قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَهَذَا كتاب أَنزَلْنَاهُ مبارك﴾ يصف الْقُرْآن بِالْبركَةِ: وأصل الْبركَة الثُّبُوت، وَمِنْه بروك الْبَعِير إِذا ثَبت وَاسْتقر، وَمِنْه قَوْله: ﴿تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك﴾ أَي: ثَبت لَهُ مَا يسْتَحقّهُ من التَّعْظِيم والجلال فِيمَا لم يزل وَلَا يزَال.
﴿مُصدق الَّذِي بَين يَدَيْهِ﴾ يَعْنِي: من الْكتب الْمنزلَة قبله ﴿ولتنذر أم الْقرى﴾ يَعْنِي: أهل أم الْقرى ﴿وَمن حولهَا﴾ وَأم الْقرى مَكَّة: وَسميت أم الْقرى؛ لِأَن سَائِر الْقرى [يقصدونها ويأتونها] ، وَقيل: لِأَن الأَرْض دحيت من تحتهَا، (وَقيل: لِأَنَّهَا) معظمة تقصد بالتعظيم، وَمِنْه سميت الْأُم أما؛ لِأَنَّهَا تعظم، وَقد قَالَ: " إِن الْمَدِينَة قَرْيَة تَأْكُل سَائِر الْقرى " يَعْنِي: أَن أهل الْمَدِينَة يقتحمون سَائِر الْقرى بِالسَّيْفِ.
﴿وَالَّذين يُؤمنُونَ بِالآخِرَة يُؤمنُونَ بِهِ وهم على صلَاتهم يُحَافِظُونَ﴾ .
فَإِن قيل: الْيَهُود وَالنَّصَارَى يُؤمنُونَ بِالآخِرَة، وَلَا يُؤمنُونَ بِهِ، فَمَا معنى قَوْله " وَالَّذين يُؤمنُونَ بِالآخِرَة يُؤمنُونَ بِهِ "؟ قيل: أَرَادَ بِهِ الْمُؤمنِينَ؛ لأَنهم الَّذين يُؤمنُونَ بِالآخِرَة حَقِيقَة، فَأَما الَّذين يُؤمنُونَ بِالآخِرَة، وَلَا يصدقون مُحَمَّدًا، وَمَا جَاءَ بِهِ؛ فكأنهم لم يُؤمنُوا بِالآخِرَة على الْحَقِيقَة.
{"ayah":"وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلۡنَـٰهُ مُبَارَكࣱ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِی بَیۡنَ یَدَیۡهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡـَٔاخِرَةِ یُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَهُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ یُحَافِظُونَ"}