الباحث القرآني

فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ لَفْظٌ عَامٌّ لِجَمِيعِ مَا يُعْقَدُ بِاللِّسَانِ ويلتزمه الإنسان من بيع أو صلة أو مواثقة في أمر موافق للديانة. وهذه الآية مضمن قوله: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ" لِأَنَّ الْمَعْنَى فِيهَا: افْعَلُوا كَذَا، وَانْتَهُوا عَنْ كَذَا، فَعَطَفَ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي بَيْعَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْتِزَامِ الْحِلْفِ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَجَاءَ الْإِسْلَامُ بِالْوَفَاءِ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ. وَالْعُمُومُ يَتَنَاوَلُ كُلَّ ذَلِكَ كَمَا بَيَّنَّاهُ. رَوَى الصَّحِيحُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً" يَعْنِي فِي نُصْرَةِ الْحَقِّ وَالْقِيَامِ بِهِ وَالْمُوَاسَاةِ. وَهَذَا كَنَحْوِ حِلْفِ الْفُضُولِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: اجْتَمَعَتْ قَبَائِلُ مِنْ قُرَيْشٍ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ لِشَرَفِهِ وَنَسَبِهِ [[في سيرة ابن هشام: "لشرفه وسنة".]]، فَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا عَلَى أَلَّا يَجِدُوا بِمَكَّةَ مَظْلُومًا مِنْ أَهْلِهَا أَوْ غَيْرِهِمْ إِلَّا قَامُوا مَعَهُ حَتَّى تُرَدَّ عَلَيْهِ مَظْلَمَتُهُ، فَسَمَّتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ الْحِلْفَ حِلْفَ الْفُضُولِ، أَيْ حِلْفَ الْفَضَائِلِ. وَالْفُضُولُ هُنَا جَمْعُ فَضْلٍ لِلْكَثْرَةِ كَفَلْسٍ وَفُلُوسٍ. رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرُ النَّعَمِ لَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لا جبت". وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: تَحَامَلَ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ عَلَى حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فِي مَالٍ لَهُ، لِسُلْطَانِ الْوَلِيدِ فَإِنَّهُ كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَتُنْصِفَنِّي مِنْ حَقِّي أَوْ لَآخُذَنَّ سَيْفِي ثُمَّ لَأَقُومَنَّ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ لَأَدْعُوَنَّ بِحِلْفِ الْفُضُولِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: وَأَنَا أَحْلِفُ وَاللَّهِ لَئِنْ دَعَانَا [[في سيرة ابن هشام: "لئن دعا به".]] لَآخُذَنَّ سَيْفِي ثُمَّ لَأَقُومَنَّ مَعَهُ حَتَّى يَنْتَصِفَ مِنْ حَقِّهِ أَوْ نَمُوتَ جَمِيعًا. وَبَلَغَتِ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. وبلغت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيَّ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْوَلِيدَ أَنْصَفَهُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: فَهَذَا الْحِلْفُ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ هُوَ الَّذِي شَدَّهُ الْإِسْلَامُ وَخَصَّهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ: "لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ". وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الشَّرْعَ جَاءَ بِالِانْتِصَارِ مِنَ الظَّالِمِ وَأَخْذِ الْحَقِّ مِنْهُ وَإِيصَالِهِ إِلَى الْمَظْلُومِ، وَأَوْجَبَ ذَلِكَ بِأَصْلِ الشَّرِيعَةِ إِيجَابًا عَامًّا عَلَى مَنْ قَدَرَ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ، وَجَعَلَ لَهُمُ السَّبِيلَ عَلَى الظَّالِمِينَ فَقَالَ تَعَالَى:" إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [[راجع ج ١٦ ص ٤٤.]] ". وفى الصحيح (من قوله [[من و.]]: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: "تَأْخُذُ عَلَى يَدَيْهِ- فِي رِوَايَةٍ: تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ- فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ". وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ وَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ". الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ يَقُولُ بَعْدَ تَشْدِيدِهَا وَتَغْلِيظِهَا، يُقَالُ: تَوْكِيدٌ وَتَأْكِيدٌ، وَوَكَّدَ وَأَكَّدَ، وَهُمَا لُغَتَانِ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ يَعْنِي شَهِيدًا. وَيُقَالُ: حَافِظًا، وَيُقَالُ: ضَامِنًا. وَإِنَّمَا قَالَ "بَعْدَ تَوْكِيدِها" فَرْقًا بَيْنَ الْيَمِينِ الْمُؤَكَّدَةِ بِالْعَزْمِ وَبَيْنَ لَغْوِ الْيَمِينِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ التَّوْكِيدُ هُوَ حَلِفُ الْإِنْسَانِ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ مِرَارًا، يُرَدِّدُ فِيهِ الْأَيْمَانَ ثَلَاثًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا أَنْقُصُهُ مِنْ كَذَا، وَاللَّهِ لَا أَنْقُصُهُ مِنْ كَذَا، وَاللَّهِ لَا أَنْقُصُهُ مِنْ كَذَا. قَالَ: فَكَفَّارَةُ ذَلِكَ وَاحِدَةٌ مِثْلُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: هِيَ الْعُهُودُ، وَالْعَهْدُ يَمِينٌ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعَهْدَ لَا يُكَفَّرُ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "يُنْصَبُ لِكُلِ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اسْتِهِ بِقَدْرِ غَدَرْتِهِ يُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ". وَأَمَّا الْيَمِينُ بِاللَّهِ فَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهَا الْكَفَّارَةَ بِخَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَحَلَّ مَا انْعَقَدَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: التَّوْكِيدُ هُوَ أَنْ يَحْلِفَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ حَلَفَ وَاحِدَةً فَلَا كَفَّارَةَ فيه. وقد تقدم في المائدة [[راجع ج ٦ ص ٣٦٤.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب