قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى يَعْنِي الْقُرْآنَ آمَنَّا بِهِ وَبِاللَّهِ، وَصَدَّقْنَا مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى رِسَالَتِهِ. وَكَانَ ﷺ مَبْعُوثًا إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. قَالَ الْحَسَنُ: بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ رَسُولًا مِنَ الْجِنِّ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَلَا مِنَ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى [يوسف: ١٠٩] وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى [[راجع ج ٩ ص ٢٧٤]]. وَفِي الصَّحِيحِ: "وَبُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ" أَيِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ.
(فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً) قال ابن عباس: لا يخاف أَنْ يُنْقَصَ مِنْ حَسَنَاتِهِ وَلَا أَنْ يُزَادَ فِي سَيِّئَاتِهِ، لِأَنَّ الْبَخْسَ النُّقْصَانُ، وَالرَّهَقَ: الْعُدْوَانُ وغشيان المحارم، قال الأعشى:
لا شي يَنْفَعُنِي مِنْ دُونِ رُؤْيَتِهَا ... هَلْ يَشْتَفِي وَامِقٌ مَا لَمْ يُصِبْ رَهَقَا
الْوَامِقُ: الْمُحِبُّ، وَقَدْ وَمِقَهُ يَمِقُهُ بِالْكَسْرِ أَيْ أَحَبَّهُ، فَهُوَ وَامِقٌ. وَهَذَا قَوْلٌ حَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْجِنِّ، لِقُوَّةِ إِيمَانِهِمْ وَصِحَّةِ إِسْلَامِهِمْ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ فَلا يَخافُ رَفْعًا عَلَى تَقْدِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَخَافُ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَيَحْيَى [[في ا، ح: (ويحبى عن إبراهيم).]] وَإِبْرَاهِيمُ "فَلَا يَخَفْ" جَزْمًا عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ وَإِلْغَاءِ الْفَاءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ﴾ أَيْ وَأَنَّا بَعْدَ اسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ مُخْتَلِفُونَ، فَمِنَّا مَنْ أَسْلَمَ وَمِنَّا مَنْ كَفَرَ. وَالْقَاسِطُ: الْجَائِرُ، لِأَنَّهُ عَادِلٌ عَنِ الْحَقِّ، وَالْمُقْسِطُ: الْعَادِلُ، لِأَنَّهُ عَادِلٌ إِلَى الْحَقِّ، [يُقَالُ: [قَسَطَ: أَيْ جَارَ، وَأَقْسَطَ: إِذَا عَدَلَ، قَالَ الشَّاعِرُ:
قَوْمٌ هُمْ قَتَلُوا ابْنَ هِنْدٍ عَنْوَةً ... عَمْرًا وَهُمْ قَسَطُوا عَلَى النُّعْمَانِ
(فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً) أَيْ قَصَدُوا طريق الحق وتوخوه ومنه تحرى القبلةَ- أَمَّا الْقاسِطُونَ)
أَيِ الْجَائِرُونَ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ والايمانَ كانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً)
أي وقودا. وقوله: كانُوا
أي في علم الله تعالى.
{"ayahs_start":13,"ayahs":["وَأَنَّا لَمَّا سَمِعۡنَا ٱلۡهُدَىٰۤ ءَامَنَّا بِهِۦۖ فَمَن یُؤۡمِنۢ بِرَبِّهِۦ فَلَا یَخَافُ بَخۡسࣰا وَلَا رَهَقࣰا","وَأَنَّا مِنَّا ٱلۡمُسۡلِمُونَ وَمِنَّا ٱلۡقَـٰسِطُونَۖ فَمَنۡ أَسۡلَمَ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ تَحَرَّوۡا۟ رَشَدࣰا","وَأَمَّا ٱلۡقَـٰسِطُونَ فَكَانُوا۟ لِجَهَنَّمَ حَطَبࣰا"],"ayah":"وَأَنَّا لَمَّا سَمِعۡنَا ٱلۡهُدَىٰۤ ءَامَنَّا بِهِۦۖ فَمَن یُؤۡمِنۢ بِرَبِّهِۦ فَلَا یَخَافُ بَخۡسࣰا وَلَا رَهَقࣰا"}