الباحث القرآني

القول في تأويل قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بقوله:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب". فقال بعضهم: عُني بقوله:"ليس بأمانيكم"، أهل الإسلام. * ذكر من قال ذلك: ١٠٤٩٠- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: تفاخر النصارى وأهلُ الإسلام، فقال هؤلاء: نحن أفضل منكم! وقال هؤلاء: نحن أفضل منكم! قال: فأنزل الله:"ليس بأمانيكم ولا أمانِّي أهل الكتاب". ١٠٤٩١- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: لما نزلت:"ليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب"، قال: أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء! فنزلت هذه الآية:"ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن". ١٠٤٩٢- حدثني أبو السائب وابن وكيع قالا حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق في قوله:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب"، قال: احتجَّ المسلمون وأهل الكتاب، فقال المسلمون: نحن أهدى منكم! وقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم! فأنزل الله:"ليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب"، قال: ففَلَج عليهم المسلمون بهذه الآية: [["الفلج": الفوز والظفر والعلو على الخصم.]] "ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن"، إلى آخر الآيتين. ١٠٤٩٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذُكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبيّنا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم! وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، نبيُّنا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله! فأنزل الله:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يُجْزَ بِه"، إلى قوله:"ومن أحسنُ دينًا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتَّبع ملَّة إبراهيم حنيفًا"، فأفلج الله حُجَّة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان. ١٠٤٩٤- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به"، قال: التقى ناس من اليهود والنصارى، فقالت اليهود للمسلمين: نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن على دين إبراهيم، ولن يدخل الجنة إلا من كان هودًا! وقالت النصارى مثل ذلك، فقال المسلمون: كتابنا بعد كتابكم، ونبينا بعد نبيكم، وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم، فنحن خير منكم، نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا! فردّ الله عليهم قولهم فقال:"ليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجزَ به"، ثم فضل الله المؤمنين عليهم فقال:"ومن أحسن دينًا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفًا". ١٠٤٩٥- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"ليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به"، تخاصم أهل الأديان، فقال أهل التوراة: كتابنا أول كتاب وخيرُها، ونبينا خيرُ الأنبياء! وقال أهل الإنجيل نحوًا من ذلك، وقال أهل الإسلام: لا دين إلا دين الإسلام، وكتابنا نَسَخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمرنا أن نعمل بكتابنا ونؤمن بكتابكم! فقضى الله بينهم فقال:"ليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به"، ثم خَّير بين أهل الأديان ففضل أهل الفضل فقال:"ومن أحسن دينًا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن" إلى قوله:"واتخذ الله إبراهيم خليلا". ١٠٤٩٦- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب"، إلى:"ولا نصيرًا"، تحاكم أهل الأديان، [["التحاكم" و"المحاكمة": التخاصم والمخاصمة.]] فقال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب، [[في المطبوعة: "خير من الكتب"، والصواب ما أثبت.]] أنزل قبل كتابكم، ونبينا خير الأنبياء! وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام، كتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم، ونعمل بكتابنا! فقضى الله بينهم فقال:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به"، وخيَّر بين أهل الأديان فقال:"ومن أحسن دينًا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفًا واتخذ الله إبراهيم خليلا." ١٠٤٩٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يَعلى بن عبيد وأبو زهير، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح قال: جلس أناس من أهل التوراة وأهل الإنجيل وأهل الإيمان، فقال هؤلاء: نحن أفضل! وقال هؤلاء: نحن أفضل! فأنزل الله:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به". ثم خصّ الله أهل الإيمان فقال:"ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن". ١٠٤٩٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن أبي صالح قال: جلس أهل التوراة وأهل الإنجيل وأهل الزبور فتفاخروا [[زاد في المطبوعة: "وأهل الإيمان"، وليست في المخطوطة وحذفتها، لأن السياق لا يحتاج إليها كما سترى في التعليق التالي.]] فقال هؤلاء: نحن أفضل! وقال هؤلاء: نحن أفضل! وقال هؤلاء: نحن أفضل! [[في المطبوعة، حذف"وقال هؤلاء: نحن أفضل" الثالثة، وهي ثابتة في المخطوطة، والفرق التي تفاخرت ثلاث فرق، كما رأيت قبل.]] فأنزل الله:"ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يُظلمون نقيرًا". ١٠٤٩٩- حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب"، قال: افتخر أهل الأديان، فقالت اليهود: كتابنا خير الكتب وأكرمها على الله، ونبينا أكرم الأنبياء على الله، موسى كلَّمه الله قَبَلا [["قبلا" (بفتحتين) و"قبلا" (بكسر وفتح) و"قبيلا"، أي: عيانا ومقابلة لا من وراء حجاب. وقد مضت هذه الكلمة في الآثار: ٧١١، ٤٠٣٩، وفسرت هناك. وكان في المطبوعة: "قيلا" بالياء المثناة التحتية، وهي في المخطوطة غير منقوطة.]] وخَلا به نجيًّا، وديننا خير الأديان! وقالت النصارى: عيسى ابن مريم خاتم الرسل، وآتاه الله التوراة والإنجيل، ولو أدركه موسى لاتّبعه، وديننا خير الأديان! وقالت المجوس وكفار العرب: ديننا أقدم الأديان وخيرها! وقال المسلمون: محمد نبينا خاتم النبيين وسيد الأنبياء، والفُرقان آخر ما أنزل من الكتب من عند الله، وهو أمين على كل كتاب، والإسلام خير الأديان! فخيَّر الله بينهم فقال:"ليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب". وقال آخرون: بل عنى الله بقوله:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب"، أهلَ الشرك به من عَبَدة الأوثان. * ذكر من قال ذلك: ١٠٥٠٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب"، قال: قريش، قالت:"لن نُبْعث ولن نعذَّب". ١٠٥٠١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ليس بأمانيكم"، قال: قالت قريش:"لن نبعث ولن نعذب"، فأنزل الله:"من يعمل سوءًا يجزَ به". ١٠٥٠٢- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به"، قال: قالت العرب:"لن نبعث ولن نعذَّب"، وقالت اليهود والنصارى: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [سورة البقرة: ١١١] ، أو قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ ، [سورة البقرة: ٨٠] = شك أبو بشر. [[الأثر: ١٠٥٠٢ -"أبو بشر" هو"ابن علية"، وهو: "إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي"، سيد المحدثين، الثقة المشهور. سلف مرارًا.]] ١٠٥٠٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد:"ليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب"، قريشٌ وكعبُ بن الأشرف [[في المطبوعة: "قال قريش وكعب بن الأشرف"، فحذفت"قال"، كما في المخطوطة. وفي المخطوطة: "كعب بن الأشرف نحوه"، ولم أجد لهذه الزيادة معنى، ولا وجهًا في التحريف أو التصحيف أهتدي إليه.]] ="من يعمل سوءًا يجز به". ١٠٥٠٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله:"ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب" إلى آخر الآية، قال: جاء حُيَيّ بن أخطب إلى المشركين فقالوا له: يا حُيَيّ، إنكم أصحاب كتب، فنحن خير أم محمد وأصحابه؟ فقال: نحن وأنتم خير منه! [[في المطبوعة: "أنتم خير منه"، وفي المخطوطة: "نحن خير منه"، وأثبت الصواب من الأثر السالف رقم: ٩٧٩٤.]] فذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [سورة النساء: ٥١، ٥٢] . ثم قال للمشركين:"ليس بأمانيِّكم ولا أمانيّ أهل الكتاب"، فقرأ حتى بلغ:"ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن"، رسول الله ﷺ وأصحابه="فأولئك يدخلون الجنة ولا يُظلمون نقيرًا"، قال: ووعد الله المؤمنين أن يكفر عنهم سيئاتهم، ولم يعد أولئك، وقرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة العنكبوت: ٧] . [[الأثر: ١٠٥٠٤ - مضى مختصرًا برقم: ٩٧٩٤.]] ١٠٥٠٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به"، قال: قالت قريش:"لن نُبعث ولن نعذَّب"! [[الأثر: ١٠٥٠٥ - كان في المطبوعة: "حدثنا أبو كريب"، مكان"حدثنا ابن حميد"، والذي في المخطوطة هو الصواب.]] * * * وقال آخرون: عُني به أهل الكتاب خاصَّة. * ذكر من قال ذلك: ١٠٥٠٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان قال، سمعت الضحاك يقول:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب" الآية، قال: نزلت في أهل الكتاب حين خالفوا النبي ﷺ. [[الأثر: ١٠٥٠٦ - في المطبوعة: "حدثنا أبي، عن أبي أسيد"، ولا أدري من أين جاء بهذا!! وفي المخطوطة: "حدثنا أبي سفيان"، والصواب"عن سفيان"، وهو الثوري. وهذا إسناد مضى مثله.]] * * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، ما قال مجاهد: من أنه عُني بقوله:"ليس بأمانيكم"، مشركي قريش. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآي قبل قوله:"ليس بأمانيكم"، وإنما جرى ذكر أمانيِّ نصيب الشيطان المفروضِ، وذلك في قوله:"ولأمنينَّهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام"، وقوله:"يعدهم ويمنيهم"، فإلحاق معنى قوله جل ثناؤه:"ليس بأمانيكم" بما قد جرى ذكره قبل، أحقُّ وأولى من ادِّعاء تأويلٍ فيه، لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل، ولا أثر عن الرسول ﷺ، ولا إجماع من أهل التأويل. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية إذًا: ليس الأمر بأمانيكم، يا معشر أولياء الشيطان وحزبه، التي يمنيكموها وليُّكم عدوّ الله، من إنقاذكم ممن أرادكم بسوءٍ، ونصرتكم عليه وإظفاركم به= ولا أماني أهل الكتاب الذين قالوا اغترارًا بالله وبحلمه عنهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ و ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ ، فإن الله مجازي كل عامل منكم جزاءَ عمله، مَن يعمل منكم سوءًا، ومن غيركم، يجز به، ولا يجدْ له من دون الله وليًّا ولا نصيرًا، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة. ومما يدلّ أيضًا على صحة ما قلنا في تأويل ذلك، وأنه عُني بقوله:"ليس بأمانيكم" مشركو العرب، كما قال مجاهد: إن الله وصف وعدَ الشيطان ما وعدَ أولياءهُ وأخبَر بحال وعده، ثم أتبع ذلك بصفة وعدِه الصادق بقوله:"والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا وعد الله حقًّا"، وقد ذكر جل ثناؤه مع وصفه وعد الشيطان أولياءه، تمنيتَه إياهم الأمانيّ بقوله: [[في المطبوعة: "وتمنيته" بالواو، والصواب حذفها كما في المخطوطة. وذلك أن معنى الكلام ذكر تمنيتهم مع وصف وعد الشيطان.]] "يعدهم ويمنيهم"، كما ذكر وعده إياهم. فالذي هو أشبهُ: أن يتبع تمنيتَه إياهم من الصفة، بمثل الذي أتبع عِدَته إياهم به من الصفة. وإذ كان ذلك كذلك، صحَّ أن قوله:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به" الآية، إنما هو خبر من الله عن أماني أولياء الشيطان، وما إليه صائرة أمانيهم= مع سيئ أعمالهم من سوء الجزاء، وما إليه صائرةٌ أعمال أولياء الله من حسن الجزاء. وإنما ضمَّ جل ثناؤه أهلَ الكتاب إلى المشركين في قوله:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب"، لأن أماني الفريقين من تمنية الشيطان إياهم التي وعدهم أن يمنِّيهموها بقوله:"ولأضلنهم ولأمنينّهم ولآمرنهم". القول في تأويل قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: عنى بـ "السوء" كل معصية لله. وقالوا: معنى الآية: من يرتكب صغيرةً أو كبيرة من مؤمن أو كافر من معاصي الله، يجازه الله بها. * ذكر من قال ذلك: ١٠٥٠٧- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: أن الربيع بن زياد سأل أبي بن كعب عن هذه الآية:"من يعمل سوءًا يجز به"، فقال: ما كنت أراك إلا أفقه مما أرى! النكبةَ والعودَ والخدْش. [[الأثر: ١٠٥٠٧ -"الربيع بن زياد بن أنس الحارثي"، روى عن أبي بن كعب، وكعب الأحبار. روى عنه أبو مجلز، ومطرف بن عبد الله بن الشخير، وحفصة بنت سيرين. ولم يذكر ابن أبي حاتم ولا الحافظ ابن حجر رواية قتادة عنه. وذكرها البخاري فقال: "ربيع بن زياد، سمع أبي بن كعب (من يعمل سوءًا يجز به) . قال معاذ بن فضالة، عن هشام، عن قتادة أن الربيع= وقالت حفصة عن الربيع بن زياد: سمع كعبًا". ولم يذكر البخاري فيه جرحًا. وكان الربيع عامل معاوية على خراسان. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢ / ١ / ٢٤٥، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٤٦٠. وكان في المطبوعة والمخطوطة، والدر المنثور: "زياد بن الربيع"، وهو خطأ، سيأتي على الصواب في الأثر التالي، وتبين ذلك بما رواه البخاري في الكبير أيضًا. فصححته من أجل ذلك. وهذا الأثر أشار إليه البخاري كما رأيت، ونسبه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٢٧، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، والبيهقي. و"النكبة" هي ما يصيب الرجل إذا ناله حجر اصطدم به. وفي الحديث: "إنه نكبت إصبعه"، أي نالتها الحجارة وأصابتها.]] ١٠٥٠٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا غندر، عن هشام الدستوائي قال، حدثنا قتادة، عن الربيع بن زياد قال: قلت لأبي بن كعب: قول الله تبارك وتعالى:"من يعمل سوءًا يجز به"، والله إن كان كل ما عملنا جُزينا به هلكنا! قال: والله إن كنتُ لأراك أفقهَ مما أرى! لا يصيب رجلا خدشٌ ولا عثرةٌ إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، حتى اللَّدغة والنَّفْحة. [[الأثر: ١٠٥٠٨ -"الربيع بن زياد"، انظر التعليق على الأثر السالف. وهذا الخبر هو الذي أشار إليه البخاري في التاريخ الكبير، كما ذكرت في التعليق السالف. و"النفحة" بالحاء المهملة، كأنه من"نفحت الدابة برجلها" إذا رمحت بها، وفي حديث شريح: "إنه أبطل النفح"، أراد نفح الدابة برجلها، وهو الرفس.]] ١٠٥٠٩- حدثنا القاسم بن بشر بن معروف قال، حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا حماد بن زيد، عن حجاج الصواف، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب قال: دخلت على عائشة كي أسألها عن هذه الآية:"ليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به"، قالت: ذاك ما يصيبكم في الدنيا. [[الأثر: ١٠٥٠٩ -"القاسم بن بشر بن معروف" شيخ للطبري، وستأتي روايته عنه برقم: ١٠٥٣١ وروى عنه مرارًا في التاريخ ١: ١٢، ٢٣، ٢٨، ٢٩، ٣٢، ١٠٦ / ٢: ١٩، وفي هذا الموضع من التاريخ قال: "حدثني القاسم بن بشر بن معروف، عن سليمان بن حرب". ولم أجد له ترجمة في غير تاريخ بغداد ١٢: ٤٢٧"القاسم بن بشر بن أحمد بن معروف، أبو محمد البغدادي"، سمع يحيى بن سليم الطائفي، وسفيان بن عيينة، وأبا داود الطيالسي. روى عنه عبد الله بن أبي سعد الوراق، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري. ثم لم يذكر رواية أبي جعفر الطبري عنه. وأخشى أن يكون هو شيخ الطبري، وأرجو أن يأتي بعد ما يدل على وجه الصواب. وكان في المطبوعة والمخطوطة، هنا"القاسم بن بشر بن معرور"، دل على صوابه إسناد أبي جعفر في مخطوطة التفسير فيما سيأتي رقم: ١٠٥٣١، وفي التاريخ. و"سليمان بن حرب بن بجيل الأزدي" سكن مكة، وكان قاضيها. روى عن شعبة، ومحمد بن طلحة بن مصرف، والحمادين، وجرير بن حازم. روى عنه البخاري وأبو داود، وروى له الباقون بواسطة أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن نصر الجهضمي، وعمرو بن علي الفلاس، وغيرهم. مترجم في التهذيب. و"أبو المهلب" هو"معاوية بن عمرو" أو "عمرو بن معاوية"، مختلف في اسمه، وهو عم أبي قلابة الجرمي، روى عن عمر وعثمان وأبي بن كعب، وغيرهم من الصحابة. مترجم في التهذيب. وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٠٨ من طريق سليمان بن حرب، ووضع الذهبي علامة (خ، م) ، أنه على شرط مسلم والبخاري.]] ١٠٥١٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني خالد: أنه سمع مجاهدًا يقول في قوله:"من يعمل سوءًا يجز به"، قال: يجز به في الدنيا. قال قلت: وما تبلُغ المصيبات؟ قال: ما تكره. * * * وقال آخرون: معنى ذلك: من يعمل سوءًا من أهل الكفر، يجز به. * ذكر من قال ذلك: ١٠٥١١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن:"من يعمل سوءًا يجز به"، قال: الكافر، ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ﴾ [سورة سبأ: ١٧] ، قال: من الكفار. ١٠٥١٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سهل، عن حميد، عن الحسن، مثله. ١٠٥١٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو همام الأهوازي، عن يونس بن عبيد، عن الحسن: أنه كان يقول:"من يعمل سوءًا يجز به"، و ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ﴾ ، [سورة سبأ: ١٧] ، يعني بذلك الكفار، لا يعني بذلك أهلَ الصلاة. ١٠٥١٤- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مبارك، عن الحسن في قوله:"من يعمل سوءًا يجز به"، قال: والله ما جازى الله عبدًا بالخير والشر إلا عذَّبه. [[هكذا في المطبوعة، وفي المخطوطة: "إلا عدبه" غير منقوطة. وأنا في شك منها. ولكن ربما وجه معناها إلى أن الله تعالى لو جازى العبد المؤمن بالخير، وجازاه بالشر، لكان جزاء الشر مفضيًا إلى طول عذابه، فما من امرئ إلا وله ذنوب، والذنوب توبق أصحابها، وعسى أن لا يقوم لها ما قدم العبد من الخير.]] قال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ، [سورة النجم: ٣١] . قال: أما والله لقد كانت لهم ذنوب، ولكنه غفرها لهم ولم يجازهم بها، إن الله لا يجازي عبده المؤمن بذنب، إذًا توبقه ذنوبه. ١٠٥١٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله:"من يعمل سوءًا يجز به"، قال: وعد الله المؤمنين أن يكفر عنهم سيئاتهم، ولم يعد أولئك= يعني: المشركين. ١٠٥١٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن الحسن:"من يعمل سوءًا يجز به"، قال: إنما ذلك لمن أراد الله هَوَانه، فأما من أراد كرامته، فإنه من أهل الجنة: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ ، [سورة الأحقاف: ١٦] ١٠٥١٧- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك:"من يعمل سوءًا يجز به"، يعني بذلك: اليهود والنصارى والمجوس وكفار العرب="ولا يجدون لهم من دون الله وليًّا ولا نصيرًا". * * * وقال آخرون: معنى"السوء" في هذا الموضع: الشرك. قالوا: وتأويل قوله:"من يعمل سوءًا يجز به"، من يشرك بالله يجزَ بشركه="ولا يجد له من دون الله وليًّا ولا نصيرًا". * ذكر من قال ذلك: ١٠٥١٨- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"من يعمل سوءًا يجز به"، يقول: من يشرك يجز به= وهو"السوء"="ولا يجد له من دون الله وليًّا ولا نصيرًا"، إلا أن يتوب قبل موته، فيتوب الله عليه. ١٠٥١٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير:"من يعمل سوءًا يجز به"، قال: الشرك. * * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلات التي ذكرناها بتأويل الآية، التأويلُ الذي ذكرناه عن أبي بن كعب وعائشة: وهو أن كل من عمل سوءًا صغيرًا أو كبيرًا من مؤمن أو كافر، جوزي به. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية: لعموم الآية كلَّ عامل سوء، من غير أن يُخَصَّ أو يستثني منهم أحد. فهي على عمومها، إذ لم يكن في الآية دلالة على خصوصها، ولا قامت حجة بذلك من خبر عن الرسول ﷺ. * * * فإن قال قائل: وأين ذلك من قول الله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ . [سورة النساء: ٣١] ؟ وكيف يجوز أن يجازِي على ما قد وعد تكفيره؟ قيل: إنه لم يعد بقوله:"نكفر عنكم سيئاتكم"، تركَ المجازاة عليها، وإنما وعدَ التكفير بترك الفضيحة منه لأهلها في معادهم، كما فضح أهلَ الشرك والنفاق. فأما إذا جازاهم في الدنيا عليها بالمصائب ليكفرها عنهم بها، ليوافوه ولا ذنب لهم يستحقون المجازاة عليه، فإنما وفَى لهم بما وعدهم بقوله:"نكفر عنكم سيئاتكم"، وأنجز لهم ما ضمن لهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ ، [سورة النساء: ١٢٢] . * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك: تظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ. ذكر الأخبار الواردة بذلك: ١٠٥٢٠- حدثنا أبو كريب وسفيان بن وكيع ونصر بن علي وعبد الله بن أبي زياد القطواني قالوا، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن محيصن، عن محمد بن قيس بن مخرمة، عن أبي هريرة قال: لما نزلت هذه الآية:"من يعمل سوءًا يجز به"، شقَّت على المسلمين، وبلغت منهم ما شاء الله أن تبلغ، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: قاربوا وسدِّدوا، ففي كل ما يصابُ به المسلم كفارةٌ، حتى النكبةُ ينْكبها، أو الشَّوكة يُشاكها. [[الأثر: ١٠٥٢٠ -"نصر بن علي" هو الجهضمي، مضى برقم: ٢٨٦١، ٢٣٧٦ و"عبد الله بن أبي زياد القطواني" مضى برقم: ٥٧٩٦. و"ابن محيصن" هو: عمر بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي القرشي، من أهل مكة. وانظر بقية ترجمته ومراجعها في شرح مسند أحمد. و"محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف"، تابعي ثقة. وانظر شرح المسند. وكان في المخطوطة والمطبوعة: "محمد بن قيس عن مخرمة" وهو خطأ محض. وهذا الأثر رواه بهذا الإسناد أحمد في مسنده: ٧٣٨٠، واستوفى أخي السيد أحمد التعليق عليه، وأزيد أن البيهقي خرجه في السنن ٣: ٣٧٣. "النكبة": هي إصابة الحجر الإصبع، إذا عثر الرجل عثرة، أو ما كانت.]] ١٠٥٢١- حدثني عبد الله بن أبي زياد وأحمد بن منصور الرمادي قالا حدثنا زيد بن حباب قال، حدثنا عبد الملك بن الحسن الحارثي قال، حدثنا محمد بن زيد بن قنفذ، عن عائشة، عن أبي بكر قال: لما نزلت:"من يعمل سوءًا يجز به"، قال أبو بكر: يا رسول الله، كل ما نَعْمل نؤاخذ به؟ فقال: يا أبا بكر، أليس يُصيبك كذا وكذا؟ فهو كفارته. [[الأثر: ١٠٥٢١ -"عبد الله بن أبي زياد القطواني" سلف في رقم: ١٠٥٢٠. و"أحمد بن منصور الرمادي"، مضت ترجمته رقم: ١٠٢٦٠. و"زيد بن حباب العكلي" مضى برقم: ٢١٨٥، ٥٣٥٠، ٨١٦٥، وكان في المطبوعة: "يزيد بن حيان"، وهو خطأ محض، صوابه من المخطوطة. و"عبد الملك بن الحسن بن أبي حكيم الحارثي"، ويقال: "الجاري"، "أبو مروان الأحول". قال أحمد: "لا بأس به"، وقال ابن معين: "ثقة". مترجم في التهذيب. و"محمد بن زيد بن قنفذ" هو: "محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ التيمي الجدعاني القرشي" رأى ابن عمر رؤية، وابن عمر مات سنة ٧٣، وعائشة أم المؤمنين ماتت سنة ٥٨، فهو لم يرها بلا شك، فحديثه عنها منقطع. مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ١ / ٨٤، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ٢٥٥. وهذا الأثر ذكره ابن كثير في التفسير ٢: ٥٨٧، والسيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٦٦، ولم ينسباه لغير ابن جرير.]] ١٠٥٢٢- حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري قال، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن زياد الجصاص، عن علي بن زيد، عن مجاهد قال، حدثني عبد الله بن عمر: أنه سمع أبا بكر يقول: سمعت النبي ﷺ يقول:"من يعمل سوءًا يجز به" في الدنيا. [[الأثر: ١٠٥٢٢ -"إبراهيم بن سعيد الجوهري الطبري"، مضى برقم: ٣٣٥٥، ٣٩٥٩. و"عبد الوهاب بن عطاء الخفاف" مضى برقم: ٥٤٢٩، ٥٤٣٢. و"زياد بن أبي زياد الجصاص"، ضعيف جدًا، ليس بشيء. و"علي بن زيد" هو ابن جدعان. ثقة، سيئ الحفظ. مضى برقم: ٤٠، ٤٨٩٧، ٦٤٩٥. وهذا الأثر رواه أحمد في المسند: ٢٣، وقال أخي السيد أحمد: "إسناده ضعيف". وخرجه ابن كثير في تفسيره ٢: ٥٨٧، مطولا عن أبي بكر بن مردويه، عن محمد بن هشام بن جهيمة، عن يحيى بن أبي طالب، عن عبد الوهاب بن عطاء، ثم قال: "ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن الفضل بن سهل، عن عبد الوهاب بن عطاء، به مختصرًا". وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٦٦، وزاد نسبته للخطيب في المتفق والمفترق.]] ١٠٥٢٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن إسماعيل، عن أبي بكر بن أبي زهير، عن أبي بكر الصديق أنه قال: يا نبي الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال النبي ﷺ: أيّة آية؟ قال يقول الله:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به"، فما عملناه جزينا به؟ فقال النبي ﷺ: غفر الله لك يا أبا بكر! ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تُصيبك اللأواء؟ قال: فهو ما تجزون به! [[الأثر: ١٠٥٢٣ - هذا الأثر وما يليه إلى رقم: ١٠٥٢٨، ستة أسانيد لخبر واحد، وسيأتي الكلام عليها في آخرها. "اللأواء": الشدة وضيق المعيشة والمشقة.]] ١٠٥٢٤- حدثنا يونس قال، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد= قال: أظنه عن أبي بكر الثقفي، عن أبي بكر قال: لما نزلت هذه الآية:"من يعمل سوءًا يجز به"، قال أبو بكر: كيف الصلاح؟ = ثم ذكر نحوه، إلا أنه زاد فيه: ألست تُنْكب؟ [[الأثر: ١٠٥٢٤ - هذا الأثر ساقط من المخطوطة. و"نكب الرجل ينكب" بالبناء للمجهول، أصابه حجر فثلم إصبعه أو ظفره.]] ١٠٥٢٥- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي بكر بن أبي زهير: أن أبا بكر قال للنبي ﷺ: كيف الصلاح؟ فذكر مثله. [[في المطبوعة: "فذكر نحوه"، وأثبت ما في المخطوطة.]] ١٠٥٢٦- حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا أبو مالك الجنبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي قال، قال أبو بكر: يا رسول الله، فذكر نحوه= إلا أنه قال: فكل سوء عملناه جُزينا به؟ وقال أيضًا: ألست تمرض؟ ألست تَنْصب؟ [["نصب الرجل ينصب نصبًا" (المصدر بفتحات) : أعيى وتعب]] ألست تحزن؟ أليس تصيبك اللأواء؟ قال: بلى، قال: هو ما تجزون به! ١٠٥٢٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن ابن أبي خالد، عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي قال: لما نزلت هذه الآية:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به"، قال: قال أبو بكر: يا رسول الله، وإنا لنجزى بكل شيء نعمله؟ قال: يا أبا بكر، ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ فهذا مما تجزون به. ١٠٥٢٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا ابن أبي خالد قال، [[في المخطوطة: "قال حدثنا أبي عن خالد"، وهو خطأ صوابه ما في المطبوعة.]] حدثني أبو بكر بن أبي زهير الثقفي، عن أبي بكر، [[في المطبوعة: "فذكر مثل ذلك"، وأثبت ما في المخطوطة.]] فذكر مثله. [[الآثار: ١٠٥٢٣ -١٠٥٢٨ - خبر واحد، "أبو بكر بن أبي زهير الثقفي"، من صغار التابعين، وهو مستور، لم يذكر بجرح ولا تعديل. ولذلك قال أخي السيد أحمد في المسند رقم: ٦٨، "إسناده ضعيف لانقطاعه"، ثم قال: "وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وهو عجب منهما، فإن انقطاع إسناده بين". رواه أحمد في المسند: ٦٨ -٧١، والبيهقي في السنن ٣: ٣٧٣، والحاكم في المستدرك ٣: ٧٤، ٧٥، وخرجه ابن كثير في تفسيره: ٢: ٥٨٧، والسيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٦٦، وزاد نسبته إلى هناد، وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي، وأبي يعلى، وابن المنذر، وابن حبان، وابن السني في عمل اليوم والليلة، والبيهقي في شعب الإيمان.]] ١٠٥٢٩- حدثنا أبو السائب وسفيان بن وكيع قالا حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم قال: قال أبو بكر: يا رسول الله، ما أشد هذه الآية:"من يعمل سوءًا يجز به"؟ قال: يا أبا بكر، إنّ المصيبة في الدنيا جزاء. [[الأثر: ١٠٥٢٩ -"أبو معاوية" هو"محمد بن خازم التميمي" أبو معاوية الضرير، مضى برقم: ٢٧٨٣. و"الأعمش" هو"سليمان بن مهران" مضى: ٢٩١٨، ٣٢٩٥، ٨٢٠٧، ٨٢٠٨. و"مسلم" هو: "مسلم بن صبيح الهمداني" مضى برقم: ٥٤٢٤، ٧٢١٦، ٨٢٠٦. وهذا الأثر خرجه ابن كثير في تفسيره ٢: ٥٨٨ عن ابن مردويه: "حدثنا محمد بن أحمد بن إسحاق العسكري، قال حدثنا محمد بن عامر السعدي، قال حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا فضيل بن عياض، عن سليمان بن مهران، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، قال قال أبو بكر"، وساق الحديث بأطول مما هنا، وبغير هذا اللفظ. وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٢٦، ٢٢٧ بلفظ ابن مردويه، عن مسروق عن أبي بكر، ونسبه لابن جرير، وأبي نعيم في الحلية، وهناد، وسعيد بن منصور. بيد أن خبر الطبري ليس فيه ذكر"مسروق"، وهو"مسروق بن الأجدع الوداعي الهمداني"، مضى برقم: ٢٤٢، ٧٢١٦، فأخشى أن يكون سقط من النساخ ذكر"مسروق" في هذا الإسناد.]] ١٠٥٣٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا روح بن عبادة قال، حدثنا أبو عامر الخزاز، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت، قلت: إني لأعلم أيُّ آية في كتاب الله أشدُّ؟ فقال لي النبي ﷺ: أيّ آية؟ فقلت:"من يعمل سوءًا يجز به"! قال:"إن المؤمن ليجازى بأسوإِ عمله في الدنيا"، ثم ذكر أشياء منهن المرض والنَّصبُ، فكان آخره أنه ذكر النكبة، [[في المطبوعة: "أن ذكر النكبة"، وأثبت ما في المخطوطة. و"النكبة" كما أسلفت: إصابة الحجر إصبع المرء أو ظفره.]] فقال:"كلُّ ذي يجزى به بعمله، يا عائشة، [[في المطبوعة: "يجزى بعمله"، وأثبت ما في المخطوطة.]] إنه ليس أحدٌ يحاسب يوم القيامة إلا يعذَّب". فقلت: أليسَ يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ ، [سورة الانشقاق: ٨] ؟ فقال: ذاك عند العرض، إنه من نُوقش الحسابَ عُذِّب [["ناقشه الحساب مناقشة": استقصى في محاسبته حتى لا يترك منه شيء، من قولهم: "نقش الشوكة": إذا استقصى استخراجها من جسمه.]] = وقال بيده على إصبعه، [["قال بيده": أشار بها وأومأ. و"القول" لفظ مستعمل في معاني عدة. وفي المطبوعة: "كأنه ينكت" بغير هاء في آخره، وأثبت ما في المخطوطة، وهو موافق لما يأتي في التفسير ٣٠: ٨٤ (بولاق) حيث روي هذا الأثر مختصرًا.]] كأنه يَنْكُته. [[الأثر: ١٠٥٣٠ -"روح بن عبادة القيسي"، ثقة، مضت ترجمته برقم: ٣٠١٥، ٣٣٥٥، ٣٩١٢. "أبو عامر الخزاز"، هو: "صالح بن رستم المزني"، مضى برقم: ٥٤٥٨، ٦٣٧١، ٦٣٨٣، ٦٣٨٤، ٦٣٨٧، ٦٦١٤. و"الخزاز" بمعجمات، وكان في المطبوعة: "الخراز"، وفي المخطوطة غير منقوطة. و"ابن أبي مليكة" هو: "عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة" سمع عائشة وغيرها من الصحابة. مضى برقم: ٦٦٠٥، ٦٦١٠. وهذا الأثر رجاله جميعًا ثقات. وسيأتي برقم: ١٠٥٣٢، من طريق هشيم عن أبي عامر الخزاز، بغير هذا اللفظ مختصرًا. ورواه البخاري بغير هذا اللفظ من طريق سعيد بن أبي مريم، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة عن عائشة (الفتح ١: ١٧٦) . ثم رواه (الفتح ٨: ٥٣٥) بغير هذا اللفظ من ثلاث طرق: من طريق يحيى القطان، عن عثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة. ثم من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة. ثم من طريق يحيى، عن أبي يونس حاتم بن أبي صغيرة، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة. ثم عاد فرواه (الفتح ١١: ٣٤٧، ٣٤٨) من سبع طرق، واستوفى الحافظ ابن حجر الكلام فيه في هذه المواضع الثلاثة من صحيح البخاري. ورواه مسلم في صحيحه (١٧: ٢٠٨) من أربع طرق: من طريق ابن علية، عن أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة. ومن طريق حماد بن زيد، عن أيوب، بهذا الإسناد نحوه. ومن طريق يحيى بن سعيد القطان، عن أبي يونس القشيري، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة. ومن طريق يحيى القطان، عن عثمان بن الأسود عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، بمثل حديث أبي يونس. ثم رواه أبو داود في السنن ٣: ٢٥٠ رقم: ٣٠٩٣، بغير هذا اللفظ من طريق عثمان بن عمر، عن أبي عامر الخزاز، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة. ثم رواه الترمذي مختصرًا في (باب ما جاء في العرض) وفي (تفسير سورة الانشقاق) من طريق عثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، وقال: "هذا حديث حسن صحيح". وسيأتي في تفسير أبي جعفر، بعدة طرق في تفسير سورة الانشقاق: ٣٠: ٧٤ (بولاق) وسنتكلم في أسانيدها هناك. وخرجه مختصرًا ابن كثير في تفسيره ٢: ٥٨٩، والسيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٢٧، وقصرا في نسبته، وزاد السيوطي نسبته لابن أبي حاتم، والبيهقي. وقوله: "ينكته" من قولهم: "نكت الأرض بقضيب أو بإصبع": أي ضرب بطرفه في الأرض حتى يؤثر فيها. وهو إشارة مناقشة الحساب، وهو كما أسلفنا استقصاء الحساب، كأن المحاسب ينقش عن شوكة استخفت تحت الجلد فهو يستخرجها من باطن اللحم. يقول ﷺ: هكذا يفعل بالمرء إذا نوقش واستقصيت ذنوبه.]] ١٠٥٣١- حدثني القاسم بن بشر بن معروف قال، حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أمية قالت: سألت عائشة عن هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ، [سورة البقرة: ٢٨٤] ، و"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به". قالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله ﷺ عنها [[في مسند أحمد ٦: ٢١٨"عنهما"، وهي أجود، ولكن ثبت في المخطوطة: "عنها" بالإفراد ولا بأس بذلك في العربية.]] فقال: يا عائشة، ذاك مَثَابَةُ الله للعبد بما يصيبه من الحمَّى والكِبر، [[في المطبوعة: "مثابة الله العبد" بغير لام في"العبد" وأثبت ما في المخطوطة. وفي المخطوطة: "مثابة" منقوطة ظاهرة. وقد مضت في الأثر: ٦٤٩٥"متابعة الله العبد"، ومثلها في المسند ٦: ٢١٨، وفي الطيالسي: ٢٢١"معاتبة". فإن صح ما في المخطوطة، وكأنه صواب جيد. فإن"المثابة" من"ثاب إليه يثوب"، أي: رجع، يقول: فذاك رجوع الله العبد بالمغفرة. وذلك معنى"الثواب"، وهو الجزاء أيضًا. أي: فهذا جزاء الله عبده. وقد سلف في رقم: ٦٤٩٥، تفسير"المتابعة" و"المعاتبة" فراجعه.]] والبِضَاعة يضعها في كمه فيفقدها، فيفزع لها فيجدها في كمه، [[هكذا هنا"فيجدها في كمه" وفي الأثر: ٦٤٩٥، "في ضبنه"، وفي الطيالسي: ٢٢١"في جيبه"، وهي قريب من قريب. وفي سائر الأثر اختلاف في بعض اللفظ.]] حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التِّبْر الأحمر من الكِير. [[الأثر: ١٠٥٣١-"القاسم بن بشر بن معروف"، مضى برقم: ١٠٥٠٩، وكان هنا في المطبوعة: "بن معرور" بالراء في آخره، كما كان هناك في المخطوطة والمطبوعة، ولكن جاء هنا في المخطوطة على الصواب"بن معروف" بالفاء. و"سليمان بن حرب" مضى أيضًا برقم: ١٠٥٠٩. وهذا الأثر رواه الطبري آنفًا برقم ٦٤٩٥، من طريق الربيع، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، بمثله، مع خلاف يسير في لفظه، وقد خرجه أخي السيد أحمد هناك مستوفى، وشرحت هناك ألفاظه وغريبه.]] ١٠٥٣٢- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو عامر الخزاز قال، حدثنا ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله، إني لأعلم أشدَّ آية في القرآن! فقال: ما هي يا عائشة؟ قلت: هي هذه الآية يا رسول الله:"من يعمل سوءًا يجز به"، فقال: هو ما يصيب العبدَ المؤمن، حتى النكبة يُنْكبها. [[الأثر: ١٠٥٣٢ - سلف تخريج هذا الأثر برقم: ١٠٥٣٠. وكان هنا أيضًا في المطبوعة: "الخراز"، بالراء، وصوابه ما أثبت.]] ١٠٥٣٣- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن الربيع بن صبيح، عن عطاء قال: لما نزلت:"ليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به"، قال أبو بكر: يا رسول الله، ما أشد هذه الآية؟ قال: يا أبا بكر، إنك تمرض، وإنك تحزن، وإنك يُصيبك أذًى، فذاك بذاك. [[الأثر: ١٠٥٣٣ - هذا أثر مرسل، عطاء بن أبي رباح، لم يسمع أبا بكر."الربيع بن صبيح السعدي"، مضت ترجمته برقم: ٦٤٠٣، ٦٤٠٤، ٧٤٨٢، ٧٦٠٣، وهو ضعيف. وترجم له البخاري في الكبير ٢ / ١ / ٢٥٤. وكان في المطبوعة والمخطوطة"بن صبح"، وهو خطأ محض.]] ١٠٥٣٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني عطاء بن أبي رباح قال: لما نزلت قال أبو بكر: جاءت قاصمة الظهر! فقال رسول الله ﷺ: إنما هي المصيبات في الدنيا. [[الأثر: ١٠٥٣٤ - هذا أثر مرسل. ولم أجده في مكان.]] * * * القول في تأويل قوله: ﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٢٣) ﴾ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولا يجد الذي يعمل سوءًا من معاصي الله وخلاف ما أمره به="من دون الله"، يعني: من بعد الله، وسواه [[انظر تفسير"من دون" فيما سلف ص: ٢١١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ="وليًّا" يلي أمره، [[في المخطوطة: "وليا، ولي يلي أمره"، بزيادة"ولي".]] ويحمي عنه ما ينزل به من عقوبة الله [[انظر تفسير: "ولي" فيما سلف ص: ٢٠٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ="ولا نصيرًا"، يعني: ولا ناصرًا ينصره مما يحلّ به من عقوبة الله وأليم نَكاله. [[انظر تفسير"نصير" فيما سلف ص: ١٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب