الباحث القرآني

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: أن هؤلاء الذين نهى الله المؤمنين أن يتخذوهم بطانة من دونهم، ووصفهم بصفتهم، إذا لقوا المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ أعطوهم بألسنتهم تقيةً حذرًا على أنفسهم منهم فقالوا لهم:"قد آمنا وصدقنا بما جاء به محمد ﷺ"، وإذا هم خلوا فصاروا في خلاء حيث لا يراهم المؤمنون، [[انظر تفسير"خلا" فيما سلف ١: ٢٩٨، ٢٩٩.]] عضوا - على ما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم - أناملَهم، وهي أطراف أصابعهم، تغيُّظًا مما بهم من الموجدة عليهم، وأسىً على ظهرٍ يسنِدون إليه لمكاشفتهم العداوة ومناجزتهم المحاربة. [[الظهر: الأعوان والأنصار، كأنهم لمن ينصرونه ظهر.]] * * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: ٧٦٩٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ"، إذا لقوا المؤمنين قالوا:"آمنا"، ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم، فصانعوهم بذلك ="وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ"، يقول: مما يجدون في قلوبهم من الغيظ والكراهة لما هم عليه. لو يجدون ريحًا لكانوا على المؤمنين، [[الريح: القوة والغلبة، ومنه قول تأبط شرًا أو السليك بن السلكة: أَتَنْظُرَانِ قَلِيلا رَيْثَ غَفْلَتِهمْ ... أَوْ تَعْدُوَان، فَإِنَّ الرِّيحَ للعَادِي]] فهم كما نعت الله عز وجل. ٧٧٠٠- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بمثله = إلا أنه قال: من الغيظ لكراهتهم الذي هم عليه = ولم يقل:"لو يجدون ريحًا"، وما بعده. ٧٧٠١- حدثنا عباس بن محمد قال، حدثنا مسلم قال: حدثني يحيى بن عمرو بن مالك النُّكري قال، حدثنا أبي قال: كان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية:"وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ"، قال: هم الإباضية. [[الأثر: ٧٧٠١-"عباس بن محمد بن حاتم" الدوري، روى عنه الأربعة. مترجم في التهذيب. و"مسلم" هو"مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي"، مضت ترجمته برقم: ٢٨٦١. و"يحيى بن عمرو بن مالك النكري". روى عن أبيه، وهو منكر الحديث. و"النكرى" بضم النون وتسكين الكاف، نسبة إلى بني نكرة بن لكيز من عبد قيس. وأبوه"عمرو بن مالك النكري"، ثقة وتكلم فيه البخاري وضعفه. روى عن أبيه وعن أبي الجوزاء. و"أبو الجوزاء" هو"أوس بن عبد الله الربعي من الأزد"، روى عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس. كان عابدًا فاضلا. واستضعف البخاري إسناده إلى عائشة وابن مسعود وغيرهما من الصحابة. مترجم في التهذيب. و"الإباضية"، فرقة من الحرورية، وهم أصحاب عبد الله بن إباض التميمي، الخارج في أيام مروان بن محمد. ومن قولهم: إن مخالفينا من أهل القبلة كفار غير مشركين، ومناكحتهم جائزة، وموارثتهم حلال، وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال، وما سواه حرام، وإن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد. وقالوا: إن مرتكب الكبيرة موحد، لا مؤمن.]] * * * و"الأنامل" جمع"أنملة" ويقال"أنملة"، [[يعني بفتح الهمزة وضم الميم، وضم الهمزة والميم جميعا.]] وربما جمعت"أنملا"، [["أنمل" هذا جمع لم تورده كتب اللغة، وإنما ذكروا"أنملات"، وقالوا إنه أحد ما كسر وسلم بالتاء، قال ابن سيدهْ: "إنما قلت هذا، لأنهم قد يستغنون بالتكسير عن جمع السلامة، وبجمع السلامة بالتكسير، وربما جمع الشيء بالوجهين جميعًا".]] قال الشاعر: [[لم أعرف قائله.]] أوَدُّكُما، مَا بَلَّ حَلْقِيَ رِيقَتِي ... وَما حَمَلَتْ كَفَّايَ أَنْمُلِيَ العَشْرَا [[قوله: "أود كما" أي: لا أود كما، حذفت"لا" مع القسم. والريقة: الريق. وقوله: "ما بل حلقي ريقي ... " إلى آخر البيت بمعنى التأييد، أي. لا أود كما أبدًا ما حييت.]] وهي أطراف الأصابع؛ كما:- ٧٧٠٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"الأنامل"، أطراف الأصابع. ٧٧٠٢ م - حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بمثله. ٧٧٠٣- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل"، الأصابع. ٧٧٠٤- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قوله:"عضوا عليكم الأنامل من الغيظ"، قال: عضوا على أصابعهم. [[عند هذا آخر قسم من التقسيم القديم، وفي المخطوطة هنا ما نصه: "يتلوه القولُ في تأويل قوله: قُلْ مُوتُوا بِغَيظكم إنَّ الله عليمٌ بذات الصُّدُور وصلى الله على محمد النبي وآله وصحبه وسلم كثيرًا" ثم يتلوه بعد: "بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن جرير" ثم انظر ما سلف في بيان هذا الإسناد الجديد للنسخة، في ٦: ٤٩٥، ٤٩٦ تعليق: ٥ / ثم ٧: ٢٣، تعليق ١.]] * * * القول في تأويل قوله عز وجل: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) ﴾ قال أب جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"قل"، يا محمد، لهؤلاء اليهود الذين وصفت لك صفتهم، وأخبرتك أنهم إذا لقوا أصحابك قالوا: آمنا، وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ =:"موتوا بغيظكم" الذي بكم على المؤمنين لاجتماع كلمتهم وائتلاف جماعتهم. وخرَج هذا الكلام مخرج الأمر، وهو دعاء من الله نبيَّه محمدًا ﷺ بأن يدعو عليهم بأن يهلكهم الله، كمَدًا مما بهم من الغيظ على المؤمنين، قبل أن يروا فيهم ما يتمنون لهم من العنت في دينهم، والضلالة بعد هداهم، فقال لنبيه ﷺ: قل يا محمد: أهلكوا بغيظكم ="إن الله عليم بذات الصدور"، يعني بذلك: إن الله ذو علم بالذي في صدور هؤلاء الذين إذا لقوا المؤمنين، قالوا:"آمنا"، وما ينطوون لهم عليه من الغل والغم، ويعتقدون لهم من العداوة والبغضاء، وبما في صدور جميع خلقه، حافظٌ على جميعهم ما هو عليه منطوٍ من خير وشر، حتى يجازي جميعهم على ما قدَّم من خير وشر، واعتقد من إيمان وكفر، وانطوى عليه لرسوله وللمؤمنين من نصيحة، أو غِلّ وغِمْر. [[الغمر (بكسر الغين وسكون الميم) ، والغمر (بفتحتين) ، الحقد والغل، الذي يغمر القلب غمرًا.]]
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب