قَوْله تَعَالَى: ﴿وأنفقوا فِي سَبِيل الله﴾ أَرَادَ بِهِ: الْإِنْفَاق فِي الْجِهَاد، وكل خير سَبِيل الله، وَلَكِن إِذا أطلق سَبِيل الله، ينْصَرف إِلَى الْجِهَاد.
﴿وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ قيل: الْبَاء زَائِدَة، وَتَقْدِيره: وَلَا تلقوا أَيْدِيكُم، وَعبر بِالْأَيْدِي عَن الْأَنْفس، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿بِمَا كسبت أَيْدِيكُم﴾ أَي: بِمَا كسبتم. وَقيل الْبَاء فِي موضعهَا، وَفِيه حذف، وَتَقْدِيره: وَلَا تلقوا أَنفسكُم بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة.
والتهلكة والهلاك: وَاحِد. وَقيل: بَينهمَا فرق، فالتهلكة: مَا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ، والهلاك: مَا لَا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ. وَفِي مَعْنَاهُ قَولَانِ: أَحدهمَا: وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة بترك الْإِنْفَاق فِي سَبِيل الله.
وَالثَّانِي: قَالَ النُّعْمَان بن بشير، والبراء بن عَازِب: إِن المُرَاد بِهِ: أَن يُذنب الرجل ذَنبا ثمَّ يَقُول: لَا تَوْبَة لي، فيقنط من رَحْمَة الله ونعوذ بِاللَّه.
وَالْأول أصح. لما روى عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: نزلت الْآيَة فِينَا معشر الْأَنْصَار فَإِن الله تَعَالَى لما نصر دنيه، وأعز نبيه، قُلْنَا: لَو أَقَمْنَا فِي أَمْوَالنَا نُصْلِحهَا، ونترك الْجِهَاد، فَإِنَّهَا تضيع، فَنزلت الْآيَة: ﴿وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ يَعْنِي: بترك الْإِنْفَاق فِي الْجِهَاد، وَالْإِقَامَة على الْأَمْوَال، حَتَّى روى: أَنه لما نزلت الْآيَة مازال أَبُو أَيُّوب يَغْزُو حَتَّى آخر غَزْوَة غَزَاهَا بقسطنطينية، فِي بعث بعثة مُعَاوِيَة وَتُوفِّي (هُنَالك) وَدفن فِي أصل سور قسطنطينية وهم يستسقون بِهِ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وأحسنوا﴾ يَعْنِي: بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيل الله.
وَقَالَ عِكْرِمَة: مَعْنَاهُ: أَحْسنُوا الظَّن بِاللَّه.
وَقيل مَعْنَاهُ: أَدّوا فَرَائض الله ﴿إِن الله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالَ فُضَيْل بن عِيَاض: من كَانَت تَحت يَده دجَاجَة فَلم يحسن إِلَيْهَا لم يكن من الْمُحْسِنِينَ.
{"ayah":"وَأَنفِقُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُوا۟ بِأَیۡدِیكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ"}