الباحث القرآني

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ذلك. فقال بعضهم: معنى ذلك: ليس البرَّ الصلاةُ وحدها، ولكن البرّ الخصال التي أبينها لكم. ٢٥١٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ليسَ البرّ أن تُولوا وُجُوهكم قِبَل المشرق والمغرب"، يعني: الصلاة. يقول: ليس البر أن تصلوا ولا تَعملوا، فهذا منذ تحوَّل من مكة إلى المدينة، ونزلت الفرائض، وحدَّ الحدود. فأمر الله بالفرائض والعمل بها. ٢٥١٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب"، ولكنّ البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله. ٢٥١٥- حدثني القاسم قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله. ٢٥١٦- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن ابن عباس قال: هذه الآية نزلت بالمدينة:"ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب"، يعني: الصلاة. يقول: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا غيرَ ذلك. قال ابن جريج، وقال مجاهد:"ليس البرّ أن تُولوا وجوهكم قبَل المشرق والمغرب"، يعني السجود، ولكن البر ما ثبت في القلب من طاعة الله. ٢٥١٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، [[في المطبوعة: "أبو نميلة" بالنون، والصواب ما أثبت. وانظر الأثر رقم: ٢٤٩٠ والتعليق عليه.]] عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم، أنه قال فيها، قال يقول: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك. وهذا حين تحوّل من مكة إلى المدينة، فأنزل الله الفرائض وحدَّ الحدود بالمدينة، وأمر بالفرائض أن يؤخذ بها. * * * وقال آخرون: عنى الله بذلك اليهود والنصارى. وذلك أن اليهود تصلي فتوجِّه قبل المغرب، والنصارى تصلي فتوَجَّه قبل المشرق، فأنزل الله فيهم هذه الآية، يخبرهم فيها أن البرّ غير العمل الذي يعملونه، ولكنه ما بيناه في هذه الآية * ذكر من قال ذلك: ٢٥١٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: كانت اليهود تصلي قبَل المغرب والنصارى تصلي قبل المشرق، فنزلت:"ليس البر أن تولوا وُجُوهكم قبل المشرق والمغرب". ٢٥١٩- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر"، ذُكر لنا أن رَجلا سأل نبي الله ﷺ عن البر فأنزل الله هذه الآية. وذُكر لنا أن نبي الله ﷺ دعا الرجل فتلاها عليه. وقد كان الرجلُ قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ثم مات على ذلك يُرْجى له ويطمع له في خير، فأنزل الله:"ليسَ البر أن تولوا وجوهَكم قبل المشرق والمغرب". وكانت اليهود تَوجَّهت قبل المغرب، والنصارى قبل المشرق -"ولكن البر من آمنَ بالله واليوم الآخر" الآية. ٢٥٢٠- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قال: كانت اليهود تصلي قبل المغرب، والنصارى قبل المشرق، فنزلت:"ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب". * * * قال أبو جعفر: وأولى هذين القولين بتأويل الآية، القول الذي قاله قتادة والربيع بن أنس =: أن يكون عنى بقوله:"ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب"، اليهودَ والنصارَى. لأن الآيات قبلها مضت بتوبيخهم ولَومهم، والخبر عنهم وعما أُعدّ لهم من أليم العذاب. وهذا في سياق ما قبلها، إذْ كان الأمر كذلك، -"ليس البر"، - أيها اليهود والنصارى، أنْ يولي بعضُكم وجهه قبل المشرق وبعضُكم قبل المغرب،"ولكنّ البر مَنْ آمن بالله واليوم الآخر وَالملائكة والكتاب" الآية. * * * فإن قال قائل: فكيف قيل:"ولكن البر من آمن بالله"، وقد علمت أن"البر" فعل، و"مَنْ" اسم، فكيف يكون الفعل هو الإنسان؟ قيل: إن معنى ذلك غيرَ ما توهمته، وإنما معناه: ولكنّ البرَّ برُّ من آمن بالله واليوم الآخر، [[في المطبوعة: "ولكن البر كمن آمن بالله" وهو خطأ محض، صوابه ما أثبت.]] فوضع"مَنْ" موضع الفعل، اكتفاءً بدلالته، ودلالة صلته التي هي له صفةٌ، مَنْ الفعل المحذوف، كما تفعله العرب، فتضع الأسماء مواضع أفعالها التي هي بها مشهورة، فتقول:"الجود حاتم، والشجاعة عنترة"، و"إنما الجود حاتم والشجاعة عنترة"، ومعناها: الجُود جود حاتم فتستغني بذكر"حاتم" إذ كان معروفًا بالجود، من إعادة ذكر"الجود" بعد الذي قد ذكرته، فتضعه موضع"جوده"، لدلالة الكلام على ما حذفته، استغناء بما ذكرته عما لم تذكره. [[انظر ما سلف: ٢: ٦١، ٣٥٩ وهذا الجزء ٣: ٣٣٤.]] كما قيل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [سورة يوسف: ٨٢] والمعنى: أهل القرية، وكما قال الشاعر، وهو ذو الخِرَق الطُّهَوي: حَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا! ... وَمَا هي، وَيْبَ غَيْرِكَ بالعَنَاقِ [[سلف تخريجه في هذا الجزء ٣: ١٠٣ تعليق: ٣.]] يريد: بُغَامَ عنَاق، أو صوتَ [عناق] ، [[الزيادة بين القوسين لا بد منها.]] كما يقال:"حسبت صياحي أخاك"، يعني به: حسبتَ صياحي صياحَ أخيك. * * * وقد يجوز أن يكون معنى الكلام: ولكن البارَّ مَنْ آمن بالله، فيكون"البر" مصدرًا وُضع موضعَ الاسم. [[هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن: ٦٥، وذكره الفراء في معاني القرآن ١: ١٠٤.]] * * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وآتى المالَ على حُبه"، وأعطى مَاله في حين محبته إياه، وضِنِّه به، وشُحِّه عليه، [[انظر معنى"الإيتاء" فيما سلف ١: ٥٧٤/٢: ١٦٠، ٣١٧.]] . كما:- ٢٥٢١- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال، سمعت ليثًا، عن زبيد، عن مرة بن شراحيل البكيلي، عن عبد الله بن مسعود:"وآتَى المالَ على حُبه"، أي: يؤتيه وهو صَحيحٌ شحيحٌ، يأمل العيش ويخشى الفقر. [[الخبر: ٢٥٢١- ابن إدريس: هو عبد الله بن إدريس بن يزيد الأودي، مضى في: ٤٣٨، ٢٠٣٠. ليث: هو ابن أبي سليم، مضى في شرح: ١٤٩٧. زبيد- بالباء الموحدة مصغرًا: هو ابن الحارث بن عبد الكريم اليامي، وهو ثقة ثبت. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/١/٤١١، وابن سعد ٦: ٢١٦، وابن أبي حاتم ١/٢/٦٢٣. مرة بن شراحيل: وهو الهمداني الكوفي، من كبار التابعين، كما مضى توثيقه: ١٦٨، وهو مترجم في التهذيب ١٠: ٨٨-٨٩، والكبير ٤/٢/٥، وابن سعد ٦: ٧٩، وابن أبي حاتم ٤/١/٣٦٦. و"البكيلي" - بفتح الباء الموحدة وكسر الكاف: نسبه إلى"بكيل"، وهم بطن من همدان. انظرالاشتقاق لابن دريد، ص: ٢٥٠، ٢٥٦، ٣١٢، وجمهرة الأنساب لابن حزم ص: ٣٧٢-٣٧٣. وكذلك نسب مرة إلى"بكيل" في كتاب ابن أبي حاتم، وهو الصواب. ووقع في التهذيب بدلها"السكسكي"؛ وهو تصحيف لا شك فيه، فإن"السكسك": هو ابن أشرس بن كندة. وشتان بين همدان وكندة، إنما يجتمعان بعد بضعة جدود، في"زيد بن كهلان بن سبأ". انظر جمهرة الأنساب، ص: ٤٠٥، وما قبلها.]] ٢٥٢٢- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن -وحدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق- قالا جميعًا، عن سفيان، عن زُبيد الياميّ، عن مرة، عن عبد الله:"وآتى المالَ على حُبه" قال، وأنت صحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر. [[الخبر: ٢٥٢٢- عبد الرحمن: هو ابن مهدي الإمام. وسفيان هو الثوري. فالطبري يرويه من طريق ابن مهدي. ومن طريق عبد الرزاق - كلاهما عن سفيان. والخبر في تفسير عبد الرزاق، ص: ١٥، وفيه: "وأنت صحيح شحيح"، بزيادة"شحيح".]] ٢٥٢٣- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن زبيد اليامي، عن عبد الله أنه قال في هذه الآية:"وآتى المال على حبه" قال، وأنت حريصٌ شحيحٌ، تأمل الغنى، وتخشى الفقر. ٢٥٢٤- حدثنا أحمد بن نعمة المصري قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا الليث قال، حدثنا إبراهيم بن أعين، عن شعبة بن الحجاج، عن زبيد اليامي، عن مرة الهمداني قال، قال عبد الله بن مسعود في قول الله:"وآتى المال على حبه ذوي القربى"، قال: حريصًا شحيحًا، يأمل الغنى ويَخشى الفقر. [[الخبر: ٢٥٢٤- شيخ الطبري"أحمد بن نعمة المصري": لم أجد له ترجمة. أبو صالح: هو عبد الله بن صالح، كاتب الليث. الليث: هو ابن سعد إمام أهل مصر. إبراهيم بن أعين الشيباني البصري، نزل مصر: ضعيف: قال البخاري: "فيه نظر في إسناده". وقال أبو حاتم: "هذا شيخ بصري، ضعيف الحديث، منكر الحديث وقع إلى مصر". مترجم في التهذيب وفرق بينه وبين"إبراهيم بن أعين" آخر ثقة. وترجم ابن أبي حاتم ١/١/٨٧ ثلاث تراجم. والبخاري ١/١/٢٧٢ ترجمة واحدة. وهذه الأسانيد الثلاثة: ٢٥٢١-٢٥٢٣، لخبر موقوف اللفظ على ابن مسعود. وهو في الحقيقة مرفوع حكمًا، إذ مثل هذا لا يعرف بالرأي. وسيأتي معناه موقوفًا عليه أيضًا: ٢٥٢٩، ٢٥٣١. وكذلك رواه الحاكم ٢: ٢٧٢، من رواية منصور، عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود، موقوفًا. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. ونسبه السيوطي ١: ١٧٠-١٧١ لابن المبارك، ووكيع، وغيرهما. ثم ذكر أنه رواه الحاكم أيضًا"عن ابن مسعود، مرفوعًا". وكذلك نقل ابن كثير ١: ٣٨٨ أن الحاكم رواه مرفوعًا. ولم أجده مرفوعًا في المستدرك. ثم ذكر ابن كثير الرواية الموقوفة، وزعم أنها أصح. وهذا المعنى ثابت أيضًا في حديث مرفوع صحيح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ - وقد سئل: أي الصدقة أعظم أجرًا؟ - فقال: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل البقاء، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، وقد كان لفلان". رواه أحمد في المسند: ٧١٥٩، ٧٤٠١. ورواه البخاري ومسلم وأبو داود، كما بينا هناك.]] ٢٥٢٥- حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الشعبي، سمعته يُسْأل: هل على الرجل حَق في ماله سوى الزكاة؟ قال: نعم! وتلا هذه الآية:"وآتى المالَ على حُبه ذَوي القربى واليتامى والمساكينَ وابنَ السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة". ٢٥٢٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا سُويد بن عمرو الكلبي قال، حدثنا حمّاد بن سلمة قال، أخبرنا أبو حمزة قال، قلت للشعبي: إذا زكَّى الرجلُ ماله، أيطيبُ له ماله؟ فقرا هذه الآية:"ليس البر أنْ تُولوا وجوهَكم قبل المشرق والمغرب" إلى"وآتى المال على حُبه" إلى آخرها، ثم قال: حدثتني فاطمة بنت قيس أنها قالت: يا رسول الله، إنّ لي سبعين مثقالا من ذَهَب. فقال: اجعليها في قَرَابتك. [[الحديث: ٢٥٢٦- سويد بن عمرو الكلبي: ثقة من شيوخ أحمد. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/٢/١٤٩، وابن أبي حاتم ٢/١/٢٣٩. أبو حمزة: هو ميمون الأعور القصاب، وهو ضعيف جدًا. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/١/٣٤٣، وابن أبي حاتم ٤/١/٢٣٥-٢٣٦. وهذا الحديث بهذا السياق لم أجده في موضع آخر. وقد روى قريب من معناه، بإسناد آخر أشد ضعفًا. فروى الدارقطني في سننه، ص: ٢٠٥، من طريق أبي بكر الهذلي، عن شعيب بن الحبحاب، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس، قالت: "أتيت النبي ﷺ بطوق فيه سبعون مثقالا من ذهب، فقلت: يا رسول الله، خذ منه الفريضة، فأخذ منه مثقالا وثلاثة أرباع مثقال". وقال الدارقطني: "أبو بكر الهذلي: متروك، ولم يأت به غيره". وقد مضى بيان ضعف الهذلي هذا: ٥٩٧.]] ٢٥٢٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك قال، حدثنا أبو حمزة، فيما أعلم - عن عامر، عن فاطمة بنت قيس أنها سمعته يقول: إنّ في المال لحقًّا سوَى الزكاة. [[الحديث: ٢٥٢٧- شريك: هو ابن عبد الله بن أبي شريك، النخعي القاضي، وهو ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/٢/٢٣٨، وابن أبي حاتم ٢/١/٣٦٥-٣٦٧. وقوله: "عن فاطمة بنت قيس: أنها سمعت": يعني النبي ﷺ. كما هو ظاهر من سياق القول، ومن الروايات الأخر. وسيأتي الحديث أيضًا: ٢٥٣٠- وتخريجه هناك، إن شاء الله.]] ٢٥٢٨- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أبي حيان قال، حدثني مزاحم بن زفر قال، كنت جالسًا عند عطاء فأتاه أعرابي فقال له: إن لي إبلا فهل عليّ فيها حقٌّ بعد الصدقة؟ قال: نعم! قال: ماذا؟ قال: عَاريَّة الدلو، وطُروق الفحل، والحلَب. [[في المطبوعة: "عارية الذلول"، وهو خطأ. في حديث عبد الله مسعود: "كنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﷺ: عارية الدلو والقدر"، وفي حديث أبي هريرة أنه قال لرسول الله ﷺ: "فما حق الإبل؟ قال: تعطى الكريمة، وتمنح الغزيرة، وتفقر الظهر، وتطرق الفحل، وتسقى اللبن". وفي حديث عبيد بن عمير قال قال رجل: يا رسول الله، ما حق الإبل -فذكره نحوه- زاد: "وإعارة دلوها". (سنن أبي داود ٢: ١٦٧، ١٦٨ باب حقوق المال) . وطرق الفحل الناقة يطرقها طرقًا وطروقًا: قعا عليها وضربها. وإطراق الفحل: إعارته للضراب. والحلب (بفتحتين) : اللبن المحلوب، سمي بمصدره من: حلب الناقة يحلبهَا وحلبًا وحلابًا.]] ٢٥٢٩- حدثني موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، ذكره عن مرة الهمداني في:"وآتى المالَ على حُبه" قال: قال عبد الله بن مسعود: تُعطيه وأنت صحيحٌ شحيحٌ، تطيل الأمل، وتخاف الفقر. وذكر أيضًا عن السدي أن هذا شيء واجبٌ في المال، حق على صاحب المال أن يفعله، سوى الذي عليه من الزكاة. ٢٥٣٠- حدثنا الربيع بن سليمان قال، حدثنا أسد قال، حدثنا سويد بن عبد الله، عن أبي حمزة، عن عامر، عن فاطمة بنت قيس عن النبي ﷺ أنه قال:"في المال حق سوى الزكاة، وتلا هذه الآية:"ليس البر" إلى آخر الآية. [[الحديث: ٢٥٣٠- أسد: هو ابن موسى، الذي يقال له"أسد السنة". مضى في: ٢٣. سويد بن عبد الله هكذا ثبت في المطبوعة. وعندي أنه خطأ، صواب"شريك بن عبد الله"، الذي مضى في الإسناد السابق: ٢٥٢٧. فإن الحديث معروف أنه من رواية شريك. ثم ليس في الرواة -الذين رأينا تراجمهم- من يسمى"سويد بن عبد الله" إلا رجلا له شأن لا بهذا الإسناد، لم يعرف إلا بخبر آخر منكر، وهو مترجم في لسان الميزان. وهذا الحديث تكرار للحديث: ٢٥٢٧ بأطول منه قليلا. ورواه أيضًا الدارمي ١: ٣٨٥، عن محمد بن الطفيل. والترمذي ٢: ٢٢، من طريق الأسود بن عامر، وعن الدارمي عن محمد بن الطفيل. وابن ماجه: ١٧٨٩، من طريق يحيى بن آدم. والبيهقي في السنن الكبرى ٤: ٨٤، من طريق شاذان - كلهم عن شريك، بهذا الإسناد، مطولا ومختصرًا. قال الترمذي: "هذا حديث ليس إسناده بذاك. أبو ميمون الأعور يضعف". وقال البيهقي: "فهذا حديث يعرف بأبي حمزة ميمون الأعور، كوفي، وقد جرحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فمن بعدهما من حفاظ الحديث". ونقل ابن كثير ١: ٣٨٩-٣٩٠ أنه رواه أيضًا ابن أبي حاتم، عن يحيى بن عبد الحميد. ورواه ابن مردويه، من حديث آدم بن أبي إياس، ويحيى بن عبد الحميد - كلاهما عن شريك، ثم ذكر أنه أخرجه ابن ماجه، والترمذي. ووقع لفظ الحديث في ابن ماجه مغلوطًا، بنقيض معناه. بلفظ: "ليس في المال حق سوى الزكاة"! وهذا خطأ قديم في بعض نسخ ابن ماجه. وحاول بعض العلماء الاستدلال على صحة هذا اللفظ عند ابن ماجه، كما في التلخيص الحبير للحافظ ابن حجر، ص ١٧٧، وشرح الجامع الصغير للمناوي: ٧٦٤١. ولكن رواية الطبري الماضية: ٢٥٢٧- وهي من طريق يحيى بن آدم، التي رواه منها ابن ماجه: تدل على أن اللفظ الصحيح هو ما في سائر الروايات. ويؤيد ذلك أن ابن كثير نسب الحديث للترمذي وابن ماجه، معًا، ولم يفرق بين روايتهما، وكذلك صنع النابلسي في ذخائر المواريث: ١١٦٩٩، إذ نسبه إليهما حديثًا واحدًا. ويؤيد أيضًا أن البيهقي، بعد أن رواه قال: "والذي يرويه أصحابنا في التعاليق: ليس في المال حق سوى الزكاة - فلست أحفظ فيه إسنادًا. والذي رويت في معناه ما قدمت ذكره". ولو كان في ابن ماجه على هذا اللفظ، لما قال ذلك، إن شاء الله.]] ٢٥٣١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن زبيد اليامي، عن مرة بن شراحيل، عن عبد الله في قوله:"وآتى المالَ على حُبه" قال، أن يعطي الرجلُ وهو صحيح شحيحٌ به، يأمل العيش ويخاف الفقر. * * * قال أبو جعفر: فتأويل الآية: وأعطى المال - وهو له محب، حريصٌ على جمعه، شحيح به - ذَوي قَرابته فوصل به أرحامهم. وإنما قلت عنى بقوله:"ذوي القرْبى"، ذوي قرابة مؤدِّي المال على حُبه، للخبر الذي رَوَى عن رسول الله ﷺ من أمره فاطمةُ بنت قيس= ٢٥٣٢- وقوله ﷺ حين سئل: أيُّ الصَّدقة أفضَل؟ قال: جُهْد المُقِلّ على ذي القَرَابة الكاشح. [[الحديث: ٢٥٣٢- معناه ثابت من حديث أبي هريرة. رواه أحمد في المسند: ٨٦٨٧ (٢: ٣٥٨ حلبي) : "عن أبي هريرة: أنه قال: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل، وابدأ بمن تعول". وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ٢: ٢٨، وقال: "رواه أبو داود، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم". وروى الحاكم في المستدرك ١: ٤٠٦، عن أم كلثوم بنت عقبة، قالت: "قال رسول الله ﷺ: أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣: ١١٦، وقال: "رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح"، وذكر قبله أحاديث أخر بنحوه. والكاشح: المبغض: قال ابن الأثير: "العدو الذي يضمر عداوته، ويطوي عليهما كشحه، أي باطنه". والكاشح الذي يضمر لك العداوة، كأنه يطويها في كشحه. وهو ما بين الخاصرة إلى الضلع، أو يعرض عنك بوجهه ويوليك كشحه.]] * * * وأما"اليتامى""والمساكين"، فقد بينا معانيهما فيما مضى. [[انظر ما سلف في معنى"مسكين" ٢: ١٣٧، ٢٩٣، ومعنى: "ذي القربى"، و"اليتامى" ٢: ٢٩٢.]] * * * وأما"ابن السبيل"، فإنه المجتاز بالرَّجل. ثم اختلف أهل العلم في صفته. فقال بعضهم: هو الضيفُ من ذلك. * ذكر من قال ذلك: ٢٥٣٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة:"وابن السبيل" قال، هو الضيف قال: قد ذُكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول:" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خَيرًا أو ليسكت. قال: وكان يَقول: حَق الضيافة ثلاثُ ليال، فكل شيء أضافه بَعد ذَلك صدقة. [[الحديث: ٢٥٣٣- هو حديث مرسل، يقول قتادة -وهو تابعي-: "قد ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول. . "، فذكره. و"سعيد" الذي يروي عن قتادة: هو سعيد بن أبي عروبة. و"يزيد" الراوي عنه: هو يزيد بن زريع. والحديث ثبت معناه ضمن حديث رواه مسلم ٢: ٤٥، من حديث أبي شريح العدوي الخزاعي: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت". ورواه أيضًا أحمد، وسائر أصحاب الكتب الستة، كما في الفتح الكبير ٣: ٢٣١.]] * * * وقال بعضهم: هو المسافر يمر عليك. * ذكر من قال ذلك: ٢٥٣٤- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن أبي جعفر:"وابن السبيل" قال، المجتاز من أرض إلى أرض. ٢٥٣٥- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وقتادة في قوله:"وابن السبيل" قال، الذي يمر عليك وهو مسافر. ٢٥٣٦- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عمن ذكره، عن ابن جريج عن مجاهد وقتادة مثله. * * * وإنما قيل للمسافر"ابن السبيل"، لملازمته الطريق -والطريق هو"السبيل"- فقيل لملازمته إياه في سفره:"ابنه"، كما يقال لطير الماء"ابن الماء" لملازمته إياه، وللرجل الذي أتت عليه الدهور"ابن الأيام والليالي والأزمنة"، ومنه قول ذي الرمة: وَرَدْتُ اعْتِسَافًا وَالثُّرَيَّا كَأَنَّهَا ... عَلَى قِمَّةِ الرَّأْسِ ابْنُ مَاءٍ مُحَلِّقُ [[ديوابنه: ٤٠١، وهو متعلق ببيت قبله: وَمَاءٍ قَدِيمِ العَهْدِ بالناسِ جنٍ ... كَأَنَّ الدَّبَى مَاءَ الغَضَا فِيهِ يَبْصُقُ الآجن المتغير. والدبى: صغار الجراد. والغضى: شجر. كأن الجراد رعته، فبصقت فيه رعيها فهو أصفر أسود. والاعتساف: الاقتحام والسير على غير هدى. والمحلق: العالي المرتفع. وابن الماء: هو طير الغرانيق، يعرف بالكركي، والإوز العراقي، وهو أبيض الصدر، أحمر المنقار، أصفر العين. يقول الأقيشر، يصف مجلس شراب: كَأَنَّهُنَّ وأَيْدِي الشَّرْبِ مُعْمَلَةٌ ... إِذَا تَلأْلأَْنَ فِي أَيْدِي الغَرَانِيقِ بَنَاتُ ماءِ، تُرى بيضًا جَاجِئُها ... حُمْرًا مَنَاقِرُهَا، صُفْرَ الحَمَالِيقِ والثريا: نجوم كثيرة مجتمعة، سميت بالمفرد. جعلها"على قمة"، وذلك في جوف الليل، ترى بيضاء زاهرة.]] * * * وأما قوله:"والسائلين"، فإنه يعني به: المستطعمين الطالبين، كما:- ٢٥٣٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن إدريس، عن حصين، عن عكرمة في قوله:"والسائلين" قال، الذي يسألك. * * * وأما قوله:"وفي الرقاب"، فإنه يعني بذلك: وفي فك الرقاب من العبودة، وهم المكاتبون الذين يسعون في فك رقابهم من العبودة، [[العبودة والعبودية واحد، ولا فعل له عند أبي عبيد. وقال اللحياني فعله"عبد" على زنة"كرم".]] بأداء كتاباتهم التي فارقوا عليها سادَاتهم. * * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وأقامَ الصلاة"، أدام العمل بها بحدودها، وبقوله"وآتى الزكاة"، أعطاها على مَا فَرضها الله عليه. [[انظر معنى"إقامة الصلاة" و"إيتاء الزكاة" فيما سلف ١: ٥٧٢-٥٧٤، ومواضع أخرى، اطلبها في فهرس اللغة.]] * * * فإن قال قائل: وهل من حقٍّ يجب في مال إيتاؤه فرضًا غير الزكاة؟ قيل: قد اختلف أهل التأويل في ذلك: فقال بعضهم: فيه حقوقٌ تجبُ سوى الزكاة = واعتلُّوا لقولهم ذلك بهذه الآية، وقالوا: لما قال الله تبارك وتعالى:"وآتَى المالَ على حُبه ذَوي القربى"، ومن سمى الله معهم، ثم قال بعد:"وأقامَ الصلاةَ وآتى الزكاة"، علمنا أن المالَ - الذي وَصَف المؤمنين به أنهم يُؤتونه ذَوي القربى، ومن سمَّى معهم - غيرُ الزكاة التي ذكر أنهم يؤتونها. لأن ذلك لو كان مالا واحدًا لم يكن لتكريره معنى مفهوم. قالوا: فلما كان غيرَ جائز أن يقول تعالى ذكره قولا لا معنى له، علمنا أنّ حكم المال الأول غيرُ الزكاة، وأن الزكاة التي ذكرها بعد غيره. قالوا: وبعد، فقد أبان تأويل أهل التأويل صحة ما قلنا في ذلك. وقال آخرون: بل المال الأول هو الزكاة، ولكن الله وصَف إيتاء المؤمنين مَنْ آتوه ذلك، في أول الآية. فعرَّف عباده -بوصفه ما وصف من أمرهم- المواضعَ التي يجب عليهم أن يضَعوا فيها زكواتهم، ثم دلّهم بقوله بعد ذلك:"وآتى الزكاة"، أن المال الذي آتاه القومُ هو الزكاة المفروضةُ =كانت= عليهم، إذ كان أهلُ سُهمانها هم الذين أخبرَ في أول الآية أن القوم آتوهم أموالهم. * * * وأما قوله:"والموفون بَعهدهم إذا عاهدوا"، فإن يعني تعالى ذكره: والذين لا ينقضون عَهد الله بعد المعاهدة، ولكن يوفُون به ويتمُّونه على ما عاهدوا عليه من عاهدوه عليه. كما:- ٢٥٣٨- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله:"والموفون بعهدهم إذا عاهدوا" قال، فمن أعطى عهدَ الله ثم نقضه، فالله ينتقم منه. ومن أعطى ذمة النبي ﷺ ثم غَدر بها، فالنبي ﷺ خصمه يومَ القيامة. * * * وقد بينت"العهد" فيما مضى، بما أغنى عن إعادته هاهنا. [[انظر ما سلف ١: ٤١٠-٤١٥، ٥٥٧ / ثم هذا الجزء ٣: ٢٠.]] * * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ قال أبو جعفر: وقد بينا تأويل"الصبر" فيما مضى قبل. [[انظر ما سلف ٢: ١٠-١١، ١٢٤ / ثم هذا الجزء ٣: ٢١٤.]] فمعنى الكلام: والمانعين أنفسهم -في البأساء والضراء وحين البأس- مما يكرهه الله لَهم، الحابسيها على ما أمرهم به من طاعته. ثم قال أهل التأويل في معنى"البأساء والضراء" بما:- ٢٥٣٩- حدثني به الحسين بن عمرو بن محمد العنقزيّ [[في المطبوعة"العبقري"، والصواب ما أثبته، وقد ترجم له فيما سلف رقم: ١٦٢٥.]] قال، حدثني أبي - وحدثني موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد - قالا جميعًا، حدثنا أسباط عن السدي، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود أنه قال: أما البأساءُ فالفقر، وأما الضراء فالسقم. ٢٥٤٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي - وحدثني المثنى قال، حدثنا الحماني - قالا جميعًا، حدثنا شريك، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله في قوله:"والصابرين في البأساء والضراء" قال، البأساء الجوع، والضراء المرضُ. ٢٥٤١- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك، عن السدي، عن مرة عن عبد الله قال: البأساء الحاجة، والضراءُ المرضُ. ٢٥٤٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كنا نُحدِّث أن البأساء البؤس والفقر، وأن الضراء السُّقم. وقد قال النبي أيوب ﷺ ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ٨٣] . ٢٥٤٣- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"والصابرين في البأساء والضراء" قال، البؤس: الفاقة والفقر، والضراء: في النفس، من وَجع أو مرَض يصيبه في جسده. ٢٥٤٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"البأساء والضراء" قال، البأساء: البؤس، والضراء: الزمانة في الجسد. ٢٥٤٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا عبيد، عن الضحاك قال:"البأساء والضراء"، المرض. [[الأثر: ٢٥٤٥- أخشى أن يكون قد سقط من هذا الأثر شيء. وهو تفسير"البأساء"، وذكر"الضراء" قبل قوله: "المرض"، وسيأتي على الصواب في الأثر الذي يليه.]] ٢٥٤٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"والصابرين في البأساء والضراء" قال، البأساء: البؤس والفقر، والضراء: السقم والوجع. ٢٥٤٧- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبيد بن الطفيل قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في هذه الآية:"والصابرين في البأساء والضراء"، أما البأساء: الفقر، والضراء: المرض. [[الخبر: ٢٥٤٧- عبيد بن الطفيل: كنيته: "أبو سيدان"، بكسر السين المهملة وسكون الياء التحتية ثم دال مهملة، كما سيأتي باسمه وكنيته: ٢٥٥٥. وهو الغطفاني، يروي عنه أيضًا وكيع، وأبو نعيم الفضل بن دكين، قال أبو حاتم: "صالح، لا بأس به". وهو مترجم في التقريب، والخلاصة وابن أبي حاتم ٢/٢/٤٠٩.]] * * * قال أبو جعفر: وأما أهل العربية: فإنهم اختلفوا في ذلك. فقال بعضهم: "البأساء والضراء"، مصدر جاء على"فعلاء" ليس له"أفعل" لأنه اسم، كما قد جاء"أفعل" في الأسماء ليس له"فعلاء"، نحو"أحمد". وقد قالوا في الصفة"أفعل"، ولم يجيء له"فعلاء"، فقالوا:"أنت من ذلك أوْجل"، ولم يقولوا:"وجلاء". وقال بعضهم: هو اسم للفعل. فإن"البأساء"، البؤس،"والضراء" الضر. وهو اسم يقع إن شئت لمؤنث، وإن شئت لمذكر، كما قال زهير: فَتُنْتَجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ، كُلُّهُمْ ... كَأَحْمَرِ عَادٍ، ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ [[ديوانه: ٢٠، من معلقته الفريدة. وهي من أبياته في صفة الحرب، التي قال في بدئها، قبل هذا البيت: وَمَا الحَرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ ... وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالحَدِيث المُرَجَّمِ مَتَى تَبْعَثُوهَا، تَبْعَثُوهَا ذَمِيمَةً، ... وتَضْرَ، إذا ضَرَّيْتُمُوهَا فَتَضْرَمِ فَتَعْرُكَكُم عَرْكَ الرَّحَا بِثِفَالِهَا ... وَتلْقَحْ كِشافًا، ثم تُنْتَجْ فَتُتْئِمِ يقول: إن الحرب تلقح كما تلقح الناقة، فتأتي بتوأمين في بطن. وقوله: "أحمر عاد" يعني أحمر ثمود، فأخطأ ولم يبال أيهما قال. وأحمر ثمود، هو قدار، عاقر ناقة الله فأهلكهم ربهم بما فعلوا. يقول: إن الحرب ترضع مشائيمها وتقوم عليهم حتى تفطمهم بعد أن يبلغوا السعي لأنفسهم في الشر.]] يعني فتنتج لكم غلمان شؤم. وقال بعضهم: لو كان ذلك اسمًا يجوز صرفه إلى مذكر ومؤنث، لجازَ إجراء"أفعل" في النكرة، ولكنه اسم قام مقام المصدر. والدليل على ذلك قوله:"لئن طَلبت نُصرتهم لتجدنَّهم غير أبعدَ"، [[يقال"فلان غير أبعد"، أي لا خير فيه. ويقال: "ما عند فلان أبعد" أي لا طائل عنده. قال رجل لابنه: "إن غدوت على المربد ربحت عنا، أو رجعت بغير أبعد"، أي بغير منفعة.]] بغير إجراء. وقال: إنما كان اسما للمصدر، لأنه إذا ذُكر علم أنه يُراد به المصدر. وقال غيره: لو كان ذلك مصدرًا فوقع بتأنيث، لم يقع بتذكير، ولو وَقَع بتذكير، لم يقع بتأنيث. لأن من سُمي ب"أفعل" لم يصرف إلى"فُعلى"، ومن سُمي ب"فُعلى" لم يصرف إلى"أفعل"، لأن كل اسم يبقى بهيئته لا يصرف إلى غيره، ولكنهما لغتان. فإذا وقع بالتذكير، كان بأمر"أشأم"، وإذا وقع"البأساء والضراء"، [[يعني: إذا وقع بالتأنيث: وقع بمعنى: الخلة البأساء والخلة الضراء.]] وقع: الخلة البأساء، والخلة الضراء. وإن كان لم يُبن على"الضراء"،"الأضر"، ولا على"الأشأم"،"الشأماء". لأنه لم يُردْ من تأنيثه التذكير، ولا من تذكيره التأنيث، كما قالوا:"امرأة حسناء"، ولم يقولوا:"رجل أحسن". وقالوا:"رجل أمرد"، ولم يقولوا:"امرأة مرداء". فإذا قيل:"الخصلة الضراء" و"الأمر الأشأم"، دل على المصدر، ولم يحتج إلى أن يكون اسمًا، وإن كان قد كَفَى من المصدر. وهذا قول مخالفٌ تأويلَ من ذكرنا تأويله من أهل العلم في تأويل"البأساء والضراء"، وإن كان صحيحًا على مذهب العربية. وذلك أن أهل التأويل تأولوا"البأساء" بمعنى: البؤس،"والضراء" بمعنى: الضر في الجسد. وذلك من تأويلهم مبني على أنهم وجَّهوا"البأساءَ والضراء" إلى أسماء الأفعال، دون صفات الأسماء ونعوتها. فالذي هو أولى ب"البأساء والضراء"، على قول أهل التأويل، أن تكون"البأساء والضراء" أسماء أفعال، فتكون"البأساء" اسمًا"للبؤس"، و"الضراء" اسمًا"للضر". * * * وأما"الصابرين" فنصبٌ، وهو من نعت"مَن" على وجه المدح. [[يريد"من" في قوله تعالى: "ولكن البر من آمن. . . "]] لأن من شأن العرب -إذا تطاولت صفةُ الواحد- الاعتراضُ بالمدح والذم بالنصب أحيانًا، وبالرفع أحيانًا، [[انظر ما سلف ١: ٣٢٩.]] كما قال الشاعر: [[لم أعرف قائله.]] إلَى المَلِكِ القَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ ... وَلَيْثَ الكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحَمْ [[معاني القرآن للفراء ١: ١٠٥، والإنصاف: ١٩٥، وأمالي الشريف ١: ٢٠٥، وخزانة الأدب ١: ٢١٦. والقرم. السيد المعظم المقدم في المعرفة وتجارب الأمور. والمزدحم: حومة القتال حيث يزدحم الكماة. يمدحه بالجرأة في القتال.]] وَذَا الرَّأْيِ حِينَ تُغَمُّ الأمُورُ ... بِذَاتِ الصَّلِيلِ وذَاتِ اللُّجُمْ [[وغم الأمر يغم (بالبناء للمجهول) : استعجم وأظلم، وصار المرء منه في لبس لا يهتدي لصوابه. والصليل: صوت الحديد. يعني بذات الصليل كتيبة من الرجالة يصل حديد بيضها وشكتها وسلاحها. وذات اللجم: كتيبة من الفرسان. يذكر ثباته واجتماع نفسه ورأيه حين تطيش العقول في صليل السيوف وكر الخيول في معركة الموت. فقوله: "بذات الصليل" متعلق بقوله: "تغم الأمور".]] فنصب"ليث الكتيبة" وذا"الرأي" على المدح، والاسم قبلهما مخفُوضٌ لأنه من صفة واحد، ومنه قول الآخر: [[لم أعرف قائلهما.]] فَلَيْتَ الَّتِي فِيهَا النُّجُومُ تَوَاضَعَت ... عَلَى كُلِّ غَثٍّ مِنْهُمُ وسَمِينِ [[معاني القرآن للفراء ١: ١٠٦، وأمالي الشريف ١: ٢٠٦. وقوله: "تواضعت"، هو عندي"تفاعل" من قولهم: وضع الباني الحجر توضيعًا: نضد بعضه على بعض. ومنه التوضع: وهو خياطة الجبة بعد وضع القطن. ومنه أيضًا: وضعت النعامة بيضها: إذا رثدته ووضعت بعضه فوق بعض، وهو بيض موضع: منضود بعضه على بعض. يقول: ليت السماء قد انضمت على جميعهم، فكانوا من نجومها. وقوله: "غث منهم وسمين"، مدح، يعني: ليس فيهم غث، فغثهم حقيق بأن يكون من أهل العلاء.]] غيُوثَ الوَرَى فِي كُلِّ مَحْلٍ وَأَزْمَةٍ ... أُسُودَ الشَّرَى يَحْمِينَ كُلَّ عَرِينِ [[المحل: الجدب والقحط. ورواية الفراء والشريف: "ولزبة". والأزمة والأزبة واللزبة، بمعنى واحد: وهي شدة السنة والقحط. وروايتهما أيضًا: "غيوث الحيا". والحيا: الخصب، ويسمى المطر حيا، لأنه سبب الخصب. والثرى: موضع تأوي إليه الأسود.]] * * * وقد زعم بعضهم أن قوله: [[هذا القول ذكره الفراء في معاني القرآن ١: ١٠٨، ورده.]] "والصابرين في البأساء"، نصبٌ عطفًا على"السائلين". كأن معنى الكلام كان عنده: وآتى المال على حبه ذَوي القربَى واليتامَى والمساكين، وابنَ السبيل والسائلينَ والصابرين في البأساء والضراء. وظاهرُ كتاب الله يدلّ على خطأ هذا القول، وذلك أنّ"الصابرين في البأساء والضراء"، هم أهل الزمانة في الأبدان، وأهلُ الإقتار في الأموال. وقد مضى وصف القوم بإيتاء -مَنْ كان ذلك صفته- المالَ في قوله:"والمساكينَ وابنَ السبيل والسائلين"، وأهل الفاقة والفقر، هم أهل"البأساء والضراء"، لأن من لم يكن من أهل الضراء ذا بأساء، لم يكن ممن له قبولُ الصدقة، وإنما له قبولها إذا كان جامعًا إلى ضرائه بأساء، وإذا جمع إليها بأساء، كان من أهل المسكنة الذين قد دخلوا في جملة"المساكين" الذين قد مضى ذكرهم قبل قوله:"والصابرين في البأساء". وإذا كان كذلك، ثم نصب"الصابرين في البأساء" بقوله"وآتى المال على حبه"، كان الكلام تكريرًا بغير فائدة معنى. كأنه قيل: وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامَى والمساكينَ. والله يتعالى عن أن يكون ذلك في خطابه عبادَه. ولكن معنى ذلك: ولكنّ البر مَن آمن بالله واليوم الآخر، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين في البأساء والضراء."والموفون" رفعٌ لأنه من صفة"مَنْ"، و"مَنْ" رفعٌ، فهو معرب بإعرابه."والصابرين" نصب -وإن كان من صفته- على وجه المدح الذي وصفنا قبل. * * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وحين البأس"، والصابرين في وقت البأس، وذلك وَقت شدة القتال في الحرب، كما:- ٢٥٤٨- حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزيّ قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أسباط، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله في قول الله:"وحين البأس" قال، حين القتال. [[الأثر: ٢٥٤٨- في المطبوعة: "العبقري"، وقد مضى مرارا خطأ، وصححناه. وانظر ترجمته في رقم: ١٦٢٥.]] ٢٥٤٩- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله مثله. ٢٥٥٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وحين البأس" القتال. ٢٥٥١- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله:"وحين البأس"، أي عندَ مواطن القتال. ٢٥٥٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"وحين البأس"، القتال. ٢٥٥٣- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع،"وحين البأس"، عند لقاء العدو. ٢٥٥٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا عبيدة، عن الضحاك:"وحين البأس"، القتال ٢٥٥٥- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبيد بن الطفيل أبو سيدان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله:"وحين البأس" قال، القتال. [[الخبران: ٢٥٥٤-٢٥٥٥ أبو نعيم في أولهما؛ هو الفضل بن دكين. وأبو أحمد في ثانيهما: هو الزبيري، محمد بن عبد الله بن الزبير. وباقي الإسناد، مضى في: ٢٥٤٧.]] * * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) ﴾ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"أولئك الذين صدقوا"، من آمن بالله واليوم الآخر، ونعتهم النعتَ الذي نعتهم به في هذه الآية. يقول: فمن فعل هذه الأشياء، فهم الذين صدقوا الله في إيمانهم، وحققوا قولهم بأفعالهم - لا مَنْ ولَّى وجهه قبل المشرق والمغرب وهو يخالف الله في أمره، وينقض عهده وميثاقه، ويكتم الناسَ بَيانَ ما أمره الله ببيانه، ويكذِّب رسله. * * * وأما قوله:"وأولئك هُم المتقون"، فإنه يعني: وأولئك الذين اتقوا عقابَ الله، فتجنَّبوا عصيانه، وحَذِروا وعده، فلم يتعدَّوا حدوده. وخافوه، فقاموا بأداء فرائضه. * * * وبمثل الذي قلنا في قوله:"أولئك الذين صَدقوا"، كان الربيع بن أنس يقول: ٢٥٥٦- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"أولئك الذين صدقوا" قال، فتكلموا بكلام الإيمان، فكانت حقيقتُه العمل، صَدقوا الله. قال: وكان الحسن يقول: هذا كلام الإيمان، وحقيقتُه العمل، فإن لم يكن مع القول عملٌ فلا شيء.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب