قَوْله - تَعَالَى -: ﴿جعل الله الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام﴾ قَالَ ثَعْلَب أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن يحيى: إِنَّمَا سميت كعبة؛ لتربيعها ﴿الْبَيْت الْحَرَام﴾ وَهُوَ الْكَعْبَة، وَفِي الْخَبَر: " إِن الله - تَعَالَى - حرم مَكَّة مُنْذُ خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض " ﴿قيَاما للنَّاس﴾ الْقيام والقوام وَاحِد، قَالَ الله - تَعَالَى -: ﴿أَمْوَالكُم الَّتِي جعل الله لكم قيَاما﴾ أَي: قواما لمعايشكم، وَقَالَ الشَّاعِر: يمدح النَّبِي.
(ونشهد أَنَّك عبد المليك ... أتيت بشرع وَدين قيم) ﴿للنَّاس والشهر الْحَرَام وَالْهَدْي والقلائد ذَلِك لِتَعْلَمُوا أَن الله يعلم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا﴾
وَأَرَادَ بِهِ: أَن الْبَيْت الْحَرَام قوام للنَّاس لدينهم ومعايشهم، أما فِي الدّين؛ لِأَن بِهِ تقوم الْمَنَاسِك وَالْحج، وَأما فِي المعايش؛ فَلِأَن (أهل الْحرم) كَانُوا يأمنون أهل (الْغَارة) ، حَتَّى كَانَ يُغير بَعضهم على بعض، ثمَّ لَا يتعرضون لأهل الْحرم، وَيَقُولُونَ: هم أهل الله.
﴿والشهر الْحَرَام﴾ أَرَادَ بِهِ: جنس الْأَشْهر الْحرم، وَهِي أَرْبَعَة أشهر: ثَلَاثَة سرد، وَوَاحِد فَرد كَمَا سبق، وَالْمرَاد بِهِ: أَنه جعل الشَّهْر الْحَرَام قواما للنَّاس؛ يأمنون فِيهِ الْقِتَال؛ فَإِنَّهُم كَانُوا يكفون عَن الْقَتْل والقتال فِي الْأَشْهر الْحرم.
﴿وَالْهَدْي والقلائد﴾ وَقد بَينا كَيفَ يكون الْهَدْي والقلائد، وَكَونه قواما للنَّاس: أَنهم كَانُوا يأمنون بتقليد الْهَدْي، وَكَانَ أهل الْحرم يتعيشون بِالْهَدْي والقلائد.
﴿ذَلِك لِتَعْلَمُوا أَن الله يعلم مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأَن الله بِكُل شَيْء عليم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: أَي اتِّصَال لهَذَا بِمَا سبق من الْكَلَام فِي الْآيَة؟ قَالَ الْمبرد أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد: مَعْنَاهُ: أَن ألهمتهم ذَلِك الاحترام، وَأَن لَا يتَعَرَّضُوا لأهل الْحرم؛ فَكَأَنَّهُ بَين فِي الْآيَة صَنْعَة مَعَ أهل الْحرم، قَالَ: ذَلِك لِتَعْلَمُوا أَن كل ذَلِك بعلمي، وإلهامي إيَّاهُم.
وَقَالَ الزّجاج: [قد سبق] فِي هَذِه السُّورَة من الله - تَعَالَى - الْإِخْبَار عَن الغيوب، والكشف عَن الْأَسْرَار، مثل قَوْله: ﴿سماعون للكذب سماعون لقوم آخَرين لم يأتوك﴾ وَمثل إخْبَاره بتحريفهم الْكتب، وَنَحْو ذَلِك؛ فَقَوله: ﴿ذَلِك لِتَعْلَمُوا أَن الله يعلم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ رَاجع إِلَيْهِ.
{"ayah":"۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَیۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِیَـٰمࣰا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَٱلۡهَدۡیَ وَٱلۡقَلَـٰۤىِٕدَۚ ذَ ٰلِكَ لِتَعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ یَعۡلَمُ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمٌ"}