الباحث القرآني

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا لم تأت، يا محمد، هؤلاء المشركين بآية من الله = ﴿قالوا لولا اجتبَيتَها﴾ ، يقول: قالوا: هلا اخترتها واصطفيتها. [[انظر تفسير ((لولا)) فيما سلف ١١: ٣٥٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = من قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ، [سورة آل عمران: ١٧٩] يعني: يختار ويصطفي. وقد بينا ذلك في مواضعه بشواهده. [[انظر تفسير ((اجتبى)) فيما سلف ٧: ٤٣٧ / ١١: ٥١٢، ٥١٣.]] * * * ثم اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: معناه: هلا افتعلتها من قِبَل نفسك واختلقتها؟ بمعنى: هلا اجتبيتها اختلاقًا؟ كما تقول العرب: "لقد اختار فلان هذا الأمر وتخيره اختلاقًا". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٠٢، والتعليق عليه هناك. وهذا معنى غريب جداً في ((اختار)) ، أنا في ريب منه، إلا أن يكون أراد أن العرب تقول في مجازها ((اختار الشيء اختلاقاً، كل ذلك بمعنى: اختلقه، لا أن ((اختار)) بمعنى اختلق. وإن كان صاحب اللسان قد اتبع قول الفراء الآتى بعد ص ٣٤٣ ((وهو في كلام العرب جائز أن يقول: ((لقد اختار لك الشيء واجتباه وارتجله)) .]] * ذكر من قال ذلك: ١٥٥٧١ - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا أجتبيتها﴾ ، أي: لولا أتيتنا بها من قِبَل نفسك؟ هذا قول كفار قريش. ١٥٥٧٢ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قوله: ﴿وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها﴾ قالوا: لولا اقتضبتها! [[((اقتضب الكلام اقتضاباً)) ، ارتجله من غير تهيئة أو إعداد له. يقال: ((هذا شعر مقتضب، وكتاب مقتضب)) .]] قالوا: تخرجها من نفسك. ١٥٥٧٣ - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها﴾ قالوا: لولا تقوَّلتها، جئتَ بها من عندك؟. ١٥٥٧٤ - حدثني المثنى قال: حدثني عبد الله قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿لولا اجتبيتها﴾ ، يقول: لولا تلقَّيتها = وقال مرة أخرى: لولا أحدَثتها فأنشأتها. ١٥٥٧٥ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿قالوا لولا اجتبيتها﴾ ، يقول: لولا أحدثتها. ١٥٥٧٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: ﴿لولا اجتبيتها﴾ قال: لولا جئت بها من نفسك! * * * وقال آخرون: معنى ذلك: هلا أخذتها من ربك وتقبَّلتها منه؟ [[في المطبوعة والمخطوطة، في هذا الموضع، والذي يليه في الأثر: ((تقبلتها)) ، وفي الأثر الذي بعده: ((تلقيتها؛ في المخطوطة والمطبوعة، وأرجو أن يكون هذا الأخير هو الصواب، كما سلفت في رقم: ١٥٥٧٤، وإن كان الأول جائزا.]] * ذكر من قال ذلك: ١٥٥٧٧ - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لولا اجتبيتها﴾ ، يقول: لولا تقبَّلتها من الله! ١٥٥٧٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿لولا اجتبيتها﴾ ، يقول: لولا تلقَّيتَها من ربك! ١٥٥٧٩ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لولا اجتبيتها﴾ ، يقول: لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء. * * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، تأويلُ من قال تأويله: هلا أحدثتها من نفسك! لدلالة قول الله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ، فبيَّن ذلك أن الله إنما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم، [[في المخطوطة والمطبوعة: ((يبين ذلك أن الله ... ) والسياق يقتضى ما أثبت.]] بأن يجيبهم بالخبر عن نفسه أنه إنما يتبع ما ينزل عليه ربه ويوحيه إليه، لا أنه يحدث من قبل نفسه قولا وينشئه فيدعو الناس إليه. * * * وحكي عن الفراء أنه كان يقول: "اجتبيت الكلام" و"اختلقته"، و"ارتجلته": إذا افتعلته من قِبَل نفسك. [[انظر ما سلف ص ٣٤١، تعليق رقم: ٢.]] ١٥٥٨٠ - حدثني بذلك الحارث قال: حدثنا القاسم عنه. * * * قال أبو عبيدة: وكان أبو زيد يقول: إنما تقول العرب ذلك للكلام يبتدئه الرجل، [[في المطبوعة: ((يبديه الرجل)) ، وفي المخطوطة: ((البديه الرجل)) ، وكأن الصواب ما أثبت.]] لم يكن أعدَّه قبل ذلك في نفسه. قال أبو عبيد: و"اخترعته" مثل ذلك. [[في المطبوعة: ((واخترعه)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]] * * * القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل، يا محمد، للقائلين لك إذا لم تأتهم بآية: "هلا أحدثتها من قبل نفسك! ": إن ذلك ليس لي، ولا يجوز لي فعله؛ لأن الله إنما أمرني باتباع ما يوحى إليّ من عنده، فإنما أتبع ما يوحى إليّ من ربي، لأني عبده، وإلى أمره أنتهي، وإياه أطيع. [[انظر تفسير ((الاتباع)) ، و ((الوحي)) فيما سلف من فهارس اللغة (تبع) و (وحي) .]] = ﴿هذا بصائر من ربكم﴾ ، يقول: هذا القرآن والوحي الذي أتلوه عليكم = "بصائر من ربكم"، يقول: حجج عليكم، وبيان لكم من ربكم. * * * = واحدتها "بصيرة"، كما قال جل ثناؤه: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ، [سورة الجاثية: ٢٠] . [[انظر تفسير ((بصيرة)) فيما سلف ١٢: ٢٣، ٢٤.]] . * * * وإنما ذكر "هذا" ووحّد في قوله: ﴿هذا بصائر من ربكم﴾ ، لما وصفت من أنه مرادٌ به القرآن والوحي. * * * وقوله: ﴿وهدى﴾ ، يقول: وبيان يهدي المؤمنين إلى الطريق المستقيم = ﴿ورحمة﴾ ، رحم الله به عباده المؤمنين، فأنقذهم به من الضلالة والهلكة = ﴿لقوم يؤمنون﴾ ، يقول: هو بصائر من الله وهدى ورحمة لمن آمن، يقول: لمن صدَّق بالقرآن أنه تنزيل الله ووحيه، وعمل بما فيه، دون من كذب به وجحده وكفر به، [[انظر تفسير ((الهدى)) و ((الرحمة)) و ((الإيمان)) فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) ، (رحم) ، (أمن) .]] بل هو على الذين لا يؤمنون به عمًى وخزي. [[في المطبوعة "غم" وفي المخطوطة "عم" غير منقوطة وهذا صواب قراءتها لقوله تعالى في سورة فصلت: ٤٤، في صفة القرآن " والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى".]]
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب