الباحث القرآني

ولَمّا كانَ العُسْرُ مَكْرُوهًا إلى النُّفُوسِ، وكانَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيهِ حِكَمًا عَظِيمَةً، وكانَتِ الحِكَمُ لا تَتَراءى إلّا لِلْأفْرادِ مِنَ العِبادِ، كَرَّرَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ لِجَوابِ مَن يَقُولُ: وهَلْ بَعْدَهُ مِن عُسْرٍ؟ مُؤَكِّدًا لَهُ تَرْغِيبًا في أمْرِهِ تَرَقُّبًا لِما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ مُبَشِّرًا بِتَكْرِيرِهِ مَعَ وحْدَةِ العُسْرِ وإنْ كانَ حَمْلُ كُلِّ [واحِدٍ] مِنهُما عَلى شَيْءٍ غَيْرِ ما قَصَدَ بِهِ الآخَرُ مُمْكِنًا فَقالَ: ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ﴾ أيِ المَذْكُورِ فَإنَّهُ مَعْرِفَةٌ، والمَعْرِفَةُ إذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً كانَتْ غَيْرَ الأُولى سَواءٌ أُرِيدُ العَهْدَ أوِ الجِنْسَ ﴿يُسْرًا﴾ أيْ آخَرَ لِدَفْعِ المَضارِّ والمَكارِهِ، فَإنَّ النَّكِرَةَ إذا أُعِيدَتْ نَكِرَةً احْتُمِلَ أنْ تَكُونَ غَيْرَ الأُولى، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّها غَيْرُها» فَقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أتاكُمُ اليُسْرُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» . وقَدْ رَوى هَذا مِن أوْجُهٍ كَثِيرَةٍ، ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَوْ كانَ العُسْرُ في جُحْرِ ضَبٍّ لِتَبِعَهُ اليُسْرُ حَتّى يُخْرِجَهُ» . [ ولِلطَّبَرانِيِّ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ كانَ (p-١٢٤)العُسْرُ في جُحْرٍ لَدَخَلَ عَلَيْهِ اليُسْرُ حَتّى يُخْرِجَهُ»]، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الآيَةَ، قالَ الحافِظُ نُورُ الدِّينِ الهَيْثَمِيُّ: وفِيهِ أبُو مالِكٍ النَّخْعِيُّ وهو ضَعِيفٌ، ورَواهُ الطَّبَرانِيُّ أيْضًا في الأوْسَطِ والبَزّارُ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِنَحْوِهِ، قالَ الهَيْثَمِيُّ: وفِيهِ عائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ وهو ضَعِيفٌ، ورَوى الفَرّاءُ عَنِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «خَرَجَ ذاتَ يَوْمٍ وهو يَضْحَكُ ويَقُولُ: ”لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ»“ ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرَ عَنْ أيُّوبَ عَنِ الحَسَنِ بِهِ مُرْسَلًا، ومِن طَرِيقِهِ أخْرَجَهُ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ [و] رَواهُ الطَّبَرِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرَ، ورَواهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِن طَرِيقٍ أُخْرى مَوْصُولًا وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ، وفي البابِ عَنْ عُمَرَ ذَكَرَهُ مالِكٌ في المُوَطَّإ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَضَرَ بِالشّامِ فَكَتَبَ إلَيْهِ كِتابًا فِيهِ «ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» " ومِن طَرِيقِهِ رَواهُ الحاكِمُ، قالَ ذَلِكَ شَيْخُنا ابْنُ حَجَرٍ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافِ، وقالَ: وهَذا أصَحُّ طُرُقِهِ - انْتَهى، وهَذا مِن جِهَةِ أنَّ اليُسْرَ نَكِرَةٌ والعُسْرَ مَعْرِفَةٌ، وقَدِ اشْتُهِرَ أنَّ النَّكِرَةَ إذا أُعِيدَتْ نَكِرَةً فالثّانِي غَيْرُ الأوَّلِ، والمَعْرِفَةُ بِالعَكْسِ، قالَ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتازانِيُّ في أوَّلِ تَلْوِيحِهِ في الكَلامِ عَلى المَعْرِفَةِ والنَّكِرَةِ: (p-١٢٥)الكَلامُ فِيما إذا أُعِيدَ اللَّفْظُ الأوَّلُ إمّا مَعَ كَيْفِيَّتِهِ مِنَ التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ أوْ بِدُونِها، وحِينَئِذٍ يَكُونُ طَرِيقُ التَّعْرِيفِ هو اللّامُ أوِ الإضافَةُ لِيَصِحَّ إعادَةُ المَعْرِفَةِ نَكِرَةً وبِالعَكْسِ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ أنَّ المَذْكُورَ أوَّلًا إمّا أنْ يَكُونَ نَكِرَةً أوْ مَعْرِفَةً، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ إمّا أنْ يُعادَ نَكِرَةً أوْ مَعْرِفَةً فَيَصِيرُ أرْبَعَةَ أقْسامٍ، وحُكْمُها أنْ يَنْظُرَ إلى الثّانِي، فَإنْ كانَ نَكِرَةً فَهو مُغايِرٌ لِلْأوَّلِ، وإلّا لَكانَ المُناسِبُ هو التَّعْرِيفُ بِناءً عَلى كَوْنِهِ مَعْهُودًا سابِقًا بِالذِّكْرِ، إنْ كانَ مَعْرِفَةً فَهو الأوَّلُ حَمْلًا لَهُ عَلى المَعْهُودِ الَّذِي هو الأصْلُ في اللّامِ والإضافَةِ، وذَكَرَ في الكَشْفِ أنَّهُ إذا أُعِيدَتِ النَّكِرَةُ نَكِرَةً فالثّانِي مُغايِرٌ لِلْأوَّلِ وإلّا فَعَيْنُهُ فَإنَّ المَعْرِفَةَ تَسْتَغْرِقُ الجِنْسَ، والنَّكِرَةُ تَتَناوَلُ البَعْضَ، فَيَكُونُ داخِلًا في الكُلِّ سَواءٌ قَدَّمَ أوْ أخَّرَ، وفِيهِ نَظَرٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ التَّعْرِيفَ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِغْراقِ بَلِ العَهْدُ هو الأصْلُ، وعِنْدَ تَقَدُّمِ المَعْهُودِ لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ النَّكِرَةُ عَيْنَهُ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ مَعْنى كَوْنِ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ هو المُرادُ بِالأوَّلِ، والجُزْءُ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ لَيْسَ كَذَلِكَ، وأمّا ثالِثًا فَإنَّ إعادَةَ المَعْرِفَةِ نَكِرَةٌ مَعَ مُغايَرَةِ الثّانِي لِلْأوَّلِ كَثِير في (p-١٢٦)الكَلامِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا﴾ [الأنعام: ١٥٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْـزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] وقالَ تَعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤] وقالَ تَعالى: ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ غَيْرُهُ: أيَسْألُك أهْلُ الكِتابِ أنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِمْ كتابًا مِنَ السَّماءِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا النّاسُ ناسٌ والزَّمانُ زَمانُ فَإنَّ الثّانِي لَوْ كانَ عَيْنَ الأوَّلِ لَمْ يَكُنْ في الإخْبارِ بِهِ فائِدَةٌ - انْتَهى. قالَ: واعْلَمْ أنَّ المُرادَ أنَّ هَذا هو الأصْلُ عِنْدَ الإطْلاقِ وخُلُوُّ المَقامِ عَنِ القَرائِنِ وإلّا فَقَدَ تُعادُ النَّكِرَةُ مَعَ عَدَمِ المُغايَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] ﴿وقالُوا لَوْلا نُـزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَـزِّلَ آيَةً﴾ [الأنعام: ٣٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] يَعْنِي قُوَّةَ الشَّبابِ، ومِنهُ بابُ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، وقَدْ تُعادُ النَّكِرَةُ مَعْرِفَةً مَعَ المُغايَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْـزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْـزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ [الأنعام: ١٥٦] وقالَ غَيْرُهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] المُرادُ (p-١٢٧)بِالنَّكِرَةِ خاصٌّ وهو الصُّلْحُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وبِالمَعْرِفَةِ عامٌّ في كُلِّ صُلْحٍ جائِزٍ ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] فَإنَّ الشَّيْءَ لا يَكُونُ فَوْقَ نَفْسِهِ - انْتَهى. قالَ: وقَدْ تُعادُ المَعْرِفَةُ مَعْرِفَةً مَعَ المُغايَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: [ ﴿وأنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ﴾ [المائدة: ٤٨] وقالَ غَيْرُهُ]: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] الأوَّلُ عامٌّ والثّانِي خاصٌّ، ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] الأوَّلُ العَمَلُ والثّانِي الثَّوابُ ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الأُولى القاتِلَةُ والثّانِيَةُ المَقْتُولَةُ - انْتَهى، قالَ: وقَدْ تُعادُ المَعْرِفَةُ نَكِرَةً مَعَ عَدَمِ المُغايَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، والمَعْرِفَةُ مِثْلُ النَّكِرَةِ في حالَتَيِ الإعادَةِ مَعْرِفَةٌ والإعادَةُ نَكِرَةٌ في أنَّها إنْ أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً كانَ الثّانِي هو الأوَّلُ، وإنْ أُعِيدَتْ نَكِرَةً كانَ غَيْرَهُ، ثُمَّ مَثَّلَ بِالآيَةِ الَّتِي هُنا، وقالَ: وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى [أنْ] تَنْكِيرَ ﴿يُسْرًا﴾ لِلتَّفْخِيمِ وتَعْرِيفَ العُسْرِ لِلْعَهْدِ، أيِ العُسْرُ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ أوِ الجِنْسُ [أيْ] الَّذِي يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ، فَيَكُونُ اليُسْرُ الثّانِي مُغايِرًا لِلْأوَّلِ بِخِلافِ العُسْرِ - انْتَهى. وقالَ في الكَشّافِ: وأمّا اليُسْرُ فَمُنْكَرٌ مُتَناوَلٌ لِبَعْضِ [الجِنْسِ]، فَإذا كانَ الكَلامُ الثّانِي مُسْتَأْنَفًا عَنْ مُنْكَرٍ تَناوَلَ بَعْضًا غَيْرَ البَعْضِ الأوَّلِ بِغَيْرِ الإشْكالِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب