الباحث القرآني

القول في تأويل قوله: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لقد التمس هؤلاء المنافقون الفتنة لأصحابك، يا محمد، التمسوا صدَّهم عن دينهم [[انظر تفسير "ابتغى" فيما سلف قريبا ص: ٢٧٩، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] وحرصوا على ردّهم إلى الكفرِ بالتخذيل عنه، [[انظر تفسير " الفتنة " فيما سلف ص:، ٢٧٩ تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] كفعل عبد الله بن أبيّ بك وبأصحابك يوم أحدٍ، حين انصرف عنك بمن تبعه من قومه. وذلك كان ابتغاءهم ما كانوا ابتغوا لأصحاب وسول الله ﷺ من الفتنة من قبل. ويعني بقوله: ﴿من قبل﴾ ، من قبل هذا = ﴿وقلبوا لك الأمور﴾ ، يقول: وأجالوا فيك وفي إبطال الدين الذي بعثك به الله الرأيَ بالتخذيل عنك، [[انظر تفسير "التقليب" فيما سلف ١٢: ٤٤، ٤٥، ومادة (قلب) في فهارس اللغة.]] وإنكار ما تأتيهم به، وردّه عليك = ﴿حتى جاء الحق﴾ ، يقول: حتى جاء نصر الله = ﴿وظهر أمر الله﴾ ، يقول: وظهر دين الله الذي أمرَ به وافترضه على خلقه، وهو الإسلام [[انظر تفسير "الظهور" فيما سلف ص: ٢١٤، ٢١٥.]] = ﴿وهم كارهون﴾ ، يقول: والمنافقون بظهور أمر الله ونصره إياك كارهون. [[انظر تفسير " الكره " فيما سلف ص: ٢٧٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] وكذلك الآن، يظهرك الله ويظهر دينه على الذين كفروا من الروم وغيرهم من أهل الكفر به، وهم كارهون. * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: ١٦٧٨٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: (وقلبوا لك الأمور) ، أي: ليخذِّلوا عنك أصحابك، ويردُّوا عليك أمرك = ﴿حتى جاء الحق وظهر أمر الله﴾ . [[الأثر: ١٦٧٨٢ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٤، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٧٨١.]] * * * وذكر أن هذه الآية نزلت في نفرٍ مسمَّين بأعيانهم. ١٦٧٨٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عمرو، عن الحسن قوله: ﴿وقلبوا لك الأمور﴾ ، قال: منهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وعبد الله بن نبتل أخو بني عمرو بن عوف، ورفاعة بن رافع، وزيد بن التابوت القينقاعي. [[الأثر: ١٦٧٨٢ - لم أجده في سيرة ابن هشام. ولكنه في تاريخ الطبري ٣: ١٤٣، بمثله.]] * * * وكان تخذيل عبد الله بن أبيٍّ أصحابَه عن رسول الله ﷺ في هذه الغزاة، كالذي: ١٦٧٨٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة، وغيرهم، كلُّ قد حدَّث في غزوة تبوك ما بلغَه عنها، وبعض القوم يحدِّث ما لم يحدِّث بعضٌ، وكلٌّ قد اجتمع حديثه في هذا الحديث: أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان عُسْرةٍ من الناس، [[في السيرة: "في زمان من عسرة الناس".]] وشدة من الحرّ، وجَدْبٍ من البلاد، وحين طاب الثمار، وأحِبَّتِ الظلال، [["وأحبت الظلال" ليس في سيرة ابن هشام، وهو ثابت في رواية أبي جعفر في التاريخ ٣: ١٤٢. وكذلك في المطبوعة: "والناس يحبون" وأثبت ما في المخطوطة، فهو مطلب السياق.]] فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص عنها، على الحال من الزمان الذي هم عليه. وكان رسول الله ﷺ قلَّما يخرج في غزوةٍ إلا كَنَى عنها، وأخبر أنه يريد غير الذي يَصْمِدُ له، [["صمد للأمر يصمد"، قصده قصدًا.]] إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بيَّنها للناس، لبعد الشُّقَّة، وشدة الزمان وكثرة العدوّ الذي صَمَد له، ليتأهَّب الناس لذلك أُهْبَتَه. فأمر الناس بالجهاد، وأخبرهم أنه يريد الروم. فتجهز الناسُ على ما في أنفسهم من الكره لذلك الوجه، لما فيه، مع ما عظَّموا من ذكر الروم وغزوهم. [[هذه الجملة الأخيرة من أول قوله: "فتجهز الناس"، لم أجدها في هذا الموضع من سيرة ابن هشام ٤: ١٥٩، وسأذكر موضع ما يليه في التخريج، فإنه قد أسقط ما بعد ذلك، حتى بلغ ما بعده.]] = ثم إن رسول الله ﷺ جَدَّ في سفره، فأمر الناس بالجهازِ والانكماش، [["الانكماش" الإسراع والجد في العمل والطلب.]] وحضَّ أهل الغنى على النفقة والحُمْلان في سبيل الله. [["الحملان" (بضم فسكون) مصدر مثل "الحمل"، يريد: حمل من لا دابة له على دابة يركبها في وجهه هذا. وهذه الجملة من أول قوله: "ثم إن رسول الله"، إلى هذا الموضع، في سيرة ابن هشام ٤: ١٦١، والذي يليه من موضع آخر سأبينه.]] = فلما خرج رسول الله ﷺ ضرب عسكره على ثنية الوداع، [[وهذه الجملة مفردة في سيرة ابن هشام ٤: ١٦٢، بعدها كلام حذفه أبو جعفر، ووصله بما بعده.]] وضرب عبد الله بن أبي ابن سلول عسكره على حِدَةٍ أسفلَ منه بحذاء "ذباب" [[في المطبوعة والمخطوطة: "على ذي حدة"، وكان في المخطوطة كتب قبل "ذي" "دين" ثم ضرب عليها. ولم أجدهم قالوا: "على ذي حدة"، يؤيد صواب ذلك أن ابن هشام قال: "على حدة"، وذكر أبو جعفر هذا الخبر في تاريخه ٣: ١٤٣، فيه أيضًا "على حدة"، فمن أجل ذلك أغفلت ما كان في المطبوعة والمخطوطة = وكان في المطبوعة، وفي سيرة ابن هشام " نحو ذباب "، وفي المخطوطة: " نحوا "، والألف مطموسة قصيرة، والذي في التاريخ ما أثبته " بحذاء "، وهو الصواب الذي لا شك فيه. وبيان موضع الجبل، ليس مذكورًا في السيرة، وهو مذكور في التاريخ.]] = جبل بالجبانة أسفل من ثنية الوداع = وكان فيما يزعمون، ليس بأقل العسكرين. فلما سار رَسول الله ﷺ، تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلَّف من المنافقين وأهل الريب. وكان عبد الله بن أبي، أخا بني عوف بن الخزرج، وعبد الله بن نبتل، أخا بني عمرو بن عوف، ورفاعة بن زيد بن التابوت، [[في المطبوعة: "رفاعة بن يزيد"، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة، والتاريخ.]] أخا بني قينقاع، وكانوا من عظماء المنافقين، وكانوا ممن يكيد للإسلام وأهله. = قال: وفيهم، فيما حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري، أنزل الله: ﴿لقد ابتغوا الفتنة من قبل﴾ ، الآية. [[الأثر: ١٦٧٨٤ - هذا خبر مفرق، ذكرت مواضعه فيما سلف، وهو في سيرة ابن هشام ٤: ١٥٩ \ ثم ٤: ١٦١ \ ثم ٤: ١٦٢، وهو بتمامه في تاريخ الطبري ٣: ١٤٢، ١٤٣. والجزء الأخير من هذا الخبر، مضى برقم: ١٦٨٧٣.]]
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب