الباحث القرآني
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤) ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله تعالى ذكره بهذه الآية.
فقال بعضهم: عنى بها الذين نهى الله نبيَّه عن طردهم. وقد مضت الرواية بذلك عن قائليه. [[انظر ما سلف رقم: ١٣٢٥٨، وما بعده.]]
وقال آخرون: عنَى بها قومًا استفتوا النبي ﷺ في ذنوب أصابوها عظامٍ، فلم يؤيسهم الله من التوبة.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٢٩١- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان، عن مجمع قال، سمعت ماهان قال: جاء قوم إلى النبيّ ﷺ قد أصابوا ذنوبًا عظامًا. قال ماهان: فما إخاله ردّ عليهم شيئًا. قال: فأنزل الله تعالى ذكره هذه الآية:"وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم" الآية. [[الآثار: ١٣٢٩١ - ١٣٢٩٣ -"سفيان" هو: ابن عيينة.
و"مجمع"، هو"مجمع بن صمان" أبو حمزة التميمي"، ثقة، مضى برقم: ١٢٧١٠.
و"ماهان" الحنفي، أبو سالم الأعور العابد، مضى برقم: ٣٢٢٦.]]
١٣٢٩٢- حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن مجمع، عن ماهان: أنّ قومًا جاؤوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا محمد، إنا أصبنا ذنوبًا عظامًا! فما إخاله ردّ عليهم شيئًا، فانصرفوا فأنزل الله تعالى ذكره:"وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة". قال: فدعاهم فقرأها عليهم.
١٣٢٩٣- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن مجمّع التميمي قال، سمعت ماهان يقول: فذكر نحوه.
* * *
وقال آخرون: بل عُني بها قومٌ من المؤمنين كانوا أشاروا على النبي ﷺ بطرد القوم الذين نهاه الله عن طردهم، فكان ذلك منهم خطيئة، فغفرها الله لهم وعفا عنهم، وأمر نبيَّه ﷺ إذا أتوه أن يبشرهم بأن قد غفر لهم خطيئتهم التي سلفت منهم بمشورتهم على النبي ﷺ بطرد القوم الذين أشاروا عليه بطردهم. وذلك قول عكرمة وعبد الرحمن بن زيد، وقد ذكرنا الرواية عنهما بذلك قبل. [[انظر ما سلف رقم: ١٣٢٦٤، ١٣٢٦٥.]]
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بتأويل الآية، قولُ من قال: المعنيُّون بقوله:"وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم"، غيرُ الذين نهى الله النبي ﷺ عن طردهم. لأن قوله:"وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا"، خبر مستأنَفٌ بعد تقضِّي الخبر عن الذين نهى الله نبيه ﷺ عن طردهم. ولو كانوا هم، لقيل:"وإذا جاؤوك فقل سلام عليكم". وفي ابتداء الله الخبرَ عن قصة هؤلاء، وتركه وصلَ الكلام بالخبر عن الأولين، ما ينبئ عن أنهم غيرُهم.
فتأويل الكلام إذًا = إذ كان الأمر على ما وصفنا = وإذا جاءك، يا محمد، القومُ الذين يصدِّقون بتنزيلنا وأدلتنا وحججنا، فيقرّون بذلك قولا وعملا مسترشديك عن ذنوبهم التي سلفت منهم بيني وبينهم، هل لهم منها توبة، فلا تؤيسهم منها، وقل لهم:"سلام عليكم"، أَمَنَةُ الله لكم من ذنوبكم، أن يعاقبكم عليها بعد توبتكم منها [[انظر تفسير"سلام" فيما سلف ١٠: ١٤٥، ومادة (سلم) في فهارس اللغة.]] ="كتب ربكم على نفسه الرحمة"، يقول: قضى ربكم الرحمة بخلقه [[انظر تفسير"كتب" فيما سلف ص: ٢٧٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] ="أنه من عمل منكم سوءًا بجهالة ثم تابَ من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم".
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك:
فقرأته عامة قرأة المدنيين: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا﴾ ، فيجعلون"أنّ" منصوبةً على الترجمة بها عن"الرحمة" = ﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ، على ائتناف"إنه" بعد"الفاء" فيكسرونها، ويجعلونها أداة لا موضع لها، بمعنى: فهو له غفور رحيم = أو: فله المغفرة والرحمة. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٣٦، ٣٣٧.]]
* * *
وقرأهما بعض الكوفيين بفتح"الألف" منهما جميعًا، بمعنى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ = ثم ترجم بقوله: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ، عن الرحمة، ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ، فيعطف ب"أنه" الثانية على"أنه" الأولى، ويجعلهما اسمين منصوبين على ما بينت. [[انظر ما قاله أبو جعفر في بيان هذه القراءة فيما سلف ص: ٢٧٨ - ٢٨٠.]]
* * *
وقرأ ذلك بعض المكيين وعامة قرأة أهل العراق من الكوفة والبصرة: بكسر"الألف" من"إنه" و"إنه" على الابتداء، وعلى أنهما أداتان لا موضع لهما. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٣٦، ٣٣٧.]]
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب، قراءة من قرأهما بالكسر: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ إِنَّهُ﴾ ، على ابتداء الكلام، وأن الخبر قد انتهى عند قوله:"كتب ربكم على نفسه الرحمة"، ثم استؤنف الخبر عما هو فاعلٌ تعالى ذكره بمن عمل سوءًا بجهالة ثم تاب وأصلح منه.
* * *
ومعنى قوله:"إنه من عمل منكم سوءًا بجهالة"، أنه من اقترف منكم ذنبًا، فجهل باقترافه إياه [[انظر تفسير"الجهالة" فيما سلف ٨: ٨٩ - ٩٣، وهو بيان جيد جدًا.]] = ثم تاب وأصلح ="فإنه غفورٌ"، لذنبه إذا تاب وأناب، وراجع العمل بطاعة الله، وترك العود إلى مثله، مع الندم على ما فرط منه ="رحيم"، بالتائب أن يعاقبه على ذنبه بعد توبته منه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٢٩٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عثمان، عن مجاهد:"من عمل منكم سوءًا بجهالة"، قال: من جهل: أنه لا يعلم حلالا من حرام، ومن جهالته ركب الأمر.
١٣٢٩٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.
١٣٢٩٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد: " يعملون السوء بجهالة"، قال: من عمل بمعصية الله، فذاك منه جهل حتى يرجع.
١٣٢٩٧- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا بكر بن خنيس، عن ليث، عن مجاهد في قوله:"من عمل منكم سوءًا بجهالة"، قال: كل من عمل بخطيئة فهو بها جاهل. [[الأثر: ١٣٢٩٧ -"بكر بن خنيس الكوفي" العابد، يروى عن ليث بن أبي سليم، وعبد الرحمن بن زياد، وإسمعيل بن أبي خالد، وعطاء بن أبي رباح. قال ابن عدي: "وهو ممن يكتب حديثه، ويحدث بأحاديث مناكير عن قوم لا بأس بهم، وهو نفسه رجل صالح، إلا أن الصالحين يشبه عليهم الحديث، وربما حدثوا بالتوهم، وحديثه في جملة الضعفاء، وليس ممن يحتج بحديثه"، وقيل فيه ما هو أشد. مترجم في التهذيب.]]
١٣٢٩٨ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا خالد بن دينار أبو خلدة قال: كنا إذا دخلنا على أبي العالية قال:"وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة". [[الأثر: ١٣٢٩٨ -"خالد بن دينار التميمي السعدي"، "أبو خلدة"، ثقة، مضى برقم: ٤٤، ١٢٢٣٩.]]
{"ayah":"وَإِذَا جَاۤءَكَ ٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِـَٔایَـٰتِنَا فَقُلۡ سَلَـٰمٌ عَلَیۡكُمۡۖ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوۤءَۢا بِجَهَـٰلَةࣲ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق