الباحث القرآني

هذان المثلان اللذان ضربهما الله للمؤمنين والكافرين؛ ليبين لهم أن اتصال الكافر بالمؤمن وقربه منه لا يفيده شيئًا، وأن اتصال المؤمن بالكافر لا يضره شيئًا مع قيامه بالواجب عليه، فكأن في ذلك إشارة وتحذيرًا لزوجات النبي ﷺ عن المعصية، وأن اتصالهن به ﷺ لا ينفعهن شيئًا مع الإساءة، فقال: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا ﴾ ؛ أي: المرأتان ﴿ تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ ﴾ : وهما نوح ولوط عليهما السلام، ﴿ فَخَانَتَاهُمَا ﴾ : في الدين؛ بأن كانتا على غير دين زوجيهما، وهذا المراد بالخيانة، لا خيانة النسب والفراش؛ فإنه ما بغت امرأة نبي قط، وما كان الله ليجعل امرأة أحد من أنبيائه بغيًّا، ﴿ فَلَمْ يُغْنِيَا ﴾ ؛ أي: نوح ولوط ﴿ عَنْهُمَا ﴾ ؛ أي: عن امرأتيهما، ﴿ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ﴾ لهما: ﴿ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) ﴾ . ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ ﴾ : وهي آسية بنت مزاحم رضي الله عنها، ﴿ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) ﴾ : فوصفها الله بالإيمان والتضرع لربها وسؤالها أجل المطالب، وهو دخول الجنة ومجاورة الرب الكريم، وسؤالها أن ينجيها من فتنة فرعون وأعماله الخبيثة ومن فتنة كل ظالم، فاستجاب الله لها، فعاشت في إيمان كامل وثبات تام ونجاة من الفتن، ولهذا قال النبي ﷺ : «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد. وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» . وقوله: ﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ﴾ ؛ أي: حفظته وصانته عن الفاحشة؛ لكمال ديانتها وعفتها ونزاهتها، ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ : بأن نفخ جبريل عليه السلام في جيب درعها، فوصلت نفخته إلى مريم، فجاء منها عيسى عليه السلام الرسول الكريم والسيد العظيم، ﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ ﴾ : وهذا وصف لها بالعلم والمعرفة؛ فإن التصديق بكلمات الله يشمل كلماته الدينية والقدرية، والتصديق بكتبه يقتضي معرفة ما به يحصل التصديق، ولا يكون ذلك إلا بالعلم والعمل، ولهذا قال: ﴿ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12) ﴾ ؛ أي: المداومين على طاعة الله بخشية وخشوع. وهذا وصف لها بكمال العمل؛ فإنها رضي الله عنها صديقة. والصديقية هي كمال العلم والعمل. تم تفسير سورة التحريم بعون الله وتيسيره.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب