الباحث القرآني
تدبر هذه الآيات الكريمات الدالة على سعة رحمة الله، وجزيل فضله، ووجوب شكره، وكمال قدرته، وعظيم سلطانه، وسعة ملكه، وعموم خلقه لجميع الأشياء، وكمال حياته، واتصافه بالحمد على كل ما اتصف به من الصفات الكاملة وما فعله من الأفعال الحسنة، وتمام ربوبيته، وانفراده فيها، وأن جميع التدبير في العالم العلوي والسفلي في ماضي الأوقات وحاضرها ومستقبلها بيد الله تعالى، ليس لأحد من الأمر شيء ولا من القدرة شيء. فينتج من ذلك أنه تعالى المألوه المعبود وحده الذي لا يستحق أحد غيره من العبودية شيئًا كما لم يستحق من الربوبية شيئًا، وينتج من ذلك امتلاء القلوب بمعرفة الله تعالى ومحبته وخوفه ورجائه. وهذان الأمران - وهما معرفته وعبادته - هما اللذان خلق الله الخلق لأجلهما، وهما الغاية المقصودة منه تعالى لعباده، وهما الموصلان إلى كل خير وفلاح وصلاح وسعادة دنيوية وأخروية، وهما أشرف عطايا الكريم لعباده، وهما أشرف اللذات على الإطلاق، وهما اللذان إن فاتا فات كل خير وحضر كل شر. فنسأله تعالى أن يملأ قلوبنا بمعرفته ومحبته، وأن يجعل حركاتنا الباطنة والظاهرة خالصة لوجهه تابعة لأمره؛ إنه لا يتعاظمه سؤال، ولا يحفيه نوال.
فقوله تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ ﴾ ؛ أي: لأجلكم جعل الله الليل مظلمًا، ﴿ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ : من حركاتكم التي لو استمرت لضرت؛ فتأوون إلى فرشكم، ويلقي الله عليكم النوم الذي يستريح به القلب والبدن، وهو من ضروريات الآدمي، لا يعيش بدونه، ويسكن فيه أيضًا كل حبيب إلى حبيبه، ويجتمع الفكر، وتقل الشواغل. وجعل تعالى النهار ﴿ مُبْصِرًا ﴾ : منيرًا بالشمس المستمرة في الفلك، فتقومون من فرشكم إلى أشغالكم الدينية والدنيوية؛ هذا لذكره وقراءته، وهذا لصلاته، وهذا لطلبه العلم ودراسته، وهذا لبيعه وشرائه، وهذا لبنائه أو حدادته أو نحوها من الصناعات، وهذا لسفره برًّا وبحرًا، وهذا لفلاحته، وهذا لتصليح حيواناته. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ ﴾ ؛ أي: عظيم كما يدل عليه التنكير ﴿ عَلَى النَّاسِ ﴾ : حيث أنعم عليهم بهذه النعم وغيرها، وصرف عنهم النقم، وهذا يوجب عليهم تمام شكره وذكره. ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61) ﴾ : بسبب جهلهم وظلمهم. ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) ﴾ [سبأ: ١٣] ، الذين يقرون بنعمة ربهم ويخضعون لله ويحبونه، ويصرفونها في طاعة مولاهم ورضاه.
﴿ ذَلِكُمُ ﴾ : الذي فعل ما فعل ﴿ اللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾ ؛ أي: المنفرد بالإلهية والمنفرد بالربوبية؛ لأن انفراده بهذه النعم من ربوبيته، وإيجابها للشكر من ألوهيته. ﴿ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ : تقرير لربوبيته، ﴿ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ : تقرير أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له. ثم صرح بالأمر بعبادته، فقال: ﴿ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) ﴾ ؛ أي: كيف تصرفون عن عبادته وحده لا شريك له بعدما أبان لكم الدليل، وأنار لكم السبيل.
﴿ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63) ﴾ ؛ أي: عقوبة على جحدهم لآيات الله وتعديهم على رسله؛ صرفوا عن التوحيد والإخلاص؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (127) ﴾ [ التوبة: ١٢٧] .
﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا ﴾ ؛ أي: قارة ساكنة مهيأة لكل مصالحكم، تتمكنون من حرثها وغرسها والبناء عليها والسفر والإقامة فيها، ﴿ وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ﴾ : سقفًا للأرض التي أنتم فيها، قد جعل الله فيها ما تنتفعون به من الأنوار والعلامات، التي يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ : فليس في جنس الحيوانات أحسن صورة من بني آدم؛ كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ﴾ [التين: ٤] ، وإذا أردت أن تعرف حسن الآدمي وكمال حكمة الله تعالى فيه؛ فانظر إليه عضوًا عضوًا؛ هل تجد عضوًا من أعضائه يليق به ويصلح أن يكون في غير محله، وانظر أيضًا إلى الميل الذي في القلوب
بعضهم لبعض؛ هل تجد ذلك في غير الآدميين، وانظر إلى ما خصه الله به من العقل والإيمان والمحبة والمعرفة التي هي أحسن الأخلاق المناسبة لأجمل الصور؟! ﴿ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ : وهذا شامل لكل طيب من مأكل ومشرب ومنكح وملبس ومنظر ومسمع وغير ذلك من الطيبات التي يسرها الله لعباده ويسر لهم أسبابها ومنعهم من الخبائث التي تضادها وتضر أبدانهم وقلوبهم وأديانهم. ﴿ ذَلِكُمُ ﴾ : الذي دبر الأمور وأنعم عليكم بهذه النعم، ﴿ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) ﴾ ؛ أي: تعاظم وكثر خيره وإحسانه، المربي جميع العالمين بنعمه.
﴿ هُوَ الْحَيُّ ﴾ : الذي له الحياة الكاملة التامة المستلزمة لما تستلزمه من صفاته الذاتية التي لا تتم حياته إلا بها؛ كالسمع والبصر والقدرة والعلم والكلام وغير ذلك من صفات كماله ونعوت جلاله. ﴿ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ ؛ أي: لا معبود بحق إلا وجهه الكريم، ﴿ فَادْعُوهُ ﴾ : وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ ؛ أي: اقصدوا بكل عبادة ودعاء وعمل وجه الله تعالى؛ فإن الإخلاص هو المأمور به؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ﴾ [البينة: ٥] . ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65) ﴾ ؛ أي: جميع المحامد والمدائح والثناء؛ بالقول كنطق الخلق بذكره، والفعل كعبادتهم له؛ كل ذلك لله تعالى وحده لا شريك له؛ لكماله في أوصافه وأفعاله وتمام نعمه.
{"ayahs_start":61,"ayahs":["ٱللَّهُ ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّیۡلَ لِتَسۡكُنُوا۟ فِیهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَشۡكُرُونَ","ذَ ٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ خَـٰلِقُ كُلِّ شَیۡءࣲ لَّاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ","كَذَ ٰلِكَ یُؤۡفَكُ ٱلَّذِینَ كَانُوا۟ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ یَجۡحَدُونَ","ٱللَّهُ ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارࣰا وَٱلسَّمَاۤءَ بِنَاۤءࣰ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّیِّبَـٰتِۚ ذَ ٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ","هُوَ ٱلۡحَیُّ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَۗ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ"],"ayah":"ٱللَّهُ ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارࣰا وَٱلسَّمَاۤءَ بِنَاۤءࣰ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّیِّبَـٰتِۚ ذَ ٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











