قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، إذْ كانَتْ مُباحَةً، فَلَمّا حُرِّمَتْ، قالَ ناسٌ: كَيْفَ بِأصْحابِنا وقَدْ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَها؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ. و "الجُناحُ": الإثْمُ. وفِيما طَعِمُوا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-٤٢٠)أحَدُها: ما شَرِبُوا مِنَ الخَمْرِ قَبْلَ تَحْرِيمِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: لَمْ أطْعَمْ خُبْزًا وأدْمًا ولا ماءً ولا نَوْمًا. قالَ الشّاعِرُ:
؎ فَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدًا
النُّقاخُ: الماءُ [البارِدُ] الَّذِي يَنْقَخُ الفُؤادَ بِبَرْدِهِ، والبَرْدُ: النَّوْمُ.
والثّانِي: ما شَرِبُوا مِنَ الخَمْرِ وأكَلُوا مِنَ المَيْسِرِ.
والثّالِثُ: ما طَعِمُوا مِنَ المُباحاتِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿إذا ما اتَّقَوْا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اتَّقَوْا بَعْدَ التَّحْرِيمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: اتَّقَوُا المَعاصِيَ والشِّرْكَ.
والثّالِثُ: اتَّقَوْا مُخالَفَةَ اللَّهِ في أمْرِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَآمَنُوا﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ. والثّانِي: آمَنُوا بِتَحْرِيمِها. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾: قالَ مُقاتِلٌ: أقامُوا عَلى الفَرائِضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ في هَذِهِ "التَّقْوى" المُعادَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ المُرادَ خَوْفُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. والثّانِي: أنَّها تَقْوى الخَمْرِ والمَيْسِرِ بَعْدَ التَّحْرِيمِ. والثّالِثُ: أنَّها الدَّوامُ عَلى التَّقْوى. والرّابِعُ: أنَّ التَّقْوى الأُولى مُخاطَبَةٌ لِمَن شَرِبَها قَبْلَ التَّحْرِيمِ، والثّانِيَةَ لِمَن شَرِبَها بَعْدَ التَّحْرِيمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآمَنُوا﴾ في هَذا "الإيمانِ" المُعادِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: صَدَّقُوا بِجَمِيعِ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ .
والثّانِي: آمَنُوا بِما يَجِيءُ مِنَ النّاسِخِ والمَنسُوخِ.
(p-٤٢١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا﴾ في هَذِهِ "التَّقْوى" الثّالِثَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اجْتَنَبُوا العَوْدَ إلى الخَمْرِ بَعْدَ تَحْرِيمِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: اتَّقَوْا ظُلْمَ العِبادِ. والثّالِثُ: تَوَقَّوُا الشُّبَهاتِ. والرّابِعُ: اتَّقَوْا جَمِيعَ المُحَرَّماتِ.
وَفِي "الإحْسانِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أحْسَنُوا العَمَلَ بِتَرْكِ شُرْبِها بَعْدَ التَّحْرِيمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أحْسَنُوا العَمَلَ بَعْدَ تَحْرِيمِها، قالَهُ مُقاتِلٌ.
{"ayah":"لَیۡسَ عَلَى ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحࣱ فِیمَا طَعِمُوۤا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحۡسَنُوا۟ۚ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ"}