الباحث القرآني

(p-٢٠٢)سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ مَقْصُودُها انْكِشافُ الأُمُورِ، وظُهُورُ المَقْدُورِ أتَمَّ ظُهُورٍ، وانْقِسامُ النّاسِ في الجَزاءِ في دارِ البَقاءِ إلى سَعادَةٍ وشَقاءٍ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ اسْمُها بِتَأمُّلِ الظَّرْفِ ومَظْرُوفِهِ، وما أفادَ مِن بَدِيعِ القَدْرِ وصُرُوفِهِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّ الخَلْقَ بِنِعْمَتِهِ الظّاهِرَةِ قَسَمًا ”الرَّحِيم“ الَّذِي أتَمَّ النِّعْمَةَ عَلى خَواصِّهِ حَقِيقَةً واسْمًا، عَيْنًا ورَسْمًا. * * * لِما خَتَمَ تِلْكَ بِجَزاءِ الصّالِحِ والطّالِحِ في دارِ البَقاءِ عَلى ما أسْلَفُوهُ في مُواطِنِ الفَناءِ، ذَكَرَ في هَذِهِ أوَّلَ مَبادِئِ تِلْكَ الدّارِ وأوائِلَ غاياتِها، وذَكَرَ في القارِعَةِ ثَوانِي مَبادِئِها وآخِرِ غاياتِها، وأبْلَغُ في التَّحْذِيرِ بِالإخْبارِ بِإظْهارِ ما يَكُونُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّحَقُّقِ لِأنَّ الأمْرَ حَتْمٌ لا بُدَّ مِن كَوْنِهِ: ﴿إذا﴾ . ولَمّا كانَ المُخَوِّفُ الزَّلْزَلَةَ ولَوْ لَمْ يُعْلَمْ فاعِلُها، وكانَ البِناءُ لِلْمَفْعُولِ يَدُلُّ عَلى سُهُولَةِ الفِعْلِ ويُسْرِهِ جِدًّا، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿زُلْزِلَتِ الأرْضُ﴾ أيْ حُرِّكَتْ واضْطَرَبَتْ زَلْزَلَةُ البَعْثِ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ بِحَيْثُ يَعُمُّها ذَلِكَ (p-٢٠٣)لا كَما كانَ يَتَّفِقُ قَبْلَ ذَلِكَ مِن زَلْزَلَةِ بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ وعَلى وجْهٍ دُونَ ذَلِكَ، وعِظَمِ هَذا الزِّلْزالِ وهَوْلِهِ بِإبْهامِهِ لِتَذْهَبَ النَّفْسُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَقالَ كاسِرًا الزّاءَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، ولَوْ فَتَحَها لَكانَ اسْمًا لِلْحَرَكَةِ، قالَ البَيْضاوِيُّ: ولَيْسَ إلّا في المُضاعَفِ. ﴿زِلْزالَها﴾ أيْ تَحَرُّكُها واضْطِرابُها الَّذِي يَحِقُّ لَها في مُناسَبَتِهِ لِعَظَمَةِ جُرْمِ الأرْضِ وعَظَمَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ولَوْ شَرَحَ بِما يَلِيقُ بِهِ لَطالَ الشَّرْحُ، وذَلِكَ كَما تَقُولُ: أُكْرِمُ التَّقِيَّ إكْرامَةً وأهِنُ الفاسِقَ [الشَّقِيَّ] إهانَةً، أيْ عَلى حَسَبِ ما يَلِيقُ بِهِ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: ورَدَتْ عَقِبَ سُورَةِ البَرِيَّةِ لِيُبَيِّنَ بِها حُصُولَ جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ ومَآلَ الصِّنْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ٦] - إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البينة: ٧] - إلى آخِرِ السُّورَةِ. ولَمّا كانَ حاصِلُ ذَلِكَ افْتِراقُهم عَلى صِنْفَيْنِ ولَمْ يَقَعْ تَعْرِيفٌ بِتَبايَنُ أحْوالَهُمْ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِمَآلِ الصِّنْفَيْنِ واسْتِيفاءِ جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ المُجْمَلِ ذِكْرُهم فَقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] إلى آخِرِ السُّورَةِ - انْتَهى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب