قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ قالَ الأخْفَشُ: رُفِعَ الكِتابُ بِالِابْتِداءِ. ومَذْهَبُ الفَرّاءِ أنَّ اللَّهَ اكْتَفى في مُفْتَتَحِ السُّوَرِ بِبَعْضِ حُرُوفِ المُعْجَمِ عَنْ جَمِيعِها، كَما يَقُولُ القائِلُ: "ا ب ت ث" ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ حَرْفًا؛ فالمَعْنى: حُرُوفُ المُعْجَمِ: كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ الكِتابُ بِإضْمارِ: هَذا الكِتابُ. وفي الحَرَجِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّكُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ الضِّيقُ، قالَهُ الحَسَنُ، والزَّجّاجُ. وفي هاءِ "مِنهُ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكِتابِ؛ فَعَلى هَذا، في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لا يَضِيقَنَّ صَدْرُكَ بِالإبْلاغِ، ولا تَخافَنَّ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّانِي: لا تَشُكَّنَّ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ. (p-١٦٦)والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى مُضْمَرٍ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الإنْذارُ، وهو التَّكْذِيبُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قالَ الفَرّاءُ: فَمَعْنى الآَيَةِ: لا يَضِيقَنَّ صَدْرُكَ إنْ كَذَّبُوكَ. قالَ الزَّجّاجُ: و قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ مُقَدَّمٌ؛ والمَعْنى: أنْزَلَ إلَيْكَ لَتُنْذِر بِهِ وذِكْرى لَلْمُؤْمِنِينَ، فَلا يَكُنْ في صَدْرِك حَرَج مِنهُ. "وَذِكْرى" يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ ونَصْبٍ وخَفْضٍ؛ فَأمّا النَّصْبُ، فَعَلى قَوْلِهِ: أُنْزِلَ إلَيْكَ لَتُنْذِرَ بِهِ، وذِكْرى لَلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: ولِتُذَكِّرَ بِهِ ذِكْرى، لِأنَّ في الإنْذارِ مَعْنى التَّذْكِيرِ. ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى أنْ يَكُونَ: وهو ذِكْرى، كَقَوْلِكَ: وهو ذِكْرى لَلْمُؤْمِنِينَ. فَأمّا الخَفْضُ، فَعَلى مَعْنى: لَتُنْذِرَ، لِأنَّ مَعْنى لَتُنْذِر لِأنْ تُنْذِرَ؛ المَعْنى: لِلإنْذارِ والذِّكْرى، وهو في مَوْضِعِ خَفْضٍ.
{"ayah":"كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَیۡكَ فَلَا یَكُن فِی صَدۡرِكَ حَرَجࣱ مِّنۡهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِینَ"}