الباحث القرآني

القول في تأويل قوله: ﴿وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ ،، وهي كما قال ابن عباس: - ١٥٤٥١ - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي، قال حدثني عمي، قال حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ ، ومن أسمائه: "العزيز الجبار"، وكل أسمائه حسن. ١٥٤٥٢ - حدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية، عن هشام بن حسّان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها كُلَّها دخل الجنة". [[الأثر: ١٥٤٥٢ - ((هشام بن حسان القردوسي)) ، ثقة. روى له الجماعة، مضى برقم: ٢٨٢٧، ٧٢٨٧، ٩٨٣٧، ١٠٢٥٨. وهذا إسناد صحيح. رواه البخاري من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة (الفتح ٥: ٢٦٢ / ١١: ١٨٠ - ١٩٤) ، شرحه ابن حجر مستقصى غاية الاستقصاء. ورواه مسلم في صحيحه، من مثل طريق البخاري، ثم من طريق معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة (مسلم ١٧: ٤، ٥) . ورواه أحمد في مسنده من طرق، رقم: ٧٤٩٣، ٧٦١٢، ٨١٣١، ٩٥٠٩، ١٠٤٨٦، ١٠٥٣٩، ١٠٦٩٦. وانظر تخريجه هناك. وفي بعض طرقه زيادة: ((وإن الله وتر يحب الوتر)) أو ((إنه وتر يحب الوتر)) .]] * * * وأما قوله: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾ ، فإنه يعني به المشركين. [[انظر تفسير ((ذر)) فيما سلف من فهارس اللغة (وذر) .]] * * * وكان إلحادهم في أسماء الله، أنهم عدَلوا بها عمّا هي عليه، فسموا بها آلهتهم وأوثانهم، وزادوا فيها ونقصوا منها، فسموا بعضها "اللات" اشتقاقًا منهم لها من اسم الله الذي هو "الله"، وسموا بعضها "العُزَّى" اشتقاقًا لها من اسم الله الذي هو "العزيز". * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: ١٥٤٥٣ - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: ثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾ ، قال: إلحاد الملحدين: أن دعوا "اللات" في أسماء الله. ١٥٤٥٤ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾ قال: اشتقوا "العزى" من "العزيز"، واشتقوا "اللات" من "الله". * * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله ﴿يلحدون﴾ . فقال بعضهم: يكذّبون. * ذكر من قال ذلك: ١٥٤٥٥ - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني معاوية، عن ابن عباس، قوله: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾ قال: الإلحاد: التكذيب. * * * وقال آخرون: معنى ذلك: يشركون. * ذكر من قال ذلك: ١٥٤٥٦- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا أبو ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿يلحدون﴾ قال: يشركون. [[الأثر: ١٠٤٥٦ - ((ابن ثور)) هو ((محمد بن ثور الصنعانى)) ، مضى في الإسناد مرارًا، آخره رقم: ١٥٤٣٧، حيث صححت خطأ آخر هناك. ثم ما سيأتي: ١٥٤٥٩. وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا ((حدثنا أبو ثور)) ، وهو خطأ محض.]] * * * وأصل "الإلحاد" في كلام العرب: العدول عن القصد، والجورُ عنه، والإعراض. ثم يستعمل في كل معوَجّ غير مستقيم، ولذلك قيل للحْد القبر: "لحد"، لأنه في ناحية منه، وليس في وسطه. يقال منه: "ألحد فلانٌ يُلْحِد إلحادًا"، و"لَحد يلْحَد لَحْدًا ولُحُودًا". [[(٢) المصدر الثاني ((اللحود)) ، قلما نجده في معاجم اللغة، فقيده.]] وقد ذكر عن الكسائي أنه كان يفرّق بين "الإلحاد" و"اللحٍْد"، فيقول في "الإلحاد": إنه العدول عن القصد، وفي "اللحد" إنه الركون إلى الشيء. وكان يقرأ جميع ما في القرآن: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ بضم الياء وكسر الحاء، إلا التي في النحل، فإنه كان يقرؤها: "يَلْحَدُون" بفتح الياء والحاء، [[آية سورة النحل: ١٠٣ على قراءة الكسائى: "لِسَانُ الَّذِي يَلْحَدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ ". وهي قراءة عامة قرأة أهل الكوفة / كما قال بن جرير بعد في تفسيره ١٤: ١٢٠ (بولاق) ، ولم يفرد الكسائي بالذكر هناك، لأنه خالفهم في قراءة الحرف في غير هذا الموضع.]] ويزعم أنه بمعنى الركون. وأما سائر أهل المعرفة بكلام العرب، فيرون أن معناهما واحدٌ، وأنهما لغتان جاءتا في حرفٍ واحدٍ بمعنى واحد. * * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض البصريين والكوفيين: ﴿يُلْحِدُون﴾ ، بضم الياء وكسر الحاء من "ألحد يُلْحِد" في جميع القرآن. * * * وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة: "يَلْحَدُونَ" بفتح الياء والحاء من "لَحَد يَلْحَدُ". * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، أنهما لغتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ في ذلك. غير أنِّي أختار القراءة بضمِّ الياء على لغة من قال: "ألحد"، لأنها أشهر اللغتين وأفصحهما. * * * وكان ابن زيد يقول في قوله: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾ ، إ نه منسوخٌ. ١٥٤٥٧ - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وذَرُوا الذين يلحدون في أسمائه﴾ قال: هؤلاء أهل الكفر، وقد نُسِخ، نَسَخه القتال. * * * = ولا معنى لما قال ابن زيد في ذلك من أنه منسوخ، لأن قوله: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾ ، ليس بأمر من الله لنبيّه ﷺ بترك المشركين أن يقولوا ذلك، حتى يأذن له في قِتالهم، وإنما هو تهديدٌ من الله للملحدين في أسمائه، ووعيدٌ منه لهم، كما قال في موضع آخر: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ، [سورة الحجر: ٣] الآية، وكقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ، [سورة العنكبوت: ٦٦] وهو كلام خرج مخرج الأمر بمعنى الوعيد والتهديد، ومعناه: أنْ مَهِّل الذين يلحدون، يا محمد، في أسماء الله إلى أجل هم بالغوه، [[في المطبوعة: ((أن تمهل)) لم يحسن قراءة المخطوطة.]] فسوف يجزون، إذا جاءهم أجل الله الذي أجلهم إليه، [[في المطبوعة: ((الذي أجله إليهم)) ، غير الضمائر، فأفسد الكلام إفساداً]] جزاءَ أعمالهم التي كانوا يعملونها قبل ذلك من الكفر بالله، والإلحاد في أسمائه، وتكذيب رسوله.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب