أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ القَنْطَرِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الفَضْلِ الحَدّادِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو يَزِيدَ الخالِدِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ، قالَ: حَدَّثَنا جَرِيرٌ، قالَ: أخْبَرَنا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ الحارِثِ قالَ: بَيْنَما نَحْنُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ إذْ قالَ: إنَّ الشَّياطِينَ كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ مِنَ السَّماءِ، فَيَجِيءُ أحَدُهم بِكَلِمَةِ حَقٍّ، فَإذا جُرِّبَ مِن أحَدِهِمُ الصِّدْقُ كَذَبَ مَعَها سَبْعِينَ كَذْبَةً، فَيُشْرِبُها قُلُوبَ النّاسِ. فاطَّلَعَ عَلى ذَلِكَ سُلَيْمانُ، فَأخَذَها فَدَفَنَها تَحْتَ الكُرْسِيِّ، فَلَمّا ماتَ سُلَيْمانُ قامَ شَيْطانٌ بِالطَّرِيقِ فَقالَ: ألا أدُلُّكم عَلى كَنْزِ سُلَيْمانَ المَنِيعِ الَّذِي لا كَنْزَ لَهُ مِثْلُهُ ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: هو تَحْتَ الكُرْسِيِّ. فَأخْرَجُوهُ، فَقالُوا: هَذا سِحْرٌ. فَتَناسَخَتْها الأُمَمُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عُذْرَ سُلَيْمانَ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ .
وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ الشَّياطِينَ كَتَبُوا السِّحْرَ والنِّيرَنْجِيّاتِ عَلى لِسانِ آصَفَ: هَذا ما عَلَّمَ آصَفَ بْنَ بَرْخِيا سُلَيْمانُ المَلِكُ. ثُمَّ دَفَنُوها تَحْتَ مُصَلّاهُ حِينَ نَزَعَ اللَّهُ مُلْكَهُ ولَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ سُلَيْمانُ، فَلَمّا ماتَ سُلَيْمانُ اسْتَخْرَجُوها مِن تَحْتِ مُصَلّاهُ وقالُوا لِلنّاسِ: إنَّما مَلَكَكم سُلَيْمانُ بِهَذا فَتَعَلَّمُوهُ. فَأمّا عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ فَقالُوا: مَعاذَ اللَّهِ أنْ يَكُونَ هَذا عِلْمَ سُلَيْمانَ. وأمّا السَّفِلَةُ فَقالُوا: هَذا عِلْمُ سُلَيْمانَ. وأقْبَلُوا عَلى تَعَلُّمِهِ، ورَفَضُوا كُتُبَ أنْبِيائِهِمْ. فَفَشَتِ المَلامَةُ لِسُلَيْمانَ، فَلَمْ تَزَلْ هَذِهِ حالَهم حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَ سُلَيْمانَ عَلى لِسانِهِ، وأظْهَرَ بَراءَتَهُ مِمّا رُمِيَ بِهِ، فَقالَ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ .
أخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ العَبّاسِ القُرَشِيُّ مِن كِتابِهِ، أنَّ العَبّاسَ بْنَ الفَضْلِ بْنِ زَكَرِيّا حَدَّثَهم عَنْ أحْمَدَ بْنِ نَجْدَةَ، قالَ: أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَتّابُ بْنُ بَشِيرٍ، قالَ: أخْبَرَنا خُصَيْفٌ، قالَ: كانَ سُلَيْمانُ إذا نَبَتَتِ الشَّجَرَةُ قالَ: لِأيِّ داءٍ أنْتِ ؟ فَتَقُولُ: لِكَذا وكَذا. فَلَمّا نَبَتَتْ شَجَرَةُ الخُرْنُوبِ قالَ: لِأيِّ شَيْءٍ أنْتِ ؟ قالَتْ: لِمَسْجِدِكَ أُخَرِّبُهُ. فَقالَ: تُخَرِّبِينَهُ ؟ قالَتْ: نَعَمْ. قالَ: بِئْسَ الشَّجَرَةُ أنْتِ. فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تُوُفِّيَ سُلَيْمانُ، فَجَعَلَ النّاسُ يَقُولُونَ في مَرْضاهم: لَوْ كانَ لَنا مِثْلُ سُلَيْمانَ. فَأخَذَتِ الشَّياطِينُ فَكَتَبُوا كِتابًا فَجَعَلُوهُ في مُصَلّى سُلَيْمانَ، وقالُوا: نَحْنُ نَدُلُّكم عَلى ما كانَ سُلَيْمانُ يُداوِي بِهِ. فانْطَلَقُوا فاسْتَخْرَجُوا ذَلِكَ الكِتابَ، فَإذا فِيهِ سِحْرٌ ورُقًى. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ . إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ .
قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ النّاسَ في زَمَنِ سُلَيْمانَ اكْتَتَبُوا السِّحْرَ فاشْتَغَلُوا بِتَعَلُّمِهِ، فَأخَذَ سُلَيْمانُ تِلْكَ الكُتُبَ وجَعَلَها في صُنْدُوقٍ ودَفَنَها تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، ونَهاهم عَنْ ذَلِكَ، فَلَمّا ماتَ سُلَيْمانُ وذَهَبَ الَّذِينَ كانُوا يَعْرِفُونَ دَفْنَ الكُتُبِ تَمَثَّلَ شَيْطانٌ عَلى صُورَةِ إنْسانٍ، فَأتى نَفَرًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: هَلْ أدُلُّكم عَلى كَنْزٍ لا تَأْكُلُونَهُ أبَدًا ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: فاحْفِرُوا تَحْتَ الكُرْسِيِّ. فَحَفَرُوا فَوَجَدُوا تِلْكَ الكُتُبَ، فَلَمّا أخْرَجُوها قالَ الشَّيْطانُ: إنَّ سُلَيْمانَ كانَ يَضْبِطُ الجِنَّ والإنْسَ والشَّياطِينَ والطَّيْرَ بِهَذا. فَأخَذَ بَنُو إسْرائِيلَ تِلْكَ الكُتُبَ؛ فَلِذَلِكَ أكْثَرُ ما يُوجَدُ السِّحْرُ في اليَهُودِ. فَبَرَّأ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ سُلَيْمانَ مِن ذَلِكَ، وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ.
{"ayah":"وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتۡلُوا۟ ٱلشَّیَـٰطِینُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَیۡمَـٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَیۡمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّیَـٰطِینَ كَفَرُوا۟ یُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَاۤ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَیۡنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَۚ وَمَا یُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ یَقُولَاۤ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةࣱ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَیَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا یُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَیۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَاۤرِّینَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَیَتَعَلَّمُونَ مَا یَضُرُّهُمۡ وَلَا یَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ مِنۡ خَلَـٰقࣲۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡا۟ بِهِۦۤ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُوا۟ یَعۡلَمُونَ"}