الباحث القرآني

أَيِ الْقَادِرُ عَلَى إِنْجَائِكُمْ مِنَ الْكَرْبِ، قَادِرٌ على تعذيبكم. ومعنى (مِنْ فَوْقِكُمْ) الرجم والحجارة وَالطُّوفَانُ وَالصَّيْحَةُ وَالرِّيحُ، كَمَا فَعَلَ بِعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ شُعَيْبٍ وَقَوْمِ لُوطٍ وَقَوْمِ نُوحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَابْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمَا. (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) الْخَسْفُ وَالرَّجْفَةُ، كَمَا فَعَلَ بِقَارُونَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ. وَقِيلَ: "مِنْ فَوْقِكُمْ" يَعْنِي الْأُمَرَاءَ الظَّلَمَةَ، "أَوْ- مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ" يَعْنِي السَّفَلَةَ وَعَبِيدَ السُّوءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ أَيْضًا. (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً) وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيِّ "أَوْ يَلْبِسَكُمْ" بِضَمِّ الْيَاءِ، أَيْ يُجَلِّلُكُمُ الْعَذَابُ وَيَعُمُّكُمْ بِهِ، وَهَذَا مِنَ اللُّبْسِ بِضَمِّ الْأَوَّلِ، وَقِرَاءَةُ الْفَتْحِ مِنَ اللَّبْسِ. وَهُوَ مَوْضِعٌ مُشْكِلٌ وَالْإِعْرَابُ يُبَيِّنُهُ أَيْ يَلْبِسُ عَلَيْكُمْ أَمْرَكُمْ، فَحُذِفَ أَحَدُ الْمَفْعُولَيْنِ وَحَرْفُ الْجَرِّ، كَمَا قَالَ: "وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ" [[راجع ج ١٩ ص ٢٥٠.]] وَهَذَا اللَّبْسُ بِأَنْ يَخْلِطَ أَمْرَهُمْ فَيَجْعَلَهُمْ مُخْتَلِفِي الْأَهْوَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: مَعْنَى "يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً" يُقَوِّي عَدُوَّكُمْ حَتَّى يُخَالِطَكُمْ وَإِذَا خَالَطَكُمْ فَقَدْ لَبِسَكُمْ. "شِيَعاً" مَعْنَاهُ فِرَقًا. وَقِيلَ يَجْعَلُكُمْ فِرَقًا يُقَاتِلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَذَلِكَ بِتَخْلِيطِ أَمْرِهِمْ وَافْتِرَاقِ أُمَرَائِهِمْ [[في ك: أهوائهم.]] عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا. وهو معنى (قوله) [[في ك: أهوائهم.]] (وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) أَيْ بِالْحَرْبِ وَالْقَتْلِ فِي الْفِتْنَةِ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وَالْآيَةُ عَامَّةٌ فِي الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ. وَقِيلَ هِيَ فِي الْكُفَّارِ خَاصَّةً. وَقَالَ الْحَسَنُ: هِيَ فِي أَهْلِ الصَّلَاةِ. قُلْتُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَإِنَّهُ الْمُشَاهَدُ فِي الْوُجُودِ، فَقَدْ لَبِسَنَا الْعَدُوُّ فِي دِيَارِنَا وَاسْتَوْلَى عَلَى أَنْفُسِنَا وَأَمْوَالِنَا، مَعَ الْفِتْنَةِ الْمُسْتَوْلِيَةِ عَلَيْنَا بِقَتْلِ بَعْضِنَا بعضا واستباحة بعضنا أموال بعض. نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا أَنَّهُ تَأَوَّلَ ذَلِكَ فِيمَا جَرَى بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إن اللَّهَ [[زوى: جمع.]] زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَأُعْطِيَتِ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَلَّا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَلَّا يُسَلَّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ وَإِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَلَّا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَلَّا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ [[أي مجتمعهم وموضع سلطانهم ومستقر دعوتهم.]] وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا- أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا- حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا (. وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ رَاقَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اللَّيْلَةَ كُلَّهَا حَتَّى كَانَ مَعَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ صَلَاتِهِ جَاءَهُ خَبَّابٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! لَقَدْ صَلَّيْتَ اللَّيْلَةَ صَلَاةً مَا رَأَيْتُكَ صَلَّيْتَ نَحْوَهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَجَلْ إِنَّهَا صَلَاةُ رَغَبٍ وَرَهَبٍ سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا ثَلَاثَ خِصَالٍ فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَلَّا يُهْلِكَنَا بِمَا أَهْلَكَ بِهِ الْأُمَمَ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَلَّا يُظْهِرَ عَلَيْنَا عَدُوًّا مِنْ غَيْرِنَا فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَلَّا يُلْبِسَنَا شِيَعًا فَمَنَعَنِيهَا". وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى هَذِهِ الْأَخْبَارِ فِي كِتَابِ (التَّذْكِرَةِ) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِجِبْرِيلَ: "يَا جِبْرِيلُ مَا بَقَاءُ أُمَّتِي عَلَى ذَلِكَ"؟ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: "إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ مِثْلُكَ فَادْعُ رَبَّكَ وَسَلْهُ لِأُمَّتِكَ) فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَوَضَّأَ وَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ وَصَلَّى وَأَحْسَنَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ دَعَا فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَقَالَ:" يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمِعَ مَقَالَتَكَ وَأَجَارَهُمْ مِنْ خَصْلَتَيْنِ وَهُوَ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ". فَقَالَ: (يَا جِبْرِيلُ مَا بَقَاءُ أُمَّتِي إِذَا كَانَ فِيهِمْ أَهْوَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ وَيُذِيقُ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ"؟ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: "الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا" [[راجع ج ١٣ ص ٣٢٣.]] الْآيَةَ. وَرَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ "قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ" فَلَمَّا نَزَلَتْ "أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ" قَالَ: (هَاتَانِ أَهْوَنُ). وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:" لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يدع هؤلاء الكلمات حين يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكُ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي. اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي (. قَالَ وكيع: يعني الخسف. قوله تعالى:) انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ) أَيْ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْحُجَجَ وَالدَّلَالَاتِ. (لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) يُرِيدُ بُطْلَانَ مَا هم عليه من الشرك والمعاصي.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب