الباحث القرآني
القول في تأويل قوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ:"قد نعلم"، يا محمد، إنه ليحزنك الذي يقول المشركون، وذلك قولهم له: إنه كذّاب ="فإنهم لا يكذبونك".
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك
[فقرأته جماعة من أهل الكوفة: ﴿فَإنَّهُمْ لا يُكْذِبونَكَ﴾ بالتخفيف] ، [[هذه الزيادة بين القوسين، ساقطة من المخطوطة والمطبوعة، ولكن زيادتها لا بد منها، واستظهرتها من نسبة هذه القراءة، فهي قراءة علي ونافع والكسائي. انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٣١، وتفسير أبي حيان ٤: ١١١، وغيرهما.]] بمعنى: إنهم لا يُكْذِبونك فيما أتيتهم به من وحي الله، ولا يدفعون أن يكون ذلك صحيحًا، بل يعلمون صحته، ولكنهم يجحَدون حقيقته قولا فلا يؤمنون به.
* * *
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يحكي عن العرب أنهم يقولون:"أكذبت الرجل"، إذا أخبرت أنه جاءَ بالكذب ورواه. قال: ويقولون:"كذَّبْتُه"، إذا أخبرت أنه كاذبٌ. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٣١.]]
* * *
وقرأته جماعة من قرأة المدينة والعراقيين والكوفة والبصرة: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ بمعنى: أنهم لا يكذّبونك علمًا، بل يعلمون أنك صادق = ولكنهم يكذبونك قولا عنادًا وحسدًا.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرأة، ولكل واحدة منهما في الصحة مخرج مفهوم.
وذلك أن المشركين لا شكَّ أنه كان منهم قوم يكذبون رسولَ الله ﷺ، ويدفعونه عما كان الله تعالى ذكره خصه به من النبوّة، فكان بعضهم يقول:"هو شاعر"، وبعضهم يقول:"هو كاهن"، وبعضهم يقول:"هو مجنون"، وينفي جميعُهم أن يكون الذي أتَاهم به من وحي السماء، ومن تنزيل رب العالمين، قولا. وكان بعضهم قد تبين أمرَه وعلم صحة نبوّته، وهو في ذلك يعاند ويجحد نبوّته حسدًا له وبغيًا.
* * *
فالقارئ: ﴿فَإنَّهُمْ لا يُكْذِبونَكَ﴾ = بمعنى [[في المطبوعة: "يعني به" وفي المخطوطة: "معنى أن الذين. . ."، وصواب قراءتها ما أثبت.]] أن الذين كانوا يعرفون حقيقة نبوّتك وصدق قولك فيما تقول، يجحدونَ أن يكون ما تتلوه عليهم من تنزيل الله ومن عند الله، قولا - وهم يعلمون أن ذلك من عند الله علمًا صحيحًا = مصيبٌ، [[السياق: "فالقارئ. . . مصيب".]] لما ذكرنا من أنه قد كان فيهم من هذه صفته.
وفي قول الله تعالى في هذه السورة: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [سورة المائدة: ٢٠] ، أوضح الدليل على أنه قد كان فيهم المعاند في جحود نبوّته ﷺ، مع علمٍ منهم به وبصحة نبوّته. [[في المطبوعة: ". . . على أنه قد كان فيهم العناد في جحود نبوته. . . مع علم منهم به وصحة نبوته"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب، إلا أنه في المخطوطة أيضًا"به وصحة نبوته"، فرأيت السياق يقتضي أن تكون"وبصحة"، فأثبتها.]]
* * *
وكذلك القارئ: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ = [[في المطبوعة: "يعني أنهم. . ."، وأثبت ما في المخطوطة.]] بمعنى: أنهم لا يكذبون رسول الله ﷺ إلا عنادًا، لا جهلا بنبوّته وصدق لَهْجته = مصيب، [[السياق: "وكذلك القارئ. . . مصيب".]] لما ذكرنا من أنه قد كان فيهم مَنْ هذه صفته.
وقد ذَهب إلى كل واحد من هذين التأويلين جماعة من أهل التأويل.
* * *
* ذكر من قال: معنى ذلك: فإنهم لا يكذبونك ولكنهم يجحدون الحقّ على علم منهم بأنك نبيٌّ لله صادق.
١٣١٩٠ - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله:"قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك"، قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ ذات يوم وهو جالس حزينٌ، فقال له: ما يُحزنك؟ فقال: كذَّبني هؤلاء! قال فقال له جبريل: إنهم لا يكذبونك، هم يعلمون أنك صادق،"ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون".
١٣١٩١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن أبي صالح قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ وهو جالس حزين، فقال له: ما يحزنك؟ . فقال: كذَّبني هؤلاء! فقال له جبريل: إنهم لا يكذبونك، إنهم ليعلمون أنك صادق،"ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون".
١٣١٩٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون"، قال: يعلمون أنك رسول الله ويجحدون.
١٣١٩٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط: عن السدي في قوله:"قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون"، لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة: يا بني زهرة، إن محمدًا ابن أختكم، فأنتم أحقُّ مَنْ كَفَّ عنه، [[في تفسير ابن كثير ٣: ٣٠٥، في هذا الموضع: "فأنتم أحق من ذب عنه".]] فإنه إن كان نبيًّا لم تقاتلوهُ اليوم، وإن كان كاذبًا كنتم أحق من كف عن ابن أخته! قفوا ههنا حتى ألقى أبا الحكم فإن غُلب محمدٌ [ﷺ] رجعتم سالمين، وإن غَلَب محمدٌ فإن قومكم لا يصنعون بكم شيئًا = فيومئذ سمّي"الأخنس"، وكان اسمه"أبيّ" = [[سمى"الأخنس"، لأنه من"خنس يخنس خنوسا"، إذا انقبض عن الشيء وتأخر ورجع.]] فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل، فقال: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ههنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا! فقال أبو جهل: وَيْحك، والله إن محمدًا لصادق، وما كذب محمّد قط، ولكن إذا ذهب بنو قُصَيِّ باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله:"فإنهم لا يكذّبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون"،"فآيات الله"، محمدٌ ﷺ.
١٣١٩٤- حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا قيس، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير:"فإنهم لا يكذبونك"، قال: ليس يكذّبون محمدًا، ولكنهم بآيات الله يجحدون.
* * *
* ذكر من قال: ذلك بمعنى: فإنهم لا يكذّبونك، ولكنهم يكذِّبون ما جئت به.
١٣١٩٥ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن ناجية قال: قال أبو جهل للنبي ﷺ: ما نتهمك، ولكن نتَّهم الذي جئت به! فأنزل الله تعالى ذكره:"فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون".
١٣١٩٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب: أنّ أبا جهل قال للنبي ﷺ: إنّا لا نكذبك، ولكن نكذب الذي جئت به! فأنزل الله تعالى ذكره:"فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون".
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك، فإنهم لا يبطلون ما جئتهم به.
* ذكر من قال ذلك:
١٣١٩٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب:"فإنهم لا يكذبونك"، قال: لا يبطلون ما في يديك.
* * *
وأما قوله:"ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون"، فإنه يقول: ولكن المشركين بالله، بحجج الله وآي كتابه ورسولِه يجحدون، فينكرون صحَّة ذلك كله.
* * *
وكان السدي يقول:"الآيات" في هذا الموضع، معنيٌّ بها محمّد ﷺ. وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه قبلُ. [[انظر آخر الأثر السالف رقم: ١٣١٩٣.]]
{"ayah":"قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَیَحۡزُنُكَ ٱلَّذِی یَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا یُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِینَ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ یَجۡحَدُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق