فِيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ﴾ جَعَلَ هُنَا بِمَعْنَى خَلَقَ وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقَدْ سُمِّيَتْ الْكَعْبَةُ كَعْبَةً لِأَنَّهَا مُرَبَّعَةٌ وَأَكْثَرُ بُيُوتِ الْعَرَبِ مُدَوَّرَةٌ وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ كَعْبَةٌ لِنُتُوئِهَا وَبُرُوزِهَا، فَكُلُّ نَاتِئٍ بَارِزٍ كَعْبٌ، مُسْتَدِيرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُسْتَدِيرٍ. وَمِنْهُ كَعْبُ الْقَدَمِ وَكُعُوبُ الْقَنَاةِ. وَكَعَبَ ثَدْيُ الْمَرْأَةِ إِذَا ظَهَرَ فِي صَدْرِهَا. وَالْبَيْتُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا ذَاتُ سَقْفٍ وَجِدَارٍ، وَهِيَ حَقِيقَةُ الْبَيْتِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا سَاكِنٌ. وَسَمَّاهُ سُبْحَانَهُ حَرَامًا بِتَحْرِيمِهِ إِيَّاهُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:] إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ [وَقَدْ تَقَدَّمَ أَكْثَرُ هَذَا مُسْتَوْفًى وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قِياماً لِلنَّاسِ﴾ أَيْ صَلَاحًا وَمَعَاشًا، لِأَمْنِ النَّاسِ بِهَا، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ "قِياماً" بِمَعْنَى يَقُومُونَ بِهَا. وَقِيلَ: "قِياماً" أَيْ يَقُومُونَ بِشَرَائِعِهَا. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ "قِيَمًا" وَهُمَا مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِكَسْرَةِ مَا قَبْلَهَا. وَقَدْ قِيلَ: "قِوَامٌ". قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْحِكْمَةُ فِي جَعْلِ اللَّهِ تَعَالَى هَذِهِ الْأَشْيَاءَ قِيَامًا لِلنَّاسِ، أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْخَلْقَ عَلَى سَلِيقَةِ الْآدَمِيَّةِ مِنَ التَّحَاسُدِ وَالتَّنَافُسِ وَالتَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ، وَالسَّلْبِ وَالْغَارَةِ وَالْقَتْلِ وَالثَّأْرِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ فِي الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْمَشِيئَةِ الْأَوَّلِيَّةِ مِنْ كَافٍّ يَدُومُ مَعَهُ [[في ج، ك، ب وع: مع.]] الْحَالُ وَوَازِعٌ يُحْمَدُ مَعَهُ الْمَآلُ. قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: "إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً" [[راجع ج ١ ص ٢٧١.]]] البقرة: ٣٠] فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْخِلَافَةِ، وَجَعَلَ أُمُورَهُمْ إِلَى وَاحِدٍ يَزَعُهُمْ [[في ك: يزجرهم.]] عَنِ التَّنَازُعِ، وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى التَّآلُفِ مِنَ التَّقَاطُعِ، وَيَرُدُّ الظَّالِمَ عَنِ الْمَظْلُومِ، وَيُقَرِّرُ كُلَّ يَدٍ عَلَى مَا تَسْتَوْلِي عَلَيْهِ. رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَقُولُ: مَا يَزَعُ الْإِمَامُ أَكْثَرَ مِمَّا يَزَعُ الْقُرْآنُ، ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَجَوْرُ السُّلْطَانِ عاما واحدا أقل أذائه مِنْ كَوْنِ النَّاسِ فَوْضَى لَحْظَةً وَاحِدَةً، فَأَنْشَأَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْخَلِيفَةَ لِهَذِهِ الْفَائِدَةِ، لِتَجْرِيَ عَلَى رَأْيِهِ الْأُمُورُ، وَيَكُفَّ اللَّهُ بِهِ عَادِيَةَ الْجُمْهُورِ [[في الأصول: الأمور. والتصويب من ابن العربي.]]، فَعَظَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي قُلُوبِهِمْ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، وَأَوْقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ هَيْبَتَهُ، وَعَظَّمَ بَيْنَهُمْ حُرْمَتَهُ، فَكَانَ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ مَعْصُومًا بِهِ، وَكَانَ مَنِ اضْطُهِدَ مَحْمِيًّا بِالْكَوْنِ فِيهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ" [[راجع ج ١٣ ص ٣٦٣.]]] العنكبوت: ٦٧]. قَالَ الْعُلَمَاءُ: فَلَمَّا كَانَ مَوْضِعًا مَخْصُوصًا لَا يُدْرِكُهُ كُلُّ مَظْلُومٍ، وَلَا يَنَالُهُ كُلُّ خَائِفٍ جعله الله الشهر الحرام ملجأ آخر وهي: الثَّالِثَةُ- وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ، وَالْمُرَادُ الْأَشْهُرُ الثَّلَاثَةُ [[كذا في الأصول وصوابه: الاربعة.]] بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَرَّرَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ حُرْمَتَهَا، فَكَانُوا لَا يُرَوِّعُونَ فِيهَا سِرْبًا- أَيْ نَفْسًا- وَلَا يَطْلُبُونَ فِيهَا دَمًا وَلَا يَتَوَقَّعُونَ فِيهَا ثَأْرًا، حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى قَاتِلَ أَبِيهِ وَابْنِهِ وَأَخِيهِ فَلَا يُؤْذِيهِ. وَاقْتَطَعُوا فِيهَا ثُلُثَ الزَّمَانِ. وَوَصَلُوا مِنْهَا ثَلَاثَةً مُتَوَالِيَةً، فُسْحَةً وَرَاحَةً وَمَجَالًا لِلسِّيَاحَةِ فِي الْأَمْنِ وَالِاسْتِرَاحَةِ، وَجَعَلُوا مِنْهَا وَاحِدًا مُنْفَرِدًا فِي نِصْفِ الْعَامِ دَرْكًا لِلِاحْتِرَامِ، وَهُوَ شَهْرُ رَجَبٍ الْأَصَمِّ وَيُسَمَّى مُضَرَ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ:] رَجَبُ [[[من ب وج وك وهـ وع.]] الْأَصَمُّ، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُسْمَعُ فِيهِ صَوْتُ الْحَدِيدِ، وَيُسَمَّى مُنْصِلُ الْأَسِنَّةِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْزِعُونَ فِيهِ الْأَسِنَّةَ مِنَ الرِّمَاحِ، وَهُوَ شَهْرُ قُرَيْشٍ، وَلَهُ يَقُولُ عَوْفُ ابن الْأَحْوَصِ:
وَشَهْرُ بَنِي أُمَيَّةَ وَالْهَدَايَا ... إِذَا سِيقَتْ مُضَرِّجَهَا الدِّمَاءُ
وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ شَهْرَ اللَّهِ، أَيْ شَهْرَ آلِ اللَّهِ، وكان يقال لأهله الْحَرَمِ: آلُ اللَّهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ شَهْرَ اللَّهِ، لِأَنَّ اللَّهَ مَتَّنَهُ [[في ب وج وك وهـ وز: سنه.]] وَشَدَّدَهُ إِذْ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ لَا يَرَاهُ. وَسَيَأْتِي فِي "بَرَاءَةٌ" [[راجع ج ٨ ص ١٣٢ فما بعدها.]] أَسْمَاءُ الشُّهُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ يَسَّرَ لَهُمُ الْإِلْهَامَ، وَشَرَعَ [[في ب وج وك وهـ وز: أو شرعا. أي يسر إلهاما أو شرعا. إلخ.]] عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ الْكِرَامِ الْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ، وَهِيَ: الرَّابِعَةُ- فَكَانُوا إِذَا أَخَذُوا بَعِيرًا أَشْعَرُوهُ دَمًا، أَوْ عَلَّقُوا عَلَيْهِ نَعْلًا، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ مِنَ التَّقْلِيدِ- عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ أَوَّلَ السُّورَةِ- لَمْ يُرَوِّعْهُ أَحَدٌ حَيْثُ لَقِيَهُ، وَكَانَ الْفَيْصَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ طَلَبَهُ أَوْ ظَلَمَهُ حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَبَيَّنَ الْحَقَّ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَانْتَظَمَ الدِّينُ فِي سِلْكِهِ، وَعَادَ الْحَقُّ إِلَى نِصَابِهِ، فَأُسْنِدَتِ الْإِمَامَةُ إِلَيْهِ، وَانْبَنَى وُجُوبُهَا عَلَى الْخَلْقِ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ" [[راجع ج ١٢ ص ٢٩٧.]]] النور: ٥٥] الْآيَةَ. وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٢٦٣ فما بعدها.]] أَحْكَامُ الْإِمَامَةِ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهَا. الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ لِتَعْلَمُوا﴾ "ذلِكَ" إِشَارَةً إِلَى جَعْلِ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمُورَ قِيَامًا، وَالْمَعْنَى فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أن الله يعلم تفاصيل أمور السموات وَالْأَرْضِ، وَيَعْلَمُ مَصَالِحَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ قَبْلُ وَبَعْدُ، فانظروا لطفه بالعباد على حال كفرهم.
{"ayah":"۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَیۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِیَـٰمࣰا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَٱلۡهَدۡیَ وَٱلۡقَلَـٰۤىِٕدَۚ ذَ ٰلِكَ لِتَعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ یَعۡلَمُ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمٌ"}