الباحث القرآني

القول في تأويل قوله: ﴿إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ قال أبو جعفر: وهذا إعلامٌ من الله أصحابَ رسوله ﷺ أنّه المتوكّل بنصر رسوله على أعداء دينه وإظهاره عليهم دونهم، أعانوه أو لم يعينوه، = وتذكيرٌ منه لهم فعلَ ذلك به، وهو من العدد في قلة، والعدوُّ في كثرة، فكيف به وهو من العدد في كثرة، والعدو في قلة؟ يقول لهم جل ثناؤه: إلا تنفروا، أيها المؤمنون، مع رسولي إذا استنفركم فتنصروه، فالله ناصره ومعينه على عدوّه ومغنيه عنكم وعن معونتكم ونصرتكم؛ كما نصره = ﴿إذ أخرجه الذين كفروا﴾ ، بالله من قريش من وطنه وداره = ﴿ثاني اثنين﴾ ، يقول: أخرجوه وهو أحد الاثنين، أي: واحد من الاثنين. * * * وكذلك تقول العرب: "هو ثاني اثنين" يعني: أحد الاثنين، و"ثالث ثلاثة، ورابع أربعة"، يعني: أحد الثلاثة، وأحد الأربعة. وذلك خلاف قولهم: "هو أخو ستة، وغلام سبعة"، لأن "الأخ"، و"الغلام" غير الستة والسبعة، "وثالث الثلاثة"، أحد الثلاثة. * * * وإنما عنى جل ثناؤه بقوله: ﴿ثاني اثنين﴾ ، رسولَ الله ﷺ وأبا بكر رضي الله عنه، لأنهما كانا اللذين خرجَا هاربين من قريش إذ همُّوا بقتل رسول الله ﷺ واختفيا في الغار. * * * وقوله: ﴿إذ هما في الغار﴾ ، يقول: إذ رسول الله ﷺ وأبو بكر رحمة الله عليه، في الغار. * * * و"الغار"، النقب العظيم يكون في الجبل. * * * = ﴿إذ يقول لصاحبه﴾ ، يقول: إذ يقول رسول الله لصاحبه أبي بكر، ﴿لا تحزن﴾ ، وذلك أنه خافَ من الطَّلَب أن يعلموا بمكانهما، فجزع من ذلك، فقال له رسول الله ﷺ: "لا تحزن"، لأن الله معنا والله ناصرنا، [[انظر تفسير "مع" فيما سلف ص: ٢٤٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] فلن يعلم المشركون بنا ولن يصلوا إلينا. يقول جل ثناؤه: فقد نصره الله على عدوه وهو بهذه الحال من الخوف وقلة العدد، فكيف يخذله ويُحْوِجه إليكم، وقد كثَّر الله أنصاره، وعدد جنودِه؟ * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: ١٦٧٢٥- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إلا تنصروه﴾ ، ذكر ما كان في أول شأنه حين بعثَه. يقول الله: فأنا فاعلٌ ذلك به وناصره، كما نصرته إذ ذاك وهو ثاني اثنين. ١٦٧٢٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله﴾ ، قال: ذكر ما كان في أول شأنه حين بُعثَ، فالله فاعلٌ به كذلك، ناصره كما نصره إذ ذاك ﴿ثانيَ اثنين إذ هما في الغار﴾ . ١٦٧٢٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله﴾ ، الآية، قال: فكان صاحبَه أبو بكر، وأما "الغار"، فجبل بمكة يقال له: "ثَوْر". ١٦٧٢٨- حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد قال، حدثني أبي قال، حدثنا أبان العطار قال، حدثنا هشام بن عروة، عن عروة قال: لما خرج النبي ﷺ وأبو بكر رضي الله عنه، وكان لأبي بكر مَنِيحةٌ من غَنَم تروح على أهله، [[" المنيحة"، شاة أو ناقة يعيرها الرجل أخاه، يحتلبها وينتفع بلبنها سنة، ثم يردها إليه.]] فأرسل أبو بكر عامر بن فهيرة في الغنم إلى ثور. وكان عامر بن فهيرةَ يروح بتلك الغنم على النبي ﷺ بالغار في ثور، وهو "الغار" الذي سماه الله في القرآن. [[الأثر: ١٦٧٢٨ - هذا جزء من كتاب عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان، والذي خرجته فيما سلف برقم: ١٦٠٨٣، ومواضع أخرى كثيرة. وهذا الجزء من الكتاب في تاريخ الطبري ٢: ٢٤٦.]] ١٦٧٢٩- حدثني يعقوب بن إبراهيم بن جبير الواسطي قال، حدثنا عفان وحَبَّان قالا حدثنا همام، عن ثابت، عن أنس، أن أبا بكر رضي الله عنه حدَّثهم قال: بينا أنا مع رسول الله ﷺ في الغار وأقدامُ المشركين فوق رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع قَدَمَه أبصرنا! فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ [[الأثر: ١٦٧٢٩ - " يعقوب بن إبراهيم بن جبير الواسطي"، شيخ الطبري، لم أجد له ترجمة في غير الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٤ \ ٢ \ ٣٠٢. و"عفان" هو "عفان بن مسلم بن عبد الله الصفار"، ثقة، من شيوخ أحمد والبخاري، مضى برقم: ٥٣٩٢. و"حبان"، هو "حبان بن هلال الباهلي"، ثقة، روى له الجماعة. مضى برقم: ٥٤٧٢. " حبان " بفتح الحاء لا بكسرها. و"همام" هو "همام بن يحيى بن دينار الأزدي"، ثقة روى له الجماعة، مضى مرارًا، آخرها: ١٦٣٠٦. و"ثابت" هو "ثابت بن أسلم البناني"، ثقة روى له الجماعة، مضى برقم: ٢٩٤٢، ٧٠٣٠. وهذا الخبر رواه من طريق عفان بن مسلم، ابن سعد في الطبقات ٣ \ ١ \ ١٢٣، وأحمد في مسنده رقم: ١١، والترمذي في تفسير الآية. ورواه من طريق حبان بن هلال، البخاري في صحيحه (الفتح ٨: ٢٤٥) ، ومسلم في صحيحه ١٥: ١٤٩. ورواه البخاري من طريق محمد بن سنان، عن هلال في صحيحه (الفتح ٧: ٩) . وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح غريب، إنما يروى من حديث همام. وقد روى هذا الحديث حبان بن هلال، وغير واحد، عن همام، نحو هذا ". وخرجه السيوطي في الدر ٣: ٢٤٢، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وأبي عوانة، وابن حبان، وابن المنذر، وابن مردويه.]] ١٦٧٣٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد قال: مكث أبو بكر مع النبي ﷺ في الغار ثلاثًا. ١٦٧٣١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري: ﴿إذ هما في الغار﴾ ، قال: في الجبل الذي يسمَّى ثورًا، مكث فيه رسول الله ﷺ وأبو بكر ثلاث ليالٍ. ١٦٧٣٢- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبيه: أن أبا بكر الصديق رحمة الله تعالى عليه حين خطب قال: أيُّكم يقرأ "سورة التوبة"؟ [[في المخطوطة: "سورة البقرة"، وهو خطأ أبين من أن يدل على تصحيحه.]] قال رجل: أنا. قال: اقرأ. فلما بلغ: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن﴾ ، بكى أبو بكر وقال: أنا والله صاحبُه. [[الأثر: ١٦٧٣٢ - " عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري"، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ٥٩٧٣. وأبوه "الحارث بن يعقوب بن ثعلبة، أو: ابن عبد الله، الأنصاري المصري". ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ١\ ٢ \ ٢٨٢، وابن أبي حاتم ١ \ ٢ \ ٩٣.]] * * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فأنزل الله طمأنينته وسكونه على رسوله [[انظر تفسير "السكينة" فيما سلف ص: ١٨٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = وقد قيل: على أبي بكر = ﴿وأيده بجنود لم تروها﴾ ، يقول: وقوّاه بجنودٍ من عنده من الملائكة، لم تروها أنتم [[انظر تفسير " التأييد " فيما سلف ص: ٤٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿وجعل كلمة الذين كفروا﴾ ، وهي كلمة الشرك = ﴿السُّفْلى﴾ ، لأنها قُهِرَت وأذِلَّت، وأبطلها الله تعالى، ومحق أهلها، وكل مقهور ومغلوب فهو أسفل من الغالب، والغالب هو الأعلى = ﴿وكلمة الله هي العليا﴾ ، يقول: ودين الله وتوحيده وقولُ لا إله إلا الله، وهي كلمتُه = ﴿العليا﴾ ، على الشرك وأهله، الغالبةُ، [[انظر تفسير "الأعلى" فيما سلف ٧: ٢٣٤.]] كما:- ١٦٧٣٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿وجعل كلمة الذين كفروا السفلى﴾ ، وهي: الشرك بالله = ﴿وكلمة الله هي العليا﴾ ، وهي: لا إله إلا الله. * * * وقوله: ﴿وكلمة الله هي العليا﴾ ، خبر مبتدأ، غيرُ مردودٍ على قوله: ﴿وجعل كلمة الذين كفروا السفلى﴾ ، لأن ذلك لو كان معطوفًا على "الكلمة" الأولى، لكان نصبًا. [[انظر تفصيل ذلك في معاني القرآن للفراء ١: ٤٣٨، وهو فصل جيد واضح.]] * * * وأما قوله: ﴿والله عزير حكيم﴾ ، فإنه يعني: ﴿والله عزيز﴾ ، في انتقامه من أهل الكفر به، لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب، ولا ينصر من عاقبه ناصر = ﴿حكيم﴾ ، في تدبيره خلقَه، وتصريفه إياهم في مشيئته. [[انظر تفسير "عزيز" و "حكيم"، فيما سلف من فهارس اللغة (عزز) ، (حكم) .]]
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب