۡ تَرَ كَیۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ","إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ","ٱلَّتِی لَمۡ یُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِی ٱلۡبِلَـٰدِ","وَثَمُودَ ٱلَّذِینَ جَابُوا۟ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ","وَفِرۡعَوۡنَ ذِی ٱلۡأَوۡتَادِ","ٱلَّذِینَ طَغَوۡا۟ فِی ٱلۡبِلَـٰدِ","فَأَكۡثَرُوا۟ فِیهَا ٱلۡفَسَادَ","فَصَبَّ عَلَیۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ","إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ","فَأَمَّا ٱلۡإِنسَـٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَیَقُولُ رَبِّیۤ أَكۡرَمَنِ","وَأَمَّاۤ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَیۡهِ رِزۡقَهُۥ فَیَقُولُ رَبِّیۤ أَهَـٰنَنِ","كَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡیَتِیمَ","وَلَا تَحَـٰۤضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِینِ","وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلࣰا لَّمࣰّا","وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبࣰّا جَمࣰّا","كَلَّاۤۖ إِذَا دُكَّتِ ٱلۡأَرۡضُ دَكࣰّا دَكࣰّا","وَجَاۤءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفࣰّا صَفࣰّا","وَجِا۟یۤءَ یَوۡمَىِٕذِۭ بِجَهَنَّمَۚ یَوۡمَىِٕذࣲ یَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَـٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ","یَقُولُ یَـٰلَیۡتَنِی قَدَّمۡتُ لِحَیَاتِی","فَیَوۡمَىِٕذࣲ لَّا یُعَذِّبُ عَذَابَهُۥۤ أَحَدࣱ","وَلَا یُوثِقُ وَثَاقَهُۥۤ أَحَدࣱ","یَـٰۤأَیَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَىِٕنَّةُ","ٱرۡجِعِیۤ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِیَةࣰ مَّرۡضِیَّةࣰ","فَٱدۡخُلِی فِی عِبَـٰدِی","وَٱدۡخُلِی جَنَّتِی"],"ayah":"فَأَمَّا ٱلۡإِنسَـٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَیَقُولُ رَبِّیۤ أَكۡرَمَنِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق